الخميس، 18 نوفمبر 2010

حوار موسع مع الدكتور وائل نجل اللواء رشيد مصلح القصة الكاملة لاعتقال رشيد مصلح وتعذيبه


الكاتب شامل عبد القادر
الجمعة, 03 سبتمبر 2010 22:08
حوار موسع مع الدكتور وائل نجل اللواء رشيد مصلح القصة الكاملة لاعتقال رشيد مصلح وتعذيبه ومحاكمته ثم اعدامه ماحقيقة بيان رقم (13) ومن صاحبه الحقيقي؟

حوار اجراه شامل عبد القادر ما مسؤولية البعثيين عن قرار ابادة المقاومة ضد انقلاب 8 شباط 1963 كيف؟ ولماذا سحل رشيد مصلح في مدينة الناصرية ؟ ما السرالحقيقي وراء تصفية مصلح بقرار مشترك من البكر وصدام؟ لسنوات طوال كنت اعتقد ان المرحوم اللواء رشيد مصلح طه الحاكم العسكري العام في انقلاب 8 شباط 1963 هو صاحب بيان رقم (13) السيّئ الصيت الذي اباح للجيش والحرس القومي والشرطة قتل المتصدين للانقلاب على الفور ومن دون اي مساءلة وبالطبع كان ضحية هذا البيان اعدادا كبيرة من الشيوعيين والقاسميين الذين لاقوا حتفهم رميا بالرصاص بسبب معارضتهم لانقلاب 8 شباط .
في نيسان من عام 2010 اعدت تقديم برنامجي التاريخي الوثائقي ( مالم يكتب ) الذي كنت اعده واقدمه من فضائية البغدادية في عام 2006 في فضائية السلام باسم اخر هو ( اوراق من ذاكرة العراق) وكان ضيفي للحلقة الاولى هو الدكتور وائل رشيد مصلح الذي تحدث قرابة خمسين دقيقة عن شخصية والده المرحوم رشيد مصلح الذي اعدم شنقا حتى الموت عام 1970 بتهمة ملفقة هي التجسس للامريكيين !! وكنت قد اجريت حوارا صحفيا مطولا معه المشرق نشرته بتاريخ( 5\8\2010 ) كما اودعني وائل عددا من الوثائق والكتب الرسمية الصادرة عن مكتب الحاكم العسكري العام ضد تصرفات الحرس القومي ومكتب التحقيقات الخاص ساتطرق اليها فيما بعد مع عدد من الصور النادرة لرشيد مصلح. والدكتور وائل هو الابن الثاني لرشيد مصلح قبل قيس النجل الاكبر وهو طبيب ايضا لكنه اعتذر عن استضافته في البرنامج لاسباب خاصة به ورشح لي شقيقه وائلا. وكنت قد تعرفت على وائل من دون ان اراه عن طريق نسيب الاستاذ ناجي طالب الذي كثيرا ماكنت اجده في منزل ابي طالب وهو الاستاذ رشيد كنه ابن عم المرحوم خليل كنه وزير المعارف والمالية في العهد الملكي.
حدثني الدكتور وائل رشيد مصلح قائلا :
- والدي من مواليد تكريت عام 1917 ودرس الابتدائية في تكريت ثم اكمل دراسته المتوسطة في بغداد لعدم وجود مدرسة متوسطة في تكريت وقتذاك ودرس في ثانوية الكرخ عام 1933وبعدهادخل الكلية العسكرية عام 1937 وتخرج فيها في نهاية عام1938برتبة ملازم .. ووالدي من تكريت من ال الصباغ واخواله من مدينة حديثة وقد نزح والده مصلح طه الى بغداد في ثلاثينيات القرن الماضي وكانت مهنته البيع والشراء في المواد المختلفة .. عمل والدي في الموصل اثناء حركة مايس1941 ثم انتقل الى الحرس الملكي وبقي فيه ثمانية سنوات بعدها انتقل الى المسيب وتعين امر معمل الاسلحة الخفيفة وبعد ترقيته الى رتبة عقيد عام 1957 انتقل الى منصب امر الفوج الثاني في الناصرية.
- ويقول وائل : لم يكن والدي مشاركا في ثورة 14 تموز عام 1958لكنه كان قومي الميول وفي عام 1959 قامت حركة الشواف في الموصل وفشلت ومن جرائها احيل عدد كبير من الضباط القوميين الى التقاعد ومن بينهم والدي الذي احيل الى التقاعد في نيسان من عام 1959وعند احالته الى التقاعد هجم على دارنا مجموعة كبيرة من الجنود المستجدين بتحريض من الشيوعيين وكنا انذاك نسكن مدينة الناصرية وانا اذكر انهم ارادوا سحل والدي وضربوه بـ( الدرنفيس ) على راسه وقالوا له : ( عندما راينا السجادة على كتفك عرفنا انك خائن للزعيم) .. وبعدها جاءت قوة من الفوج الذي كان هو امره وتم انقاذه ونقلوه الى الديوانية لمعالجته وضمدوا جراحه ثم رجع الى بغداد كضابط متقاعد وسكنا في بداية مجيئنا في منطقة العطيفية وكانت لديه قطعة ارض شيد عليها دارا وسكنا فيه.
- ويضيف وائل : كان احمد حسن البكر صديقه من سنوات طويلة وفي هذه الفترة اي عام 1959 اطلق سراح البكر من المعتقل وزار والدي في المنزل وكانا يتداولان الاوضاع السيئة في العراق .. كان البكر يحضر الى دارنا مرة واحدة في الاسبوع واحيانا مرتين في الاسبوع وفي عامي 1961و1962 زادت لقاءات الضباط بوالدي في منزلنا وكان يحضر اضافة الى البكر كل من ذياب العلكاوي وطاهر يحيى ومجموعة لا اتذكراسماءهم من الضباط يتناقشون اوضاع العراق وكانوا يجتمعون في اماكن اخرى غير منزلنا وبعدها عرفت من والدي انهم كانوا اشبه ما يكونون بخلية واحدة تتالف من اربعة ضباط يراسهم البكر.. لم يكن والدي بعثيا بينما كان البكر بعثيا .. ان الذي جذب والدي الى العمل السياسي هو البكر نفسه وكان يجد في والدي رجل موضع ثقة كما انهما من مدينة واحدة واصدقاء من زمن قديم ومتقاربين في العمر واشتغلا سوية في الحرس الملكي وفي المسيب ايضا اي انهما كانا صديقين لاكثر من خمسة عشر عاما اي انهما اشتغلا سوية منذ عام1943 لغاية 1958.
-عن ليلة الانقلاب
قال وائل : - كنا نسكن في اليرموك عام 1963 وزار والدي في ليلة (الثورة) طاهر يحيى وذياب العلكاوي تحدثوا معه عند باب البيت الخارجي ثم انصرفوا ولم نعرف ماالذي دار بينهم في تلك الليلة ولكن بعد فترة روت لنا امي ان المرحوم والدي اسرها ان هذه الليلة هي موعد الحركة وان الحركة ستكون غدا يوم الجمعة (8 شباط 14 من رمضان) وطلب منها ان ترزم ملابسه العسكرية في حقيبته .. كانت عند والدي رشاشة مفككة اخذها معه في الحقيبة مع الملابس العسكرية وتوجه الى حي دراغ الى بيت ذياب العلكاوي او بيت طاهر يحيى وكانت الساعة التاسعة من يوم الجمعة وكانت امي هي الشخص الوحيد في العائلة التي تعرف بموعد الحركة .. وهناك التقى بجماعته البكر وطاهر يحيى والعلكاوي واخرين وركبوا سيارة واحدة واتجهوا الى ابي غريب ومن هناك توزعوا الى ارتال وهو كان في دبابة مع طاهر يحيى اتجهوا الى معسكر الرشيد وكان والدي صنف مشاة ولم يكن من الدروع ونجحوا في الدخول الى معسكر الرشيد واحتلال اللواء التاسع عشر وهو لواء الزعيم عبدالكريم قاسم ثم بعثوا ببرقية الى دار الاذاعة حيث مقر قيادة الثورة اعلنوا فيها استتباب الامن في معسكر الرشيد. ويقول وائل : - حدثني والدي انه عندما وصل الى كتيبة الدبابات الرابعة وهي مقر تجمع الثوار طلب من جندي ان يثبت له رتبته على كتفيه وان الجندي تاخر قليلا مما دعا البكر ان يصيح بالجندي قائلا له : استعجل هذا هو قائد فرقتك !!
وحسب ظني كنت اعتقد - والكلام لرشيد مصلح -انني ساعين قائد فرقة لكنني فوجئت والاعتقالات والتحقيق مع المعتقلين .. وبعد فترة قصيرة علم والدي ان هناك جهات اخرى غيره تتدخل في التحقيق مع المعتقلين وان هناك اعتقالات تتم من دون علم دائرته وعلم ايضا باختفاء عدد من المواطنين!
- عن بيان رقم(13)
قال وائل : - البيان المذكور لم يصدر باسم الحاكم العسكري العام وهو والدي بل عن طريق المجلس الوطني لقيادة الثورة .. والبيان لم يصدر باسم رشيد نصلح اطلاقا بل باسم المجلس الوطني لقيادة الثورة ويمكن مراجعة (تاريخ الوزارات العراقية في العهد الجمهوري)الجزء السادس الصادر عام 2002 الطبعة الاولى الصفحة (27) سيجد القارئ الكريم ان البيان رقم (13) بتوقيع المجلس الوطني لقيادة الثورة وليس باسم رشيد مصلح او توقيعه كما يمكن التثبت من هذه الحقيقة من خلال مراجعة كتاب ( حوار الدم ) الصادر عام 1999 الطبعة الاولى الصفحة (107) وعلى لسان طالب الشبيب عضو القيادة القطرية لحزب البعث ووزير الخارجية انذاك الذي يؤكد ان البيان رقم (13) صدر عن المجلس الوطني لقيادة الثورة!
- ويقول وائل : - ان والدي كان ذا ميول عربية واسلامية ولكنه لم يكن معاديا للشيوعيين فقد كان له اصدقاء من الشيوعيين ومنهم المقدم عبدالرضا عبيد وضابط اخر من ال فتلة لا اذكر اسمه واخرين انتقلوا الى رحاب الله .. لاحظ والدي ان جهات تلقي القبض على المواطنين من دون اعلام دائرته وبعد الاستفسارات الكثيرة التي وجهها الى الجهات المعنية عرف ان الحرس القومي لديه معتقلات وهناك قصر النهاية خاضع لسيطرة الحزب وليس لسيطرة الحاكم العسكري العام كما عرف ان البعثيين اتخذوا من بناية محكمة الشعب معتقلا للاستجواب والتعذيب ولم تكن دائرة الحاكم العسكري العام تعرف شيئا عن هذه المعتقلات الحزبية ويذكر هاني الفكيكي في كتابه (اوكار الهزيمة) : زارني الزعيم رشيد مصلح وكان يحتج على الاعتقالات الكيفية والاعدامات غير القانونية وكان يقول المفروض ان يكون لدينا قانون للمحاكمات.
- ويضيف وائل : - كان والدي يعرف ان عوائل شيوعية كثيرة اعتقلها الحرس القومي ويعتدون عليهم وكان يرفض هذه الممارسات غير القانونية ولايرضى بها ابدا ولدينا وثائق كثيرة بهذا الخصوص صادرة عن دائرة الحاكم العسكري العام بتوقيع رشيد مصلح وهذا الموقف هو الذي سيفسر لنا لاحقا اشتراك رشيد مصلح في انقلاب 18 تشرين الثاني الذي طرد الحرس القومي من السلطة ويفسر لنا لماذا انتقم البكر وصدام من والدي بعد انقلاب 17 تموز 1968.. قدم استقالته في ايلول عام 1963 احتجاجا على الاعتقالات العشوائية وموجود نص كتاب الاستقالة لدي ولم تتم الموافقة على استقالته وظل الوضع متوترا حتى يوم 11 تشرين الثاني وحصل ماحصل في ذلك اليوم وهو معروف للجميع .. كانت علاقة والدي بالمرحوم عبدالسلام عارف طيبة حتى انه زارنا في البيت قبل وفاته باسبوع رحمه الله .. وكان دور والدي في انقلاب تشرين اساسي حتى انهم اتصلوا بنا ليلة الحركة لتبليغ والدي وفعلا اتصلنا به عن طريق ( الهاتف السري ) وفي اليوم التالي عينه عارف وزيرا للداخلية بالوكالة وبعدها صار وزيرا للداخلية اصيلا وعين طاهر يحيى رئيسا للوزراء واستمر في منصبه حوالي السنة ثم حصل خلافه مع الجناح الناصري حول القرارات الاشتراكية وكان معارضا لها وكان لا يرى ضرورة للتاميم لانه لايوجد في العراق مايستحق تاميمه وبعد سنة استوزر في وزارة عبدالرحمن البزاز وزيرا للمواصلات وبقي شهرين ثم استقال من الوزارة وترك السلطةعام 1965.
وقال وائل : - مارس والدي بعد احالته الى التقاعد عام 1959 اعمالا تجارية متواضعة كاستيراد الشاي والسكر وبعد 8 شباط عندما تولى منصب الحاكم العسكري العام شطبوا اسمه من غرفة التجارة لانه تولى منصبا رسميا .. وبعد تركه السلطة ظلت علاقته طيبة بعبدالسلام عارف وشقيقه عبدالرحمن وكان يحضر الى القصر الجمهوري بدعوة لحضور مؤتمر اواستشارة .. عندما حصل انقلاب 17 تموز عام 1968 لم يكن له به اي علم .. عندما سمع البيان الاول للانقلاب قال لنا : هذا صوت حردان التكريتي !!
وكان حردان تلميذا عنده في الكلية العسكرية .. وقال ايضا ان الانقلاب بعثي .. وفي اليوم الثاني توجه الى القصر الجمهوري ليبارك لهم نجاح الانقلاب .. واذكر ان والدي كان يقرا في صحيفة ( المنار )التي حمل غلافها صورة عبدالرزاق النايف فعلق: ( ياسرسري).
- وبعد ثلاثة ايام حصل انقلاب 30 تموز .. نصحه بعض الاصدقاء بان يسافر ويترك العراق فاعترض على مقترحهم : ان البكر صديقي وانا مرتاح منه وان صدام لي علاقة جيدة معه قبل انقلاب 17 تموز ولماذا (اطلع؟)!!
ثم قال لهم : هل من المعقول ان البكر وصدام وحردان وحماد اصدقائي سيؤذوني؟
- بعد ثلاثة اشهر - والكلام للدكتور وائل – لاحظنا سيارة امن تراقب باب منزلنا بطريقة غير لائقة واستفزازية اخذنا رقم السيارة واتصل والدي بامن بغداد وفي احد الايام جاء ضابط امن وعرف نفسه : انا الملازم اول عامر السراج و هناك في الخارج سيارة امن يمكن لكم من خلال الجهاز فيها الاتصال بامن بغداد.
- كان المقدم احمد الرفاعي مدير امن بغداد وهو من اهالي تكريت ووالدي يعرفه فتحدث والدي معه باللاسلكي وساله هل بعثتم سيارة لمراقبتي واذا صح ذلك فهذه طريقة غير لائقة تجلبون سيارة بيكب اب تضعون سخانا في حوضها وتراقبون بيتي وقل للرئيس البكر ان الذي يتامر لا يجلب سيارة المتامرين لبيته ونحن عملنا معا ويعرف ذلك.
- يقول وائل : في احد الايام وجدت والدي جالسا وحده ومتضايقا وكنت وحدي ملازما له لان اخوتي الاخرين كانوا يدرسون في القاهرة وكنت طالبا في الطبية وقتذاك .. قلت له : لماذا انت منزعج .. الامن ذهبوا وولوا فلم تزعج نفسك ؟ اجابني : انت لاتعرف العاملين في الامن انا كنت وزير داخلية واعرف نوعية التقارير التي يرفعونها للمسؤول الاعلى .. يكتبون تقارير ما ترضي المسؤول ويعتبرون خصمهم عدواللسلطة ..
قلت له : كيف ؟
قال : قبل ايام اتصل بي صدام وسالني عن احوالي وقلت له ( لم يكن صدام معروفا للعراقيين وقتذاك ) : انتم غير اوفياء
فقال صدام : لماذا ؟
قلت له : ماهذه المراقبات والمضايقات ..
قال صدام : لو كنت تعرف ابو قيس كم كتبوا تقارير عنك وانا امزقها .. قال له والدي : كيف ؟
اجابه صدام: سأقرا عليك واحدا من هذه التقارير .. واخذ يقرأ تقريرا يقول ان والدي كان مجتمعا مع جماعة في بستان في ديالى وبينهم فلان وفلان وبينكم رئيس اركان الجيش السابق ابراهيم فيصل الانصاري وانا لم اصدق ان تكون انت بين هذه المجموعة ..
قال له والدي : انت تعرف يا ابو عدي انا لا اجلس مع هؤلاء لانني لا اتناول الكحوليات وهم كما تعرف يتناولون المشروبات المسكرة .. اجابه صدام ؛ وانا ايضا قلت ذلك.
- قال والدي لي ان المقصود من مكالمة صدام ان يوصل لي رسالة مؤداها اننا نراقبك .. او احذر .. هذه كانت طريقة ذكية من صدام لتحذير والدي.
- يقول وائل : في يوم 15 مايس 1969 اعتقل والدي: جاءت شقيقتي لي وكنت نائما وايقظتني صائحة هناك سيارة فولكس واكن تقف بالباب ويريدون ابي .. خرج لهم والدي .. كان متوترا وقلقا.. قالوا له: تفضل معنا..
- سالت وائل : ما علاقة صدام بوالدك ؟
- قال : كانت علاقتهما وثيقة عن طريق البكر لان والدي كان يلتقي البكر في منزله في منطقة علي الصالح عامي 1967 و1968 اثناء حكم عبدالرحمن عارف وكان هناك شبه تجمع سياسي في مواجهة نظام عارف من اجل الضغط لتشكيل حكومة وحدة وطنية تضم كل القادة القوميين من امثال ناجي طالب وصبحي عبدالحميد .. كان اغلب السياسيين القوميين يذهبون الى منزل البكر وكان والدي واحدا من هؤلاء ويلتقي عادة بصدام الموجود هناك برفقة البكر.
- ويمضي وائل قائلا : لن اكشف سرا اذا قلت لك انني قرات بعد حركة 18 تشرين الثاني ان والدي كوزير للداخلية كلف صدام حسين التكريتي باخباره عن اوكار الحزب السرية وكان صدام يتولى مهمة الدليل لقوات الامن بالكشف عن اوكار حزب البعث السرية وقيل لنا ان السبب الجوهري وراء اعدامه هو طمس هذه (اللكعة!) في تاريخ صدام .. طمس حقيقة خيانة صدام للحزب.
- وقلت له : ما حقيقة رواية ( الملثم ) ؟
- اجاب مبتسما : وردت هذه الرواية في كتاب ( فندق السعادة ) من ان صدام جاء الى بيتنا لزيارة والدي وهو ملثم وكان ذلك في عام 1964 وقال الملثم لوالدي : اني استجير عندك ! وكشف عن هويته : انا صدام التكريتي .. وتقول الرواية ان والدي اجاره في بيتنا وانه عاش معنا لفترة وفي احدى المرات سمع والدي من امي ان هذا الشخص يتصرف داخل البيت بطريقة غير صحيحة فطرده والدي ,, وانا اؤكد لك ان هذه الرواية عارية كليا عن الصحة .. انا شخصيا لم ار صدام في بيتنا في كل الاوقات ومن الممكن ان اتذكره لو كان موجودا في بيتنا حسب الرواية لان عمري كان (12) سنة كما انني تاكدت من والدتي التي نفت ان يكون صدام قد زارنا او بات في منزلنا وانه لم يدخل بيتنا ابدا .. لكن الذي حصل عام 1964 ان صدام لجأ الى بيت صديق له في الصليخ وفي هذا البيت القي القبض عليه.
- وهل لوالدك عندما كان وزيرا للداخلية علاقة باعتقال صدام في الصليخ ؟
- ان صدام لجأ في بيت بمنطقة الصليخ يخص احد الشيوخ وهو حواس الصديد والد عيادة الصديد فقوات الامن عرفت بالمكان الذي اختبأ فيه صدام وذهبت لاعتقاله بعد محاصرة البيت وان صدام نفسه روى هذه القصة .. والقصة باختصار ان هذا الشيخ له علاقة بوالدي فاتصل به واخبره ان صدام عنده في البيت وان البيت فيه زوجاته ونساء واطفال وانا اخاف على نفسي وعائلتي .. وركب والدي سيارته وذهب الى بيت الشيخ فكان صدام على السطح وقال له والدي : ( اطلع انهزم !!) وخرج والدي وقال لرجال الامن : انهزم ما موجود .. وبعد اشهر اعتقل صدام في مكان اخر.
- قلت له : ماصحة هذه الرواية ؟ لان صدام رواها بطريقة اعترف فيها انه اعتقل بعد ان اطلق عددا من الرصاصات بالهواء وليس باتجاه الشرطة وان رجال الامن سالوه لماذا رميت الرصاصات ؟ قال لهم ضاحكا وهم يقيدون يديه : مو عيب نسلم ومانضرب جيلة وحده ولو بالهوا .. ثم رمى عليهم ( كلوص ) سكائر (روثمان) وقال لهم : من اليوم تركت التدخين حتى لا تذلوني.
- اعترف لك - والكلام لوائل - ان صدام في بداياته كان رجلا بسيطا ودمث الاخلاق ومن اقارب احمد حسن البكر وهو ليس من اقاربنا وكانت علاقة صدام بوالدي تمت عن طريق خاله خير الله طلفاح لان الاخير كان معروفا في تكريت وبغداد انذاك وهو من اقارب البكر ايضا.
- قلت للدكتور وائل : هل بالامكان التعرف على الوضع الاجتماعي للمرحوم رشيد مصلح؟
- اجاب : والدي متزوج من زوجة واحدة هي ام قيس وقيس من مواليد 1943وسهام وشذى ولمياء ونضال و رياض وانا اي نحن ثلاثة اولاد واربعة بنات عندما اعتقل والدي كان معظمنا طلاب .. وصعد سيارة الفوكس واكن التابعة للامن وقالت له امي عند الباب ( اروح..) فاجابها رحمه الله : ( وين ماتروحين روحي) والظاهر انه احس ان القضية هذه المرة ثخينة .. اخذوه من امامنا فجرا .. وذهبنا انا ووالدتي الى بيت اقرب اصدقائه من البعثيين وهو الدكتور احمد عبدالستار الجواري وكان بيته في العطيفية وفي الساعة السابعة صباحا فتح لنا الباب واستقبلنا استقبالا رائعا وهو يردد بعد ان روت له امي قصة اعتقال والدي
- (ليش وشلون .. وما معقوله وماكوشي ) !!
ثم قال لنا : انا ساتصل لاعرف الحقيقة واخبركم .. وودعناه ورجعنا ولم نذهب الى بيتنا بل الى بيت شقيقة حماد شهاب .. وبعد الظهر اتصل الجواري وقال : ابني ماكو شي.. هذا تحقيق بسيط .. ثم طلب منا ان نأخذ له اغراضه (فراش وادوية..) وكان معتقلا في دائرة الانضباط العسكري .. ذهبنا وسلمنا الاغراض ورجعنا ولم نراه وكنا نسأل عنه من هنا وهناك ولامجيب .. وذات يوم اغبر واسود فوجئنا بظهوره على شاشة التلفزيون .. وكانت كارثة علينا بكل معنى الكلمة .. ودققنا النظر فيه فكانت صحته متدهورة جدا .. كنا نشعر انهم وضعوا له مخدرا .. او كان يلقن .. وكان يستجيب للجلادين الذين عذبوه بقسوة لاحدود لها .. لانه رحمه الله كان يسكت بين جملة واخرى وهذا ماجعلنا نستنج انه مخدر او يقول : ها نسيت !!
وكانت المقابلة التي اجراها الصحاف (15) دقيقة بعدها صارت ضجة ثم خفت .. واجرينا اتصالات من دون فائدة كما لم نستطع الوصول الى صدام حتى ان خالي اتصل بزوج امه ابراهيم الحسن واوعدنا بانه سيتكلم معه ولكن ايضا من دون اي نتيجة وبعدها سمعنا انه اصيب بمرض عصبي وعولج برجات كهربائية ( ملاحظة من المحرر : وقيل وقتذاك ان الذين عذبوا رشيد مصلح علقوه من شعر راسه بالمروحة وتسببوا له بمرض عصبي نتيجة الرجات الكهربائية التي عرضوه لها حتى ان هؤلاء المجرمين انهكوا جسده المجنون من التعذيب الرهيب الذي تعرض له). في تشرين الاول عام 1969 اتصل بامي من المعتقل وانه اخبرها بانه بصحة جيدة (!!) وطلب ان نجلب له الملابس الشتوية وانه قال لها : امور بسيطة .. وبعدها بايام اتصل مرة اخرى وبعد خمسة اشهراتصل لمرة ثالثة واستبشرنا خيرا نتيجة اتصالاته المتكررة بعد ذلك وردتنا اخبارا مزعجة تقول انهم قدموه للمحكمة وان المحكمة حكمت عليه بالاعدام وتساءلنا : ( شنو الشغلة..!!)..
اتصل بنا مصور تلفزيوني وقال انا حضرت محاكمة رشيد مصلح في محكمة الثورة التي ترأسها العقيد علي وتوت وان التهمة الموجهة اليه هي التجسس! ويضيف وائل : جماعة من قبلنا ذهبوا الى منزل حردان التكريتي ولم يكن حردان موجودا في البيت ثم ذهبوا الى اقارب اخرين ثم قررنا ان نذهب الى السجن ونسال واخبرونا هناك انهم نقلوه الى سجن بغداد الذي حلت مكانه بناية وزارة الصحة حاليا ولم يسمحوا لنا بالدخول الى السجن وسالنا الحراس فاخبرونا انهم جلبوا لنا مجموعة ولا نعرف اسماءهم ..
وفي مطلع تشرين الثاني من عام 1969 اعلمتنا ( صبيحة المدرس ) مديرة سجن النساء وصديقة عائلتنا التي زارتنا واخبرتنا ان والدي موجود في سجن بغداد فاتصلنا بعوائل المحكومين معه مدحت الحاج سري شقيق الشهيد رفعت الحاج سري وزكي عبدالوهاب واتفقنا على ان تاخذ كل عائلة طعاما كل يوم لهم وكنا نتوسط لتخفيف الحكم ووعدنا بذلك وكنا لا نتوقع ونقول من غير المعقول ان يوقع احمد حسن البكر على اعدام صديق عمره رشيد مصلح .. اخي قيس في القاهرة اتصل بالسيد امين هويدي وكان سفيرا في العراق وله علاقات جيدة مع الحاكمين في بغداد وبعث المرحوم جمال عبدالناصر مبعوثا هو السيد حسن صبري الخولي الذي قابل البكر مرتين للتوسط من اجل تخفيف الاحكام الا ان البكر لم يستجب !! قامت والدتي عن طريق الهاتف الخاص بالاتصال بزوجة البكر (ام هيثم) بعد فترة ردت ( ام هيثم) وهي تبكي : ( توسلت به حتى بست قندرته واجابني : انت معليج )!!
كنا نوصل الاكل له ولم نراه .. بعدها اعلن عن مؤامرة عبدالغني الراوي في كانون الثاني عام1970 وكان اول اسماءالمتامرين فيها اسم العقيد صالح مهدي السامرائي والد الاستاذ اياد السامرائي رئيس البرلمان العراقي .. بعدها فصلنا ( فيش ) الهاتف لكي لايتصل بنا احد لحراجة الموقف .. وكانوا يتصلون بنا من السجن ولا يحصلوننا لرفعنا الفيش وفي الساعة الثانية عشرة من مساء يوم جاء الينا نجل المرحوم مدحت الحاج سري وهو محكوم بالاعدام ايضا (ملاحظة من المحرر : اعدم انقلابيو 8 شباط 1963 المرحوم عبدالكريم قاسم بتهمة اعدامه ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سري في حين لم يشفع للمرحوم مدحت كونه شقيق الشهيد رفعت واعدموا الرجل بتهمة ملفقة لا اساس لها من الصحة )
فقال لي : والدك مريض ويريدك ان تاتي الى السجن في 21 كانون الثاني 1970..
ثم قال لي بصراحة هامسا : سينفذون فيهم احكام الاعدام اليوم وعليك ان تجلب عائلتك كلهم لتزوروا والدكم الزيارة الاخيرة وفعلا ذهبنا كلنا الى السجن وبعد تفتيشنا ادخلونا عليه في غرفة صغيرة وكان جميع المحكومين بالاعدام جالسين معه في الغرف نفسها .. وكانت والدتي تبكي بحرارة وحرقة والم فقال لها والدي : ( اسكتي ..) ثم اخرج مصحفا واقسم به امامنا : ( هؤلاء الجالسون معي الذين سيعدمون يشهدون امامكم وانا اشهد امامكم انه لا صحة ابد لشيء اسمه قضية تجسس .. انا خدمت البعثيين لكنهم غدروني ..)
ثم سأل امي : هل اتصلت بالبكر ؟
اجابته امي : اتصلت بزوجته ولم استطع الوصول للبكر..
فاجابها والدي امام جميع الحاضرين: ( لازم ماتروحين اله لانه انسان نذل )
ثم قال لامي : لا تخافي ابدا..انت بطلة واملي بك كبير.. ثم كتب وصيته الى اشقائي وكتب بالحرف الواحد : اخدموا العراق لكن بعيدا عن السلطة واهتموا بدروسكم انا ساذهب الان لملاقاة ربي وثقوا ان لا علاقة لي بما يسمى بقضية التجسس .. هذا اتهام ظالم .. والبكر نذل. قال والدي هذا الكلام امام ضباط السجن وامام مدحت الحاج سري وزكي عبدالوهاب او هذا الاخير لم تستطع عائلته ان تزوره فكتب وصيته وسلمها لنا لتسليمها لهم وانا سلمت وصيته رحمه الله الى عائلته وبعد ذلك اخرجونا وفي الساعة السابعة اذاعوا خبر تنفيذ احكام الاعدام بهم .. وذهب خالي وتسلم جثة والدي وقمنا بدفنه في مدينة تكريت وقد حاصرت الشرطة المنطقة برمتها..
قلت لوائل : بعد (40) سنة على اعدام والدك كيف تقرأ طريقة التخلص منه ؟
-انا تفسيري ان مشاركة بعض البعثيين في انقلاب 18 تشرين الثاني وفي مقدمتهم البكر كان يرى بالتخلص من والدي باي ثمن او طريقة هو انقاذ له واستغل صدام هذه القضية ايضا لابتزاز البكر والتغطية على خيانته للبعثيين في الانقلاب المذكور ووالدي معروف للجميع لم يكن بعثيا في حياته. - كيف كانت علاقة والدك بالقوى السياسية ؟
- كانت لديه علاقات طيبة مع الكل الا الشيوعيين .. كانت تربطه علاقات بالتيار الديني بكل اجنحته كما له علاقات مع القوميين .. وكان هناك عامل اخر قرب من اجل رشيد مصلح هو التقارب الذي اصطنعه البكر وصدام مع الحزب الشيوعي وكان راس رشيد مصلح هو ثمن الاتفاق المزيف المؤقت الذي انتهى ايضا بمذبحة للشيوعيين بعد سنوات .. اراد البكر وصدام من تقديم راس رشيد مصلح ان يقولا للشيوعيين : هذا هو المسؤول عن مجازركم عام 1963 في محاولة لفبركة التاريخ وتزويره وان يضعا جميع اخطاء وجرائم البعث في عام 1963 على اكتاف المرحوم رشيد مصلح وان الشيوعيين يعرفون المجرمين الحقيقيين الذين ارتكبوا المجازر بحقهم في تلك السنة اكذوبة بيان رقم (13) وحملا رشيد مصلح مسؤولية اصداره بينما يعرف الجميع وبينهم البكر وصدام والحزب الشيوعي ان المجلس الوطني لقيادة الثورة هو الذي شيد مصلح ..
البكر الذي اعدم والدي وهو بريءكان يحاول ان يغطي على جرائمه التي ارتكبها عندما خان حزبه واشترك في انقلاب تشرين الثاني وعين نائبا لرئيس الجمهورية وقال والدي لنا ان البكر كان يعرف ان انقلابا سينفذ ويطيح بحزب البعث بل وبلغ بالانقلاب ليلة الانقلاب اي 17 على 18 تشرين الثاني ولكنه ليلة الانقلاب انسحب من المسؤولية.
ويقول وائل نقلا عن والده : يقول والدي بعد ان اعلن البكر انسحابه من الانقلاب ليلة الانقلاب قلنا له اذهب واجلس في بيتك ويؤكد والدي ان البكر كان بمقدوره ان يتصل بالحرس القومي ويسحبهم من الشوارع ولكنه لم يفعل واعتقد كثير من البعثيين ان البكر مشارك في الانقلاب ضد الحزب.
- هل كان رشيد مصلح يلتقي البكر قبل انقلاب 17 تموز ؟
- قلت لك ان والدي كان يلتقي البكر في الاعوام 1965و1966و1967و1968ويبدو كان البكر يضمر له في قلبه حقدا لم يكن والدي مطلعا عليه وكان تصرف والدي طبيعيا مع البكر حتى بعد 17 تموز عندما ذهب اليه في القصر الجمهوري وبارك له وبعدها انقطعت علاقته به.
-ماعلاقة رشيد مصلح بلطفي العبيدي ؟
- اظهروا والدي في التلفزيون وبعد اسبوع اظهروا فؤاد الركابي امين سر القيادة القطرية لحزب البعث والمسؤول الاول عن عملية اغتيال عبدالكريم قاسم الفاشلة الذي اجبروه نتيجة التعذيب القاسي على الاعتراف بكونه جاسوسا.
-ملاحظة من المحرر : يبدو ان توريط الركابي جاء نتيجة كراهية صدام له بسبب العملية الفاشلة التي شارك فيها صدام وانتهت الى هروبه الى سوريا ثم مصر كما ان الركابي نفسه انشق على الحزب والتحق بعبدالناصر وعقد مؤتمرا صحفيا في بيروت بحماية المخابرات المصرية وقررت القيادة القومية فصله من الحزب.
-والشيء الغريب في القضية - والكلام للدكتور وائل- ان مليونيرا عراقيا كان يمول شبكة التجسس كما زعمت السلطات العراقية وهو لطفي العبيدي وفي الوقت نفسه خرج العبيدي في مؤتمر صحفي عقده في بيروت وعرض على الصحفيين صكوكا باسم احمد حسن البكر مقدمة من قبله لتمويل انقلاب 17 تموز ونفى وجود شبكة تجسس مرتبطة به ومن عجائب الامور ان المخابرات العراقية لم تتعقب العبيدي او تطارده واختفى العبيدي .. والسؤال المطروح منذ اعدام والدي حتى الان : لماذا اعدم البكر وصدام ما سموا باعضاء شبكة التجسس وتركا رئيس الشبكة يسرح ويمرح بين بيروت وعواصم الغرب في حين كانت مخابرات صدام تقتل طالبا اعزلا اذا ابدى نشاطا خفيفا ضد النظام الحاكم.
- هل جرى نوع من المصالحة او الاتصال بينكم وبين النظام ؟
- لا ابدا .. اغلقنا ابوابنا وخاصة بعد الجريمة التي ارتكبها البكر ضد والدي .. نحن غير معنيين بصدام .. البكر هو الذي قتل والدي ولو كان العكس كان ممكن جدا ان يتصل البكر بنا ويبين موقفه او يرسل لنا احد وجهاء تكريت ليبرئ ذمة البكر لكنه لم يفعل اي شيء من هذا القبيل.
- هل تعتقد ان البكر كان يكره رشيد مصلح ؟
- لا.. كان يبدوانه يريد ان يخلص منه ومن طاهر يحيى الذي اذله وتسبب في فقدان بصره .. كما ان البكر انتقم وتخلص من شخص اخر غير معروف وهو ذياب العلكاوي وقد ارسله سفيرا في بلدان ليست ذات اهمية وعندما عاد الى بغداد انزوى ومات.
- بعد سقوط النظام عام 2003 هل حركتم قضية والدك ؟
- لقد (لفلف) الامريكان جرائم صدام من خلال الاسراع في اعدامه والا حقيقة الامر كان على الامريكان الانتظار لحين استكمال محاكمة صدام عن جميع جرائمه منذ عام 1968 الا انهم ارادوا كما يبدو التخلص منه و(طمطمة) القضية كما يقول العراقيون .. لم يتركوا لاهالي ضحايا صدام وقتا لاقامة الدعاوى والشكاوى ضده لتجريمه فقد لاحظنا انهم احالوا صدام عن قضية الدجيل وحاكموه واعدموه خلال شهر .. كيف نقيم دعوى على ميت ؟ كنا نتامل محاكمته عن كل القضايا وتجريمه وفضحه ومن ثم اعدامه لا التخلص منه من خلال قضية واحدة فقط.
- هل سنشهد صدور كتاب عن رشيد مصلح ؟
- انا لدي وثائق كثيرة عن دور والدي وعندي رغبة شخصية ان اتولى كتابة سيرة رشيد مصلح بنفسي.
- كيف كانت علاقة والدك بعبدالسلام عارف؟
- كان والدي يحب عبدالسلام عارف ويحترمه و لايسمح لاحد ان يتناوله بالنقد عندما كان رئيسا وكان عبدالسلام يبادله الحب والاحترام حتى عندما استقال والدي من منصب وزارة الداخلية وكان يستحق الترفيع الى رتبة لواء خلال شهرين فقرراعادته الى الجيش حتى يترفع وفعلا ترفع بعد شهرين وتقاعد وفي عام 1966 ادى والدي فريضة الحج وفي ساعة متاخرة من الليل من احد الايام بعد عودة والدي اتصل القصر الجمهوري واخبرنا بنية زيارة الرئيس عبدالسلام عارف لبيتنا لتهنئة والدي وفعلا جاء الرئيس في الساعة الثانية عشرة وجلس قرابة نصف ساعة ثم غادر وبعد اسبوع استشهد عبدالسلام عارف في حادث الطائرة المعروف ولمحت والدي بعد اعلان موت الرئيس يمسح الدموع من عينيه.
- هل تعرضتم للمضايقات بعد اعدام والدك ؟
- اجروا استجوابات خفيفة لنا واستدعاءات في مراكزالشرطة .. صادروا ممتلكات والدي .. بيتنا في اليرموك كنا ندفع اقساطه لجمعية الضباط .. وسيارة واحدة وقطعة ارض في جميلة صودرت و500 سهم في مدينة الالعاب.
- يبقى السؤال الملح: لماذا غدر البكر بصديق عمره وابن مدينته ولفق له تهمة خسيسة وهي التجسس والغريب انه لم يكتف بالصاق التهمة بل وقع على اعدامه بقلب جامد .. لماذا هذا الاصرار والقسوة التي ابداها البكر ضد رشيد مصلح ؟
- اجابني عن هذا السؤال نجله الدكتور وائل بانها محاولة من البكر للتخلص من رشيد مصلح الذي يشكل له عقدة عن دوره الخياني في انقلاب 18 تشرين الثاني وان البكر اعتقد ان تخلصه من مصلح يقبر اسرار دوره في الانقلاب على حزبه .. وعرضت السؤال على صحفي عراقي كان يعمل لفترة قريبا من الرئيس السابق صدام فاجابني مايلي : ( لقد كره البكر رشيد مصلح واغتاظ منه وحقد عليه حقدا عظيما بسبب موقف جرى بينهما خلال احداث انقلاب 18 تشرين الثاني من عام 1963عندما قرر البكر الانسحاب من الانقلاب في ليلة الانقلاب مما حدا برشيد مصلح وهو من ابرز المشاركين في الانقلاب ومن كبار المؤيدين لعبدالسلام عارف ان يحتد ويغضب على البكر ولم يتوقف مصلح عند هذا الحد مع البكر بل بصق في وجه البكر .. والبكر احتفظ بهذه الاهانة الكبيرة لمصلح سنوات ثم انتقم منه بعد انقلاب 17 تموز عندما اصبح رئيسا للجمهورية ).
- قلت لزميلي الصحفي : هل كان البكر يتسم بصفة الغدر ؟
- اجابني بسرعة : نعم البكر غدار وحقود.
- لقد رحل الرجلان الى جوار ربهما ونبقى بانتظار قرار المحكمة الالهية التي ستكشف للعباد حقيقة ماجرى ليس بين البكر ومصلح فحسب بل بين الظالمين والمظلومين منذ مقتل هابيل على يد اخيه هابيل وهلم جرا.
- في 21 كانون الثاني من عام 1970 كشف النظام عن مؤامرة عبدالغني الراوي وفي يوم 22 كانون الثاني نفذ حكم الاعدام بـ(36) ضابطا ومدنيا بينهم (7) من المتهمين بالتجسس للمخابرات الامريكية.
-وذكر راديو بغداد ان الوجبة الخامسة من احكام الاعدام قد نفذت فجر يوم 2211970 بسبعة مدنيين وعسكريين هم: اللواء رشيد مصلح وزير الداخلية والحاكم العسكري العام بعد الانقلاب الذي اطاح بحكم عبدالكريم قاسم عام 1963 والعميد المتقاعد مدحت الحاج سري وسعد شاكر فهمي والصحفي عبدالله محمد الخياط (مدير تحرير صحيفةالمنار وهو ابن اخت هاشم جواد وزير خارجية عبدالكريم قاسم) وزكي عبدالوهاب ( اختطف من الكويت الى بغداد) والبير نونو ومحمد مطاع الحسامي (سوري الجنسية).
- نص قرار محكمة الثورة - تشكلت محكمة الثورة بتاريخ 10\11\1969برئاسة العقيد علي هادي وتوت وعضوية العقيد علي احسان شيت والمقدم الحقوقي راغب فخري واصدرت باسم الشعب القرار الاتي : -الحكم على المجرم رشيد مصلح طه بالاعدام شنقا حتى الموت وفق الفقرة (ج) من المادة 14 من الباب الثاني عشر المعدل من قانون العقوبات البغدادي. - اعتبار جريمته هذه من الجنايات العادية المخلة بالشرف حسب احكام قانون رد الاعتبار رقم 3 لسنة 1967 المعدل. - قرار صدر باتفاق الاراء وافهم علنا في 10\11\1969. - التواقيع - العقيد العقيد - علي احسان شيت علي هادي وتوت - عضو رئيس محكمة الثورة - المقدم الحقوقي - راغب فخري - عضو - هذا وقد اقترنت هذه الاحكام بمصادقة رئيس الجمهورية المهيب احمد حسن البكر وصدرت المراسيم الجمهورية الخاصة بتنفيذ احكام الاعدام.
- لم يقف السفلة عند هذا الحد بل اجبروا بالتعذيب المرحوم الدكتور يوسف المعمار ان يقول ان عبدالسلام عارف كان جاسوسا للمخابرات الامريكية وانه رحمه الله كان على صلة باندرسون وزير مالية ايزنهاور.
- وكتب صحفي لبناني اسمه نشأت التغلبي في ( الحوادث اللبنانية) في 20\6\1969 مقالا مثيرا بعنوان: ( هل اصبح زعماء العراق كلهم خونة ؟) ومما كتبه التغلبي عن الاتهام الذي اطلقه النظام العراقي على عدد كبير من كبار ساسة العراق بانهم جواسيس لامريكا ومنهم عبدالسلام عارف وصديق شنشل وصالح زكي توفيق .. المطلوب من النظام العراقي ان يتوقف عن تلويث سمعة السياسيين العراقيين غير البعثيين من جماعة البكر حرصا على سمعة العراق وعلى كرامته ووطنيته .. هل كان عبدالسلام عارف جاسوسا لانه استقبل – وهو رئيس للجمهورية- المستر اندرسون ؟ - لقد كان انتقاما رهيبا نفذه مكتب العلاقات العامة ضد من كان البكر - صدام يعدهم خطرا على مستقبل نظامهم. - اعتقد لو كان عبدالسلام عارف حيا لشنقه البكر - من دون ان يرف له جفن - انتقاما من دوره في انقلاب 18 تشرين الثاني. - ان الاعدامات التي جرت في اوائل الحقبة التي تسلم فيها البكر - صدام السلطة صفي المئات ممن افترضهم اعداء للنظام وهم ليسوا كذلك والبعض تخلص منهم البكر وصدام كل على طريقته لاغلاق ملف او حرق اوراق تمس السمعة السياسية لكل منهما ويبدو للمراقب لتلك الفترة ان البكر تولى تصفية (الاصدقاء ) الذين تعرف عليهم في مراحل حياته التامرية والانقلابية كما تولى صدام تصفية العناصر البعثية التي له معها مواقف سابقة او التي تعترض صعوده سلم السلطة .. ويظهر من اسماء المعدومين ان كلا من البكر وصدام وضعا قوائم بالمرشحين للقتل والاعدام والشنق والتعذيب او الصاق التهم لتشويه السمعة كالتجسس وغيرها.
- ان تاريخ كلا الرجلين يشجع على اتهامهما بارتكاب عشرات الجرائم ضد كبار السياسيين والعسكريين العراقيين وتخوينهم وتشويه سمعتهم وبالتالي اعدامهم للتخلص منهم نهائيا وان رشيد مصلح وعبدالعزيز العقيلي وعبدالرحمن البزاز وفؤاد الركابي ومدحت الحاج سري وطاهر يحيى وعبدالسلام عارف وعطا عبدالوهاب وعبدالله الخياط وعبدالعزيز بركات وكثير اخرين من القوميين والناصريين خسر وا ارواحهم بسبب احقاد البكر الشخصية وانتقام صدام الشخصي من ضحاياهم.
الوثائق (1) كتاب صادر عن مقر الحاكم العسكري العام العدد1350 بتاريخ11\4\1963 يدعو الشرطة والاستخبارات والامن والسجون وموقع بغداد والانضباط العسكري والقيادة العامة لقوات الحرس القومي والهيئة المشرفة في قيادة الحرس القومي الى الالتزام بالقوانين الاصولية ومنع اجراء التحقيق مع النساء والفتيات ليلا وان تودع النساء والفتيات الموقوفات في مواقف النساء الرسمية ويمنع منع باتا توقيفهن في مقرات الحرس القومي او في مراكز الشرطة لاي سبب كان ويجرى التحقيق للموقوفين والموقوفات بحضورحكام التحقيق.
(2) برقية صادرة عن الحاكم العسكري العام رقم المنشئ3831 بتاريخ29\6\1963 الى جميع الجهات الامنية والاستخبارية والحرس القومي والمعتقلات والسجون تنص على ان الحاكم العسكري العام هو المرجع الاعلى في تقرير مصير المتهمين بكل القضايا الخاضعة لها (لذلك فاننا نحذر وننذر الجميع بعدم توقيف او اخلاء سبيل اي شخص الا بامرنا).
(3) كتاب بتوقيع رشيد مصلح رقم596 بتاريخ16\5\1963 معنون الى رئيس الوزراء احمد حسن البكر بعنوان ( مصير طالب في الصف المنتهي في كلية الطب) يطلب فيه من البكر معرفة مصير طالب في الطبية اسمه احمد الحاج علي المرزه من اهالي الكرادة اعتقله الحرس القومي في 20 نيسان و (اعطاء حد لمثل هذه الامور التي تسيء الى سمعة الجمهورية وتخلق جوا من الارهاب وعدم الاطمئنان لدى المواطنين كافة).
(4) كتاب صادر عن الحاكم العسكري العام الى رئيس اركان الجيش العدد845 في 8\7\1963 يطلب فيه معرفة الاوامر الصادرة بتشكيل مكتب التحقيق الخاص ومدى صلاحياته في التحقيق والجهة التي يرتبط بها واسماء اعضاء المكتب وواجباتهم!
5. كتاب صادر عن مقر الحاكم العسكري العام الى رئيس الوزراء البكر انذاك العدد 856 بتاريخ 11\7\1963 يطلب فيه عرض موضوع هيبة الحكم وانتهاك حرمة القضاء على المجلس الوطني لقيادة الثورة.
6. كتاب مقر الحاكم العسكري العام لوزير الدفاع الفريق صالح مهدي عماش انذاك العدد 882 في 16\7\1963 حول معالجة مشكلة اعالة عوائل العسكريين المطرودين والمفصولين من الخدمة !!
7. كتاب الحاكم العسكري العام رقم 1000 في 11\8\1963 معنون الى وزير الدفاع يتضمن (16) مقترحا وتوجيها بخصوص المعتقلين العاديين والشيوعيين والحفاظ على حقوقهم ويمكن الرجوع الى نص الكتاب. 8. كتاب صادر عن الحاكم العسكري العام رقم 1047 في 24\8\1963 بعنوان ( الشيوعيون الذين انتهت محكوميتهم ) هم في الاغلب من العمال والكسبة ويرى من الافضل اطلاق سراحهم.
9. كتاب سري وشخصي صادر عن الحاكم العسكري العام رقم 1120 في 16\9\1963 وموضوعه (مكتب التحقيق الخاص) الذي تالف من بعض البعثيين والحرس القومي وسجل مخالفات قلنونية كثيرة وجرائم اكثر ولهذا كتب رشيد مصلح في كتابه اعلاه انه في حل من تحمل تبعات اعمال المكتب
10. برقية الاستخبارات العسكرية رقم 228 في 17\10\1963 تنبئ عن امر وزير الدفاع بالغاء مكتب التحقيق الخاص ونقل ضباطه وافراده الى الاستخبارات وجاء هذا الامر بناء على الاعتراضات الكثيرة التي ابداها رشيد مصلح ضد هذا امكتب.
11. بعد عجز رشيد مصلح من اصلاح الاوضاع التي نجمت عن انقلاب 8 شباط قدم استقالته من الجيش واعادته الى التقاعد ببرقية الى البكر رئيس الوزراء رقم 5292 بتاريخ18\9\1963.
12.كتاب الحاكم العسكري العام الرقم 1267 في 19\10\1963 الخاص بتشكيل (5) هيئات تحقيقية للتحقيق مع الشيوعيين الموقوفين في بغداد: الهيئة الاولى : الحاكم عبدالستار البيركان - الملازم قاسم جواد - مدير الامن عبدالوهاب عبدالجبار - المعاون ياسين التكريتي - الملازم نعمان الدليمي - المحقق العدلي حازم سعيد احمد. الهيئة الثانية : الحاكم طالب النائب - الملازم عبدالودود الجدوع - معاون الامن فاروق عبدالفتاح الراوي - المعاون حسين الحاج محسن - الملازم زهير محمد شيت - المحقق العدلي احمد توفيق الزركان. الهيئة الثالثة : الحاكم عبدالجليل حبيب - الملازم رافع الحديثي - معاون الامن فزع الراوي - المعاون جلال غريب - الملازم عبدالرحمن الدوري - المحقق العدلي قيس توفيق المختار. الهيئة الرابعة : الحاكم عبدالكريم الجادر - الملازم محمود الزيدي - معاون الامن طالب نعمان - المعاون راسم احمد الداود - الملازم خليل ابراهيم - المحقق العدلي عبدالقادر العزي. الهيئة الخامسة الحاكم فؤاد التكرلي - ن ض ح فؤاد جاسم - معاون الامن غازي محمد يحيى - المعاون منذر سليم حمدي - الملازم حازم سعيد - المحقق العدلي حسن النايف. الهيئة 1و2و3و4 في الموقف العام وسجن بغداد وسجن النساء والموقوفين في مراكز الشرطة والحرس القومي. الهيئة 5 في معتقل خلف السدة ومعتقل الخيالة. صرف 10 دنانير لكل هيئة لتامين احتياجاتها.
13. كتاب الحاكم العسكري العام رقم 1272 في 19\10\1963 حول تشكيل هيئة تحقيق امن الجمهورية للتحقيق في جميع قضايا مكتب التحقيق الخاص الملغي بامر وزير الدفاع.
14. كتاب الحاكم العسكري العام الى وزير الدفاع برقم 1345 في 2\11\1963 وفيه تفاصيل العمليات الاجرامية التي كان يرتكبها مكتب التحقيق الخاص مع الموقوفين.
15. رسالة اللواء المتقاعد رشيد مصلح بتاريخ 16\5\1967 الى الفريق عبدالرحمن عارف رئيس الجمهوري حول عدم دستورية توليه رئاسة الوزراء اضافة لرئاسة الجمهورية.
16.مذكرة للرئيس عبدالرحمن عارف بتاريخ16\4\1968 حملت تواقيع : عبدالعزيز العقيلي - عارف عبدالرزاق - ناجي طالب - احمد حسن البكر - حاج محمود شيت (خطاب)-رشيد مصلح - عبدالهادي الراوي - رجب عبدالمجيد - صالح مهدي عماش - حردان التكريتي - صبحي عبدالحميد (لم يوقع) - اسماعيل مصطفى - عبدالستار عبداللطيف. وتناولت المذكرة المذكورة اعلاه تشكيل مجلس وطني من 30 عضوا وتاليف وزارة ائتلافية قوية وغيرها من المقترحات. والطريف ان البكر الذي كان يدبر انقلابا سريا ضد عارف من خلال استدراج الحرس الجمهوري كان يظهر امام الناس واصدقائه رجلا ليبراليا اصلاحيا ولا يمانع من التوقيع على مذكرة مرفوعة لرئيس الجمهورية لاصلاح الاوضاع وبالتالي فانه شنق وعذب واغتال اغلب رفاقه الذين وقعوا الى جانب اسمه : عبدالعزيز العقيلي - سجنه وعذبه ومات شبه مخبول من اثار التعذيب والعزلة في السجون الانفرادية. عارف عبدالرزاق - هرب بجلده الى القاهرةخوفا من القتل. ناجي طالب - فرض على نفسه الصمت السرمدي. حاج محمودشيت خطاب - شغل نفسه بتاليف الكتب الاسلامية والتاريخية لينجو من الشبهات. رشيد مصلح - من اقرب اصدقاء البكر سجنه وعذبه حتى الجنون ولصق به تهمة التجسس للامريكان ثم شنقه. عبدالهادي الراوي - اعتزل الحياة السياسية لينجو برقبته. رجب عبدالمجيد - مات ميتة طبيعية. صالح مهدي عماش - اتهمه البكر بالتامر عام 1969 لتمهيد طريق صدام الى منصب نائب الرئيس بدلا من عماش وهو المرشح الساخن للمنصب وبعد تولى صدام الرئاسة عزله سفيرا في فنلنده ثم قتله بالسم. حردان التكريتي - وافق على تصفيته في الكويت عام 1971. صبحي عبدالحميد - بعث له رسالة شفهية بالخروج من العراق حفاظا على حياته لانه لا يضمنها اذا اصر على البقاء وفعلا غادر صبحي مع رفاقه الى القاهرة ومع ذلك ارسلت اليه مجموعة من القتلة لاغتيالهم وفشلت المحاولة. اسماعيل مصطفى - لزم الصمت. عبدالستار عبداللطيف - مات منكسرا ومنعزلا في بيته.
نستخلص مما ورد اعلاه : ان رشيد مصلح الحاكم العسكري العام وحسب الكتب والبرقيات الكثيرة الصادرة عن مقر دائرته لم يألوا جهدا في كشف التجاوزات والخروقات القانونية والانسانية ضد المعتقلين والموقوفين الشيوعيين وغيرهم وانه طالب الحد من مكتب التحقيق الخاص الذي كان يضم ابرز البعثيين المدنيين الذين تولوا ارتكاب الجرائم البشعة ضد الشيوعيين وفي مقدمتهم ناظم كزار وعمار علوش وصدام التكريتي ثم مقترحه بالغاء المكتب وتصفيته فكيف اذن سيسامحه البعثيون على مواقفه المضادة لتجاوزاتهم القانونية في النادي الاولمبي ومقر محكمة الشعب التي اتخذوها مقرا لتحقيقاتهم وتعذيبهم للشيوعيين وقد فضح رشيد مصلح هذه التجاوزات بسلسلة من المخاطبات لرئيس الوزراء احمد حسن البكر ووزير الدفاع صالح مهدي عماش الذي تعاطف مع مصلح وقرر الغاء مكتب التحقيق الخاص !!
كما اكدت الوثائق ان رشيد مصلح بريء كليا من البيان رقم (13) الذي اصدره المجلس الوطني لقيادة الثورة وهو اعلى سلطة تشريعية في العراق بعد انقلاب 8 شباط 1963وان رشيد مصلح كغيره من السياسيين العراقيين تعرض للاعنقال والتعذيب وتلفيق تهمة التجسس للامريكان وان البكر وصدام تحديدا يعرفان ومتاكدان من براءة مصلح وغيره من اي تهمة وجهها مكتب العلاقات العامة لمعارضيه وخصومه ولكنهما اصرا على التخلص من حلفاء الامس واصدقائهم لغلق ملفات سرية هما ابطالها منذ انقلاب 18 تشرين الثاني .. وانا لله وانا اليه راجعون !!
أشار العميد الركن المتقاعد زهير عبدالرحمن في مقالة له نشرت في (المشرق) العدد 898 في يوم الاثنين 19\2\2007 في صفحة (ذاكرة عراقية) الى حادث اغتيال رشيد مصلح في الناصرية عام 1959 وقد ايد نجلة الدكتور وائل ما وقع لوالده عندما كان ضابطا في الناصرية .. يقول زهير : روى العميد عبدالكريم عبدالرحمن القاضي قال كنت في عام 1959 في الناصرية وبرتبة مقدم واشغل منصب ضابط ركن لواء التدريب التاسع وبنفس الوقت اقوم بواجبات ضابط استخبارات اللواء وكان العقيد رشيد مصلح امر للفوج الثاني لواء الرابع عشر وكان مقر اللواء في الديوانية وبعد حركة الشواف في الموصل صدرت قائمتان باحالة بعض الضباط الى التقاعد وكان اسم العقيد رشيد مصلح بين الاسماء وحالما سمع بخبر احالته الى التقاعد غادر الفوج الى منزله لاستبدال ملابسه العسكرية بالمدنية ومن ثم يرجع لوداع منتسبي فوجه الا ان منتسبي فوجه من الجنود سرعان ما انطلقوا الى بيته لقتله بعد ان اشاع الشيوعيون ان جميع الضباط المحالين على التقاعد هم خونة وضد الزعيم والجمهورية وقاموا بمحاصرة البيت وسرعان ماارسلت الى بيته الملازم عباس الرفيعي المنسوب للفوج الثاني اللواء 14 ومعه سلمان السيد عباس الحلو رئيس عرفاء وحدة مركز تدريب الناصرية وفيصل هوبي رئيس عرفاء وحدة الميدان الطبية التاسعة لفك الحصار عنه وكان جنود فوجه قد كسروا باب بيته وانهم اخرجوه من الدار بالفانيلة واللباس الداخلي راحوا ايضربونه ووصلت الجماعة التي ارسلتها فقاموا بتفريق الجنود واستعملوا الشدة والقسوة معهم وانحاز جنود مركز التدريب الى جانب سلمان عندما شاهدوه يفرق بالجنود وبعد جهد جهيد ومعاناة شديدة تمكنوا من تخليص العقيد رشيد من قبضتهم فهرب الى اور ومنها الى السماوة ثم وصل اخيرا الى الديوانية باعجوبة ودخل مقر الفرقة الاولى وقابل قائدها العميد الركن سيد حميد الحصونة وهو مايزال في الملابس التي اعتاد ارتدائها في المنزل - كما جاء في المقال - وطلب حمايته فحماه القائد وارسله الى بغداد محروسا !!
وقال لي وائل تعليقا على اشتغال والده مع الانقلابيين للاطاحة بعبدالكريم قاسم قائلا : كان والدي بعيدا عن الثورات والانقلابات حتى انه لم يكن على اية علاقة بتنظيم الضباط الاحرار او ثورة 14 تموز من عام 1958 وهو رجل عسكري محترف وكان معروف بميوله الدينية والعروبية ولهذا عندما اراد الجنود الشيوعيين في الناصرية الاعتداء عليه قالوا مبررين اعتدائهم انهم اعتقدوا انه ضد الزعيم والجمهورية عندما شاهدوا ( السجادة) على كتفه واعتقد ان الذي دفع والدي للعمل ضد الزعيم هو قرار احالته الى التقاعد وهو في الاربعين من عمره وبرتبة عقيد وليس له اي نشاط معادي للزعيم سوى كونه يحمل افكارا عروبية وهو متدين ولهذا حز في نفسه ان يعامل بهذه الطريقة المهينة من قبل قاسم وانا في اعتقادي ان كريم قاسم هو الذي جلب على نفسه انقلاب 8 شباط حيث كان جل المشاركين في الانقلاب من الضباط الذين احالهم الى التقاعد ومنهم العقيد طاهر يحيى مدير الشرطة العام في حكومة 14 تموز !!

الجمعة، 22 أكتوبر 2010

راجي التكريتي


قمت باضافة صورة الطبيب أو الحكيم راجي التكريتي الى الجزء الأخير من دولاب الدم أرفقها هنا وارفق معها صورة له في مكتبة داره ورسالة كتبتها الدكتورة هناء راجي التكريتي ، الطالبة في كلية الطب في حينها ، الى حميد المطبعي عن أبيها ونشرها في كتابه " راجي التكريتي" وجميعها مصدرها ذلك الكتاب.











الخميس، 7 أكتوبر 2010

الوالد الذي قتل ولده... صورة وعدد قديم من جريدة العراق..

قمت باضافة صورة لتقليد الوالد الذي قتل ولده ,من قبل الرئيس صدام وسام الرافدين, الى الجزء الأخير عن .."رباط القربى" . وارفق هنا عدد قديم من جريدة العراق ورد فيها منحه وسام الرافدين من الدرجة الثانية. عن ذلك قال الرئيس " أن هذا الرجل الذي منح وسام الرافدين بقرار من القيادة نموذج من العراقيين الذي وصل الى الحد الذي لا يقبل على عائلته وعلى نفسه أن يهرب أحد ابنائه من الجندية ولايلتحق بصفوف القتال مع الرجال الذين يدافعون عن العراق وعندما يعصى أمره يطلق عليه الرصاص ويقتله".
أما عباس خضر في كتابه " الخاكية" فقد وصف التكريم " بصدمة أنسانية لا تصدق " .
" كان القاتل وطنياً يقلد كما يقلد الأبطال والهارب من الموت والمعارض للموت خائناً ، وهو ما يحيلنا الى نوعية القانون
يومها الذي أصبح فيه القتل وطنية وضرورة، والفرد المطيع المتعسكر والمتخندق هو حاكم فعلي آخر على أرواح البشر ! من يومها أصبح الوطن ثكنة موت حقيقي فقط أم تحول في القيمة والمعنى نحو انتكاس القردة؟!
أنها لحظة تاريخية في تصوري لانتصار الأب المجرم واندحار الأبن في المجتمع العراقي ، انتصار قيم
البداوة (الصحراء وايديولوجيا الحرب) وانتكاس المدينة وقيم الأنسان ، انتصار السلاح ومقتل الأنسان الجديد، سطوع نجم الأبوة المشوهة ونهاية الأجيال الجديدة لعقود من الزمن..."







الخميس، 16 سبتمبر 2010

القسوة لدى صدام حسين .."ليلة الهرير في قصر النهاية"

«انت الرائد الركن عبدالستار عبدالجبار العبودي؟»
فأجابه الضابط «نعم»
ثم سأله «ما دورك في المؤامرة»
الضابط «يا مؤامرة ويا دور الي بيهه.. يا جماعة آني ضابط قومي وحدوي» ثم اضاف «آني كان بودي لو كنت اعرف بالمؤامرة»

فأجابه الشاب باستنكار وبصوت عال «إشلون بودك تعرف المؤامرة»
فأجابه الضابط عبدالستار «نعم كان بودي اعرف بيهه حتى أبادر الى اعلام السلطات المسؤولة وفضحها.. ثم اية علاقة تربطني بجماعة مثل صالح السامرائي ورشيد الجنابي.. آني شاب قومي واشتركت بحركة عارف عبدالرزاق وبعد ثورة ١٧ تموز التقيت بالسيد الرئيس البكر بالقصر الجمهوري وليس بيننا شيء، وقد نقلني السيد الرئيس الى كركوك، وانا كنت هناك منذ عشرة ايام جيء بي الى بغداد وأودعت في سجن رقم ١ في معسكر الرشيد، وقبل ساعات قليلة جيء بي الى هنا ولا اعلم السبب فأية مؤامرة انا مشترك بيهه» كان يتكلم بثقة وثبات
فسأله الشاب «ولماذا جاءوا بك من كركوك ووضعوك بالسجن؟»
فأجابه عبدالستار «هاي قصة ثانية»
اجابه الشاب «نريد ان نعرفها. احكيها. انا مسؤول، ويجب ان تجيب على سؤالي؟»
كنا وجميع من في الغرفة نتابع هذا الحوار باهتمام حتى الحراس قد أنصتوا ايضا،
اجاب عبدالستار «قصة اعتقالي في كركوك وجلبي الى هنا هو ان امراً ادارياً كان قد صدر من وزارة الدفاع وعمم على جميع الوحدات ومنها الوحدة التي كنت فيها، وقد علقت بخط يدي على الورقة التي تحمل هذا الامر بعبارة «هذا أمر سخيف»، ويبدو أن تعليقي هذا على أمر وزارة الدفاع قد بلغ أسماع المسؤولين في بغداد، وعندما جاء السيد صدام حسين إلى كركوك مقر وحدتي في طريقه لملاقاة الملا مصطفى البرزاني، سأل آمر الوحدة عن الضابط الذي علق على الأمر الوزاري بعبارة أمر سخيف، فجيء بي إليه فما كان منه إلا أن مد يده إلى كتفي ونزع الرتبة العسكرية وطلب من الآمر إيداعي التوقيف لحين عودته، وعندما عاد من الشمال اصطحبني معه إلى بغداد، وأودعت سجن رقم ١ منذ عشرة أيام كما أخبرتكم، والآن جاءوا بي إلى هنا.. وهذه كل الحكاية.. يا جماعة صدقوني والسيد صدام حسين موجود ويمكنكم أن تسألوه.. فلا مؤامرة ولا يحزنون».

أحمد الحبوبي "ليلة الهرير في قصر النهاية"…

في ليلة ٢١ كانون الثاني من عام ١٩٧٠ أعلنت السلطة أحباط مؤآمرة حاول فيها مجموعة من العسكريين والمدنيين ,وبتمويل من ايران والمخابرات الأمريكية، تنفيذ محاولة أنقلابية ضدها , ورد ذلك في بيان رسمي كان نصه
"أن الفئة المتآمرة هي عبارة عن مجموعة من الرجعيين الحاقدين على كل تحول ثوري تقدمي والمعروفين بارتباطاتهم الوثيقة بالدوائر الأستعمارية ومن العناصر التي طردتها ثورة الرابع عشر من تموز.
وكان للبعض منهم ضلع في كثير من المحاولات التآمرية المشبوهة التي جرت في البلاد منذ ثورة تموز ١٩٥٨ . وقد سخرت الأمبريالية الأمريكية أجهزة مخابراتها كل أجهزة دولة ايران لمساعدة المتآمرين بكل ما يحتاجونه. وكلف موظف في السفارة الأيرانية في بغداد بدرجة سكرتير ثالث أسمه داود طاهر بالتنسيق بين المتآمرين وحكومة الشاه ثم جرى أول اتصال بين المتآمرين وحكومة الشاه ثم مع المخابرات المركزية الأمريكية وقد جرى أول اتصال بين المتآمرين وسكرتير السفارة الأيرانية داود طاهر في بغداد بتاريخ ١٥-٤-١٩٦٩ وفي ٢٨-١-٩٦٩ التقى عدد من المتآمرين بمدير المخابرات الأيرانية الدكتور فرزين وقد تم اللقاء في الكويت بحضور السفير الأيراني في الكويت وموظف في السفارة الأيرانية يدعى شيخ الأسلام وخلال هذا الأجتماع تحدث الدكتور فرزين الى المتآمرين ونقل لهم استعداد حكومة الشاه لوضع امكانيات الحكومة الأيرانية تحت تصرفهم. وحثهم على الأسراع بالعمل وابلغهم أن الولايات المتحدة الأمريكية مهتمة جداً بضرورة الأسراع بالقضاء على النظام الثوري في العراق وقد جرى بين المتآمرين ومدير المخابرات الأيراني حديث حول الموقف الذي يجب أن تتخذه حكومة الانقلابين من قضية فلسطين ومن المكتسبات الثورية التقدمية في البلاد. وقال مدير المخابرات الأيرانية أن على حكومة الانقلابيين أن تسرع بتنفيذ خطط أمريكا لتصفية القضية الفلسطينية وبذلك ستحظى بدعم الغرب وتأييده الكامل كما ابلغهم الدكتور فرزين بأن أمريكا ستضع كافة امكانتها لخدمة موآمرتهم الرامية الى اسقاط النظام الثوري في العراق. وقد تم الأتفاق في هذا الأجتماع على أن تقوم ايران بتزويد الطغمة المتآمرة بالمال والسلاح عن طريق الحدود العراقية -الأيرانية منطقة قضاء مهران -الأيراني. وبالفعل سلمت الحكومة الأيرانية بتاريخ ١٥-١١-١٩٦٩ للمتآمرين ألف رشاشة مع ربع مليون اطلاقة. وقد نقلت الأسلحة من قضاء مهران الأيراني واوصلت الى بغداد.. أما الوجبة الثانية من السلاح فقد تم نقلها الى بغداد بتاريخ ١٥-١٢-١٩٦٩ وعددها ألفي رشاشة واربعمائة ألف اطلاقة. وهكذا بلغ مجموع السلاح الذي استلمته المتآمرون ثلاثة الأف رشاشة وستمائة وخمسون ألف اطلاقة. وقد تم توزيع الأسلحة في أماكن متفرقة من بغداد وعلى شكل مجموعات. وقد حضر لدى نقل وجبتي الأسلحة من الحدود الأيرانية ضابطان أمريكيان من العاملين في وكالة المخابرات المركزية. وقام سكرتير السفارة الأيرانية داود طاهر بتسليم مبلغ عشرة الأف دينار الى المتآمرين بتاريخ ٢٥-١٢-١٩٦٩.
وبتاريخ ١١-١-١٩٧٠ سلم مبلغاً قدره ٥٠ ألف دينار الى ضابط بقصد شرائه وكان هذا الضابط الشهم الشجاع مكلفاً من قبل قيادة الثورة بالتسلل الى صفوف المتآمرين لكشف تآمرهم كما سلمت السفارة الأيرانية مبالغ أخرى كثيرة للمتآمرين الذين باعوا وطنهم وشرفهم للاجنبي. كما قامت السفارة الأيرانية في بغداد عن طريق سكرتيرها داود طاهر بتزويد المتآمرين بجهاز لاسلكي للاتصال بايران وقد تسليم الجهاز بتاريخ ١٣-١-١٩٧٠ وهو بقوة ٢٠ كيلو واط.
وبتاريخ ١٧-١-١٩٧٠ سلم جهاز لاسلكي أخر أصغر ليكون جهاز احتياط في حالة تعطل الجهاز الأول. أن الزمرة المتآمرة كانت تعتمد على المتآمر المجرم عبد الغني الراوي الذي ارتضى لنفسه أن يستظل بحكم العمالة في ايران منذ بضعة أشهر وعلى عدد من الضباط المتقاعدين الحاقدين على الثورة والاتجاه الوطني والتقدمي. وقد استخدم المتآمرون بعض البيوت في بغداد لاجراء الأتصال مع موظفي السفارة الأيرانية وبحث مخططات التآمر معهم ومن البيوت التي استخدموها بيت الدكتور حسن الخفاف وزوجته سعدية صالح جبر الكائن في المنصور وبيت الدكتورة فاطمة الخرسان في الكرادة . وكان هذان الداران يستخدمان لتبادل الرسائل بين السفارة الأيرانية والمتآمرين. وقد شكل المتآمرون جهازاً خاصاً مهمته اغتيال كبار المسؤولين في الحزب والدولة كجزء من العملية التآمرية وقد تم اعتقال كل عناصر هذا الجهاز. أن الأجهزة الساهرة على أمن الثورة وسلامتها كانت منذ البداية على علم بتفاصيل الموآمرة وكان رجالها قد تسللوا الى أجهزة المتآمرين وهي تحتفظ بتسجيلات كاملة لاغلب الأجتماعات واللقاءات وسوف تذاع هذه التسجيلات على أبناء الشعب. وقد قرر المتآمرون أن يكون تنفيذ المؤآمرة في يوم ١٧ الجاري ثم تقرر تأجيل التنفيذ الى ليلة ٢٠/٢١-١ الجاري. وكانت خطة المتآمرين تستند على أساس تجميع عناصرهم من العسكريين المتقاعدين والهجوم على كتيبة دبابات الرشيد والاستيلاء عليها وكذلك السيطرة على بعض الوحدات في بغداد”.
بعد مراجعة لعدة مصادر ورد فيها ذكر لتلك المحاولة يتبين أن السلطة علمت بها من خلال عدة أشخاص احدهم كان حسن الخفاف , فقد ورد في مذكرات وزير التخطيط الأسبق جواد هاشم عن ذلك الدور
“حسن الخفاف موظف بسيط في مديرية التقاعد العامة، وله في الوقت نفسه عيادة لتركيب الأسنان. وهو أبن خالتي ومتزوج بسعدية صالح جبر، أبنة رئيس الوزراء العراقي المعروف في العهد الملكي وبالرغم من القرابة التي تربطني بالخفاف . ألا اننا لم نكن متقاربين، لا فكرياً ولا في العمل السياسي ، ولم أكن قد التقيت به لسنوات طويلة ألا أنه زارني في أوائل كانون الأول ١٩٦٩ ، في مكتبي بوزارة التخطيط. كان في حديثه الكثير من القلق والخوف ، ولم يكن ذاك غريبا ، حين عرفت بالموضوع.
تلفت يميناً ويساراً ، وقال بصوت خافت ومرتجف: -أريد أن أريح ضميري واخبركم أن هناك مؤآمرة تدبر من قبل عدد من العسكريين والمدنيين لقلب نظام الحكم. سكت قليلاً ليشعل سيجارة، ويده ترتجف ، ثم استمر بالقول: - أن الأجتماعات تعقد بداري بمدينة المنصور ، وانا عندما التقيك هنا لا أخاطبك كقريب لي فحسب ، بل كمسؤول لاتخاذ الأجراء اللازم. وكل مااريده هو أن أعطى الأمان ون يسمح لي بالسفر الى الكويت للعمل هناك. ثم أشعل سيجارة ثانية وثالثة ، واخذ يذكر أسماء العاملين في هذا التنظيم: العقيد المتقاعد عبد الغني الراوي ، العقيد المتقاعد صالح مهدي السامرائي، ( الملحق العسكري في بيروت في العهد الملكي ، النقيب فاضل الناهي، و...مرافق أحمد حسن البكر المقدم فاضل البراك.
سكت الخفاف ، واخذ يبكي مردداً أن "المتآمرين" لو عرفوا بحديثي معك ، فانهم سينتقمون مني ومن عائلتي. ثم أضاف " أن المؤآمرة هي بالاتفاق مع الحكومة الأيرانية ، وان السفارة الايرانية في بغداد تزودنا بالمال والسلاح"، موكداً أن " أبا ناجي" (أي بريطانيا) مرتاحة الى العملية “.
“هزتني خطورة تلك المعلومات ، فاندفعت حال خروج ابن خالتي الدكتور حسن الخفاف الى رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر ، في القصر الجمهوري ، لنقل تلك المعلومات اليه.
وصلت القصر ظهراً ودخلت مكتب الرئيس ، وما أن بادرت بالحديث عن الموضوع حتى هب البكر مقاطعاً :
- هذا موضوع تآمر وعسكر ، اذهب حالاً لمقابلة الرفيق أبي عدي صدام حسين لبحث الموضوع معه.
وقادني عبر ممر داخلي الى غرفة صدام حسين.
كان صدام حسين مستلقياً على فراش النوم متوعكاً ، ورأسه ملفوف بمنشفة. ذكرت لصدام كافة المعلومات ، وهو يسمعها بهدوء.
وما أن انتهيت، حتى قال لي: أرجو أن تشكر الدكتور حسن. وسحب من درج قريب مبلغ ٢٠٠ دينار وطلب مني أن أسلمها الى الدكتور حسن، واطلب منه أن يتعاون مع أبي رعد (سعدون شاكر) ، مدير مكتب العلاقات العامة، وهو جهاز المخابرات آنذاك، ليضعوا لاقطات لتسجيل ما يدور في اجتماعات المتامرين.
التقيت أبن خالتي في صباح اليوم التالي في مكتبي في الوزارة ، سلمته المبلغ، وابلغته تقدير صدام لمبادرته ، وضرورة تعاونه في وضع اللاقطات في داره.
كان تجاوب حسن الخفاف كاملاً. وفي يوم لاحق زرته في داره ، حيث طمأنني الى أن أدوات الانصات مثبتة، وكل شيء على ما يرام. كان تقديري في ذلك الوقت ، أني قد قدمت خدمة الى الحزب والثورة، وان حسن الخفاف قد أمن على حياته بهذا التعاون مع النظام“.
اثبتت الأيام بعد ذلك كم كان جواد هاشم مخطئاً في تقديره ,فعلى الرغم من قيام الخفاف بافشاء أسرار المحاولة والتعاون مع السلطة فلم يلق غير الجحود ، فلم يكتف البيان الرسمي باهمال ذكر دوره بافشاءها فقد نفذ حكم الأعدام به مع من وشى بهم . عن ذلك الجحود كتب جواد هاشم
“ في طريق عودتي مع الوفد إلى العراق مروراً بباريس، استقبلني الدكتور محمد المشاط، سفير العراق في باريس، وفي السيارة بدأنا نستمع إلى نشرة أخبار الساعة الثانية عشرة مساءً عبر راديو بغداد. بدأ المذيع بقراءة بيان رسمي عن كشف المؤامرة، وإذاعة أسماء «الوجبة» الثانية من المتآمرين الذين تم إعدامهم.
كم كان وقع المفاجأة شديداً عندما سمعت اسم حسن الخفاف من بين «الوجبة» الثانية من الذين نُفد فيهم حكم الإعدام.
يا ترى ماذا حصل؟ هل هناك تطور جديد؟ هل انقلب حسن الخفاف عليهم، وهذا أمر يكاد يكون مستحيلاً بعد أن كشف كل أوراقه لهم؟ تناهت إليّ أسئلة كثيرة من دون جواب واحد.
" سعيت إلى العودة إلى بغداد بأسرع وقت ممكن. وهكذا، كانت زيارة باريس بمثابة كابوس كنت انتظر الخروج منه بالسرعة الممكنة. حال وصولي إلى بغداد، ذهبت لمقابلة صدام، وكان مرحباً بي، وأخذ يصف لي نجاحهم في كشف المؤامرة، وكيف ضبطوا كمية كبيرة من السلاح، منها ٣٠٠٠ رشاش، وأنه احتفظ لي بواحد منها على سبيل الهدية، ولكنه لم يذكر موضوع ابن خالتي؟
وعندما استفسرت منه عن ذلك، رد بكل بساطة قائلاً: لقد حدث «خطأ» لم أستطع تداركه في الوقت المناسب. وهكذا، أُعدم الدكتور حسن الخفاف من جراء «خطأ». لم يوضح صدام كيف يمكن أن يحصل مثل هذا الخطأ، وهناك محاكمة وشهادات. ومع ذلك، أردت أن اصدق ما قال لي، وأُبعد عن ذهني مرارة الشك، مع أن تعابير وجه صدام والطريقة التي وصف بها العملية، والهدية التي قدمها الي، وضعتني في جو، وكأن ما حصل لحسن الخفاف هو أمر ثانوي قياساً بالقضاء على المؤامرة”.
كان المصدر الثاني , والذي زود السلطة بالمعلومات التي أدت الى احباط تلك المحاولة , الحزب الشيوعي حيث ذكر بهاء الدين نوري في مذكراته
"في يوم من أيام كانون الثاني ١٩٧٠ قدمت الينا السفارة السوفيتية في بغداد معلومات تفصيلية ملموسة حول خطة محكمة للقيام بانقلاب عسكري. وسينطلق اللواء العاشر المدرع من ثكنة عسكرية كانت في الماضي ميداناً لسباق الخيل بجانب حي المشتل. وكان الضابط المتقاعد عبد الغني الراوي، المشارك النشط في انقلاب ١٩٦٣ والذي دخل بعدئذ في خلافات حارة مع البعثيين ، من أنشط المساهمين في الطبخة الأنقلابية الجديدة أيضاً.
أرسل مكرم الطالباني موفداً من قيادة الحزب الشيوعي العراقي الى رئيس الدولة أحمد حسن البكر حاملاً اليه الخبر بتفاصيله ، التي كانت تقضي باحتلال مبنى الأذاعة والتلفزة والقصر الجمهوري تحت جنح الظلام. ويبدو أن الحكام البعثيين لم يصدقوا تصديقاً تاماً، في بادىء الأمر. لكنهم اتخذوا التدابير الفورية من باب الأحتياط. وفي ساعة الصفر المحددة بدأ التمرد من الثكنة المشار اليها وجرت مصادمات واحبطت المحاولة الأنقلابية لانها كانت قد فقدت عنصر الكتمان والمباغتة. ويتراءى لي أن نجاح الأنقلاب كان مضموناً فيما لو لم يحط البعثيون علماً بالامر قبل وقوعه.
في اليوم التالي لأحباط المحاولة الأنقلابية استدعى البكر الطالباني الى القصر الجمهوري من جديد وشكر الحزب الشيوعي العراقي ، وقال ما معناه : لن أنسى ما حييت هذا الجميل. لقد انقذنا الحزب الشيوعي من السقوط الموشك. لن تكون هذه شوارب رجل - وقد مد أصابعه لشورابه- ولن يكون لي شرف عسكري اذا قبلت بعد اليوم بأي اضطهاد للشيوعيين في ظل نظامنا هذا".
أما الضابط الشهم الشجاع الذي ورد ذكره في البيان الرسمي والذي استطاع كسب ثقة المتآمرين واحباط المؤامرة فهو على الأغلب فاضل البراك .
فعن دورالبراك كتب جواد هاشم “ اجتمع المتآمرون في ١٩ كانون الثاني (يناير) ١٩٧٠، وحددوا الساعة الثامنة من مساء يوم ٢٠ من ذلك الشهر موعداً للتنفيذ. وكانت الخطة أن يتوجه العقيد صالح السامرائي مع ٥٠ عنصراً إلى القصر الجمهوري، حيث يكون فاضل البراك بانتظارهم، فيلقي القبض على البكر وأعضاء مجلس قيادة الثورة، عندما يكونون مجتمعين في الطابق الثاني من القصر (قاعة الاجتماعات). .
وجاءت ساعة الصفر: الثامنة مساء يوم ٢٠ كانون الثاني (يناير) ١٩٧٠، وفتحت بوابة القصر الخارجية ليدخل السامرائي وزمرته، ويستقبلهم البراك مرحب بهم مؤكد لهم أن البكر معتقل في إحدى غرف الطابق الأرضي (السرداب)، ودخل الجميع صالة الاستقبال الكبرى.
وما إن وقعت عينا العقيد صالح السامرائي على صورة البكر المعلَّقة في الصالة حتى صاح بأحد جنوده، يأمره بإنزال الصورة. وفجأة دخل حرس القصر القاعة لإلقاء القبض على المتآمرين. حاول السامرائي المقاومة، وجرى تبادل لإطلاق النار، فقُتل جنديان من حرس البكر. ولم تطل المقاومة، كما لم تطل محاكمة السامرائي. “
على الرغم من ترقية البراك بعد ذلك حتى توليه منصب مدير الأمن العام واسهامه من ذلك المنصب في القضاء على مجاميع أخرى من" المتآمرين" فمصيره في النهاية انتهى كمصير حسن الخفاف.
ولم يكن مصير الضابط الأخر العقيد الركن محمد علي سعيد (مدير الحركات العسكرية ) الذي اخترق المجموعة أفضل من مصير فاضل البراك أو حسن الخفاف حيث أعدم هو الأخر في نيسان ١٩٧٩ مع مجموعة كبيرة من الضباط البعثيين السامرائيين في سجن أبو غريب.
آلية عمل المحكمة الخاصة ووكيفية التحقيق مع من ألقي القبض عليه ذكرها ً أحمد الحبوبي في كتابه "ليلة الهرير في قصر النهاية " قائلا
"وقفنا وسط الصالة ننتظر، ومرت لحظات وإذا بمجموعة عن عسكريين ومدنيين يخرجون علينا من غرفة جانبية ويتجهون نحونا، وسمعت الحارس الذي قادنا الى هذه القاعة يقول (هذا سيادة رئيس المحكمة لحد يتحرك) واتجهت انظارنا نحو رئيس المحكمة وكان يتقدم المجموعة، وإذ به ضابط برتبة رئيس اول، اسمر اللون، مربوع القامة ممتلئ الجسم، لونه يميل الى الصفرة، ويتدلى من وسطه مسدس، وكان حاسر الرأس، هذا إذاً رئيس المحكمة الخاصة الذي سيحاكمنا، هذا هو (طه الجزراوي)!
وقف غير بعيد من دائرتنا ووقف بجانبه وخلفه مجموعة من الافندية والضباط، ولم اعرف احدا منهم سوى (محمد فاضل) الذي كان عضوا في محكمة الثورة التي حاكمت العميد عبدالهادي الراوي. وكنت وكيلا عنه، في دعوى اتهم فيها مع مجموعة من عسكريين ومدنيين بالتآمر لاطاحة بنظام البعث).
إني اراه الان يقف بجانب طه الجزراوي ويحمل اوراقا كثيرة فقلت ماذا يعمل هنا، فهو ليس عضوا في هذه المحاكمة فالعضوان الآخران هما ناظم كزار، وعلي رضا، ثم استدركت ما أغباني!
إني أبحث عن الصفة الرسمية، والقانونية، لهذا الشخص، ولمثله، وعن معنى وجوده هنا، فإن لم يكن هنا الساعة، فأين يكون إذاً!
هذا هو مكان القتلة! تفرست في وجوه الآخرين من مدنيين وعسكريين ولفت نظري أن محمد فاضل «أعدم مع ناظم كزار ومجموعة من البعثيين بتهمة التآمر سنة ١٩٧٣» ينظر نحوي بطرف عينه، وكأنه لا يريدني ان اشعر بذلك، مرت لحظات والكل ينظر الى رئيس المحكمة
ونطق أخيراً الجزراوي، فقال موجها كلامه إلينا
«اسمعوا... انتو مشتركين بالمؤامرة القذرة اعترفوا أحسن إلكم.. امامكم ربع ساعة حتى تعترفوا.. ومصير اللي ما يعترف مثل هذوله اللي شفتوهم الآن معدومين بالساحة.. إسمعتوا؟»
ثم سكت!
هذا ما نطق به رئيس المحكمة التي ستحاكمنا بالعدل والقسطاس، ووجدتني أردد مع نفسي «أكلناها والله، رحنا بشربة ميه، والله يرحمنا»
ثم التفت طه الجزراوي الى محمد فاضل وقال له: «وزع عليهم الورق» هنا صاح العميد شاكر مدحت السعود «يا جماعة، آني ما مشترك بالمؤامرة» فما أنهى جملته، حتى انقض عليه بعض الواقفين وأخذوا يضربونه على وجهه ضربات سريعة «سطرات ولكمات» والرجل يحجب بيديه دون جدوى، فرثيت لحاله.
يُضرب لأنه تجرأ وقال شيئاً امام رئيس المحكمة، وكان عليه ان يتأدب في حضرته ولا يفتح فمه بكلام يدافع فيه عن نفسه، انه لم يقل أكثر من أنه لم يشترك في المؤامرة، فمن حقه ان يقول ما يشاء في موقف كهذا.. ضرب الرجل بشدة وسرعة، فتراجع إلى الخلف اتقاءً للضرب، ولملم نفسه، ووقف ساكتاً، وهنا انبرى حسن العكيلي وكان احد المتهمين، قائلاً: «يا جماعة آني أمي ما اعرف اكتب».
فابتسمت في سري لكلمته، فقد هزتني من الأعماق لأنها كانت صادقة وبريئة ومفحمة، فرئيس المحكمة يريد اعترافا خطياً، والرجل لا يعرف القراءة والكتابة، وأعلنها جريئة وصريحة، اعجبتني، ولم يعتد عليه أحد كما اعتدى على العميد شاكر فما عساهم يفعلون امام هذه الحقيقة، هل يُضرب لأنه أُمي؟ فسكتوا امام جوابه المفحم، وشعرت أنه قد انتصر عليهم.
أعطى محمد فاضل ورقة بيضاء لكل واحد منا، وبعد ان انتهى من توزيع الاوراق قال طه الجزراوي «أمامكم ربع ساعة للاعتراف.. وعدكم الأوراق يا لله اعترفوا أحسن الكم» ثم انسحب عائداً من حيث أتى هو وبعض ممن جاءوا معه، ودخلوا الى احدى الغرف الجانبية، واندفع نحونا الحراس يدفعوننا الى جدران الصالة بحيث يقف كل واحد ووجهه الى الحائط، ويبعد عن الآخر ثلاثة امتار تقريبا، ووقف بجانب كل واحد منا حارس يحمل رشاشا ومسدسا، يمنعنا من الالتفات يمنة او يسرة او الى الخلف. وان فعل احدنا ذلك، يعالجه بضربة من كعب رشاشته او كفخات على رأسه، وتذكرت جماعة الامس حينما جيء بي الى هذا المكان، فها نحن نقف في مكانهم، وما اشبه الليلة بالبارحة، وتذكرت الرجل الشاحب صاحب الزبون والسترة الذي اختفى. لا أعلم لماذا أنا هنا؟ مسكت الورقة بيدي ورحت اتساءل ماذا اكتب! وبم اعترف!
وتذكرت المرحوم الرائد عبدالستار وحواره مع الجماعة، وكيف كان مصيره، فقد اعدم لأنه علق على امر بكلمة «سخيف»، فما هي يا ترى جريرتي التي اعدم من أجلها؟ توصلت الى يقين ان الجماعة قد جاءوا بي الى هنا من اجل اعدامي، والتخلص مني، وان زجي واتهامي بالمؤامرة المزعومة إنما هو تبرير ليس غير، تماما كما فعلوا مع الرائد عبدالستار، صحيح انني ضد حزب البعث، وسياسته، ولكن هل استحق على موقفي هذا الاعدام؟. وبدأوا يكتبون اعترافاتهم، وحانت مني التفاتة وإذا براهي يقف بجانبي، ولاحظت انه لا يكتب شيئا فقد مسك الورقة والقلم بيده وراح ينظر نحوي بطرف خفي، ويخاف أن يلتفت إلى الوراء (خوفا من الكفخات)، صاح به الحارس الذي يقف بجانبه «ما تكتب اشما لك»؟ فأجابه بصوت خفيض «أغاتي شكتب» فرد عليه «أكتب عن دورك بالمؤامرة» فأجابه «يا مؤامرة أغاتي» فأجابه هذا «عجايب علويش جايبيك لعد»؟ فأجابه المسكين «والله أغاتي ما أدري» وهنا ضاق به الحارس ذرعا فصاح به تكتب ما تكتب يطبك مرض.
وبعد تفكير طويل وحيرة، اسندت الورقة الى الحائط وأنا استرجع، وأحوقل، واقول «ماذا تنفع الكتابة عند من لا يقرأ ولا يكتب»، يا لها من مهزلة وقررت ان امتنع عن الكتابة، ثم تراجعت، وقلت في نفسي لم لا اكتب وان كانوا لا يقرأون، ولكني اكتب لمن يريد ان يقرأ من بعدهم وكتبت: «انا فلان الفلاني جيء بي الى هذا المكان ولا اعلم سببا لهذا المجيء حتى الآن، فإن كان من اجل المؤامرة الامبريالية الرجعية الايرانية كما وصفت، وكما سمعت عند الاعلان عنها من الاذاعة، فأنا رجل معروف الاتجاه والانتماء العقائدي، انا رجل وحدوي اشتراكي، واربأ بنفسي وعقيدتي وشرفي، ان اتورط، واكون ضالعا بمثل هذه المؤامرة، والله على ما اقول شهيد..»
ثم سلمت الورقة إلى الحارس الواقف بجانبي الذي كان يراقب كتابتي، فأخذها ونظر فيها قم قال بنبرة فيها تعجب وتهكم: «هذا هو اعترافك؟» فأجبته بإيماءة من رأسي دون كلام، فسكت وظل ماسكا الورقة يعيد قراءتها وينظر إليّ كأنه غير مصدق، وهنا رأيت شخصا مقبلا نحونا يحمل ورقة بيضاء مع قلم ويقف عند كل واحد منا فيسأله شيئا ثم يكتبه في الورقة إلى ان وصل إلى راهي فسأله «وين تسكن وشنو عنوانك ورقم بيتك بالضبط؟»، فتلعثم راهي ثم ذكر له عنوانه ورقم بيته، ثم جاء ووقف عندي، وسألني «أين تسكن وعنوانك ورقم بيتك أستاذ؟» فأجبته أني أسكن بحي الصليخ، ولكني لا اعرف رقم بيتي «لم أكذب عليه»، فالحقيقة أني لا أعرفه، انزعج من اجابتي، فما كان الا ان اجاب بعصبية «لوين نودي جثتك.. لعد نرميها بالدرب؟» لم أتمالك نفسي من الضحك قائلا له بسرعة وبسخرية «شنو الفرق.. يعني يهم الشاة أن تصلخ بعد ذبحها» فأجاب «عجايب.. زين.. زين»
ويكمل أحمد الحبوبي عن كيفية اكمال المحكمة لعملها وتنفيذ أحكام الأعدام قائلاً
"تنبهت مذعوراً على صوت التلفون يرن بشدة، وللمرة الاولى اسمع رنين جرس التلفون منذ ان جيء بي الى هنا، ظل رنين التلفون مستمراً، ثم رفعت السماعة، وسمعت صوتاً يقول: «هلو.. نعم سيدي.. نعم سيدي»، ثم اقفلت السماعة،
وبعد لحظة اذا بصوت عال يسمعه الجميع، كل من في الدهليز ونزلاء الزنزانات يعلن عن اسم شخص «فلان ابن فلان»، ونسمع اقداماً تتجه الى زنزانة الشخص المطلوب، ويستخرج منها ، ثم يعلن المنادي وبصوت عال ايضاً ومسموع عن اسم آخر «فلان ابن فلان» وتتجه نحو زنزانته اقدام لاستخراجه هو الآخر، هكذا وعلى هذا المنوال نودي على سبعة او ثمانية اشخاص، ممن يحتلون الزنزانات، وحصل ضجيج جراء فتح وقفل ابواب الزنزانات واقدام كثيرة تروح وتجيء سواء من الحراس او الاشخاص المطلوبين، وقد مر بعضهم من امام زنزانتي، فقد سمعت واحداً يقول «على كيفك اخوي عوّرت ايدي»، ويبدو ان الحارس قد شد بقوة على ذراع الشخص المساق.. ثم ابتعدت الضجة، وسمعت صرير الباب الحديدي الكبير يفتح ثم يغلق، وكأن الجميع قد خرج، ولم اعد اسمع شيئاً، نهضت واقفاً، وألصقت خدي على باب الزنزانة الحديدي، علّني اسمع شيئاً، فقد ران الصمت من جديد وبدأت الافكار تشتغل الى اين ذهبوا بهؤلاء؟ هل افرج عنهم؟ هل طلع النهار؟ الظلام هنا حالك لا يسمح حتى برؤية عقارب الساعة، واسئلة اخرى اخذت تلح. وبينما انا في هذه الافكار اذا بدوي الرصاص يمزق السكون ويرج المكان رجاً، زخات وراء زخات استمرت دقائق عدة، ثم اخذ يضعف ويتقطع الى ان سكت تماماً، وحل سكون مخيف، واذا بصوت ينبعث من الدهليز يصيح بأعلى صوت «هذه وجبة من الخونة قد ذهبت الى مزبلة التاريخ»، ثم اعقبها بقهقهة عالية، وانشغل فكري مع هذه الوجبة، منذ قليل كانوا جيراناً لي ويحتلون الزنزانات المجاورة، ها هم الآن جثث تفترش ارض الحديقة، لم اعرف احداً منهم، ورحت اتساءل: هل حوكموا. ومتى جرت محاكمتهم وكيف؟ لقد نقلوا من الزنزانة الى ساحة الاعدام رأساً، لا شك ان الحكم قد صدر عليهم مسبقاً حتى قبل اعتقالهم، وانما جيء بهم الى هنا للتنفيذ فقط، وما يعلن في الاعلام الحكومي هو كذب في كذب، فليس للمحكمة اي وجود، ورن جرس التلفون من جديد واخذ قلبي يضرب بعنف ـ ان رنينه نذير شؤم، انه واسطة الموت، هو الذي يحمل اوامر الاعدامات، ان مصيرنا معلق في سماعة هذا التلفون، هل انا سأسمع اسمي مع وجبة جديدة ترسل الى الموت. رُفعت السماعة وطاحت قلوبنا ـ نحن نزلاء الزنزانات ـ فالكل يتوقع ان يسمع اسمه، واجاب الصوت نفسه «نعم سيدي.. نعم سيدي» ثم يغلق السماعة، وتصيخ الاسماع. انها لحظات قاتلة لا تحتمل، انها النطق بالاعدام، ونطق المنادي بصوته الجهوري الاسم الاول وفتحت زنزانته واحضر صاحبها.. كنت اعد الاسماء اسما وراء اسم، وكنت اتوقع سماع اسمي، فإن اخطأه المنادي، او تخطاه، قلت في نفسي ان اسمي، سيجيء وراء هذا الاسم دون شك، ونادى على سبعة اسماء او ثمانية، كانت اسماع كل منا متعلقة بالحرف الاول من الاسم، فمنه يعرف المعني والمطلوب تنفيذ الحكم فيه.. انها عملية مرهقة، تختلط فيها الحروف والاسماء وتضطرب المشاعر، فالكل يتوقع ان يسمع اسمه، فإن تعداه المنادي الآن فسيعلنه بعد حين. اقتيدت هذه الوجبة من زنزاناتها، كما اقتيدت الوجبة السابقة وخرجت من البوابة الكبيرة... وظلت اسماعنا مشدودة الى سماع دوي الرصاص، كما هو متوقع فقد عرفت الحكاية او اللعبة: تلفون يدلي بأسماء من يراد اعدامهم ممن يحتلون هذه الزنزانات، ويقوم الحراس بعملية ايصالهم الى ساحة الاعدام حيث التنفيذ.. ولكن كم يا ترى عددنا ـ نحن نزلاء هذه الزنزانات؟ لم يطل انتظارنا، فقد لعلع الرصاص مزمجرا من الرشاشات، وحصد اجسام هذه الوجبة الاخرى.. ثم ران السكون الذي قطعه صوت من الدهليز «هذه وجبة اخرى من الخونة تذهب الى مزبلة التاريخ» اعقبتها قهقهة عالية..
ولا ادري كيف تعلق فكري بعبارة «مزبلة التاريخ» فقد تكررت كثيرا وتساءلت عما اذا كان للتاريخ مزبلة، فإذا كانت له مزبلة فله جنان وقصور.. ايضا حسب المنطق نفسه، وتساءلت عمن يذهب اليها، وبتمتع بمباهجها، ومن الذي يوزع الناس بين المزبلة والجنة، وهل نحن البشر نملك هذا الحق؟ يا لها من سخرية.. هذه وجبة اخرى حصدت ارواحها وستعقبها وجبات، فالزنزانات ما زالت تضم الكثير من المتاعيس. وتعلقت الاسماع بجرس التلفون انتظارا لرنينه. عرف الاسلوب، ينادى على الاسماء، تساق من الزنزانات الى مكان الاعدامات ويتم اعدامها رميا بالرصاص.. هكذا بكل بساطة.. ولا يستغرق من الوقت اكثر من نصف ساعة بين سماع الصوت من خلال التلفون وبين عملية التنفيذ، فكل شيء مهيأ ومرتب ومعد سلفا، ولا داعي لتضييع الوقت في محكمة ومحاكمة.
وهنا رن جرس التلفون وانقطعت حبال الآمال، انه نذير الموت والدور آت ولكل اجل كتاب، وسمعت الصوت التقليدي يرد «نعم سيدي نعم سيدي» بانتظام وبنبرة عسكرية وتنتهي المكالمة وتشرئب الاعناق ويخيم سكون رهيب، وكأنه سكون الموت، فهذه اللحظة على قصرها، كأنها الدهر، واصخت السمع وجاء الصوت عاليا «فلان بن فلان الفلاني»، لم اكن انا المطلوب ولا واحدا اعرفه ثم اعقب بصوت آخر «فلان الفلاني» فتعجبت من ان المنادي قد ذكر الاسم واللقب فقط دون الاسم الثلاثي، فقلت، الا يحتمل ان تتشابه الاسماء، وتختلط ويروح انسان بريء ضحية آخر، وهذا ما حصل فعلا فقد تم اعدام بعض، بدل بعض لتشابه الاسماء، ولم يكتشف هذا الخطأ الا بعد فوات الاوان. ونادى المنادي على العدد المطلوب كما فعل في كل مرة واقتيدوا من زنزانتهم واخرجوا من البوابة الحديدية ورحت انتظر ومر الوقت ثقيلا، وانا اترقب صوت الرصاص، ولم يطل انتظاري فها هو الرصاص يلعلع ويزمجر دقائق ثم ينقطع. وانتظرت الصوت الكريه يقول «عبارته المأثورة» ولم يطل انتظاري ايضا فها هو يصيح: «وهذه وجبة اخرى من الخونة تذهب الى مزبلة التاريخ»، ثم يعقبها بقهقهة ويخطر ببسطاله في الدهليز شأنه مع كل وجبة يتم اعدامها، ولم يطل الانتظار ايضا فها هو جرس التلفون يرن من جديد، وداخلني شعور اكيد ان اسمي سيكون مع هذا الرنين لا محالة فقد تأخر دوري اكثر من اللازم، ولا بد ان يجيء، وها هو آت مع هذا الرنين، ورفعت السماعة وتكررت العبارة المألوفة «نعم سيدي» حتى انني قلتها قبل ان ينطق بها الصوت، ثم وضعت السماعة وبدأ الصوت ينادي الاسماء وذكر الاسم الاول، وذكر الاسم الثاني، فقلت انا الثالث، فقلت الرابع، ومر الخامس، حتى الاسم السابع، وانتهى النداء”
.
ساحة التنفيذ كانت في حديقة قصر النهاية وهي نفس الحديقة التي اعدمت فيها العائلة المالكة ووصفها أحمد الحبوبي قائلاً " ساحة الاعدامات هذه حديقة كبيرة تقع امام مدخل قصر النهاية يغطيها العشب، مستطيلة، يبلغ طولها نحو سبعين متراً وعرضها اربعين متراً، اخترق طابورنا الحديقة ورأيت كما رأى الجميع اجساماً متناثرة تفترش الارض، هي جثث الوجبة الاخيرة التي تم اعدامها منذ حين، حرصت ان اتمعن جيداً في هذه الجثث وكأني اخاطبها مباشرة، وقد كانت لأشخاص بأعمار مختلفة، وبملابس متباينة، يفترشون الحديقة بأوضاع مختلفة، فهذه جثة جندي يرتدي ملابس الجنود وبرجله بسطاله وينام على ظهره وقد اتجه بوجهه الى السماء، كان وجهه واضحاً وغير مغطى بعصابة، وبالقرب من هذا الجندي تضطجع جثة على وجهها، وكان صاحبها يلبس الدشداشة وحافي القدمين، وهذه جثة تبعد عن الجثتين قليلاً لشخص ينام على جنبه، متكوراً وقد ادخل رجليه في بطنه، وضم يديه اليهما، وادخل رأسه في صدره، وتلك جثة اخرى تبعد امتاراً بوضع آخر فكل ينام او يموت على الجنب الذي يريحه، وهذا امر لا دخل للجلادين فيه، فالجلاد يطلق الرصاص على الضحية، ثم يترك له حرية اختيار الوضع الذي سيلاقي ربه فيه. لم اكن وحدي الذي ينظر وبتمعن في الضحايا، فقد فعل ذلك كل الطابور، وكان الحارس الذي يسير في مقدمة الطابور قد تمهل بمشيته وابطأ ليعطينا وقتاً اطول لنملي عيوننا من هذا المنظر، ونستوعبه لغرض واضح” .
ذكر أحمد الحبوبي أيضاً أن البعض اعدم بوسائل أخرى عدا الشنق والرصاص فعن اعدام جابر حسن حداد محافظ كربلاء الاسبق قال
"احضروه امامهم، وبدأوا يعذبونه بالخناجر، والسكاكين، ويتلذذون بطعنه في اماكن مختلفة من جسمه ويتنافسون على قطع اذنه، او بقر بطنه، وكان الرجل صابرا ويشتمهم، ويقول لهم (إني شهيد، ويشرفني ان شهادتي على ايديكم) الى ان لفظ انفاسه الاخيرة، رحمه الله بين ايدي الزبانية ."
وعن شخصية رئيس المحكمة الخاصة طه الجزراوي كتب جواد هاشم
" طه الجزراوي ـ المعروف بطه ياسين رمضان ـ شخصية غريبة الأطوار: خليط من وقاحة وغرور وإحساس داخلي بالضآلة والدونية. فهذه الشخصية المجهولة الأصل والديانة والمستوى العلمي، والتي بدأت من القاع لتتسنم، في غفلة من الدهر، أرفع المناصب الرسمية، كانت كل مؤهلاتها رتبة نائب ضابط في الجيش، وانتماء إلى حزب يتلفع بالجلباب القومي العربي، برغم أنها تنتمي في الظاهر الى القومية الكردية. وعلى العكس من صدام حسين الذي يحاول أن يبدو دائم الابتسام، ظل الجزراوي محافظاً على عبوسه وتجهمه حتى في المناسبات السعيدة، ولم يذكر له معارفه والذين اقتربوا منه ما ينم عن دماثة خلق أو طيب معشر، بل كان يزيدهم نفوراً كلما حاولوا الاقتراب أكثر بسبب غلظة طباعه وميوله العدوانية. باختصار، افتقد الجزراوي الأواصر والعلاقات الطبيعية، مثلما فقد القاعدة الشعبية التي يفترض أن تكون ملازمة للقائد السياسي والحزبي برغم كل المناصب التي تبوأها، وطول المدة التي أمضاها في هذه المناصب.

ولأن العمل الحزبي السري القائم على حبك الدسائس والمؤامرات يحتاج إلى مثل هذه الشخصية الغامضة، فقد استطاع الجزراوي تسلق سلم حزب البعث الذي لم يكن عدد أعضائه قبل انقلاب تموز ١٩٦٨ يتجاوز عدد طلاب مدرسة ابتدائية، وليصبح أحد قادته الكبار. وعندما تسلم الحزب السلطة، كان الجزراوي قد ضمن عضويته في القيادة القطرية ومجلس قيادة الثورة. ولم يكتف الجزراوي بهذه المناصب، بل كان يتدخل ـ من خلال موقعه القيادي ـ في شؤون الوزارات الأخرى، حتى تسنى له استلام منصب وزير الصناعة. ولم تمض فترة قصيرة على استيزاره، حتى نشر كتاباً حول الإدارة الصناعية!
وحين كان يتوجه إلى الوزارة كانت ترافقه ثلة من الحرس مدجَّجة بالسلاح، ليضفي على نفسه هالة من الأهمية لا تقل عن الهالة التي يتمتع بها البكر وصدام. وعندما أُعلن عن اكتشاف مؤامرة عبد الغني الراوي، شكلت الحكومة محكمة خاصة أناطت رئاستها بالجزراوي. وقد أصدرت هذه المحكمة، خلال يومين فقط، أحكاماً بالإعدام على أكثر من أربعين شخصاً، ونُفذت الأحكام بإشرافه. وكان يتبجح كيف أنه نفذ الحكم بفلان وفلان، وكيف أن فلاناً بكى، وفلاناً توسَّل طالباً الرحمة والرأفة، وكيف أنه لم يبال بتلك التوسلات. شخصية غريبة، مريضة حتماً، لا يضحك أبداً، ولا يعرف روح النكتة أو معناها. كان مقرَّباً من البكر، وكان صدام يعرف نقاط ضعفه. كان يتصرف كالذئب في وزارته وفي علاقاته العامة. ولكنه ينقلب إلى حمل وديع عندما يخاطب صدام. عند عملي مستشاراً في مجلس قيادة الثورة، كنت مرتبطاً وظيفياً بصدام حسين، وكنت أطّلع على بعض الرسائل والمذكرات التي يرفعها الجزراوي إلى صدام. كانت مليئة بعبارات الضعف والخنوع، ومكتوبة بلغة عربية تفتقر إلى أبسط قواعد الإملاء، ناهيك بقواعد اللغة العربية نفسها".
وبعد اكمال الجزراوي اصدار أحكام الأعدام زاره جواد هاشم فقال
"كانت مفاجأتي أكبر وأعظم، عندما زرت رئيس المحكمة الخاصة التي أصدرت حكم الإعدام، وهو طه الجزراوي.
فقد وصف الجزراوي والابتسامة العريضة تغطي وجهه، كيف أن حسن قال لهم في التحقيق ما جرى بينه وبيني وعن تعاونه مع الأجهزة المختصة في نصب اللاقطات في داره للكشف عن المتآمرين، وكيف أن صدام أرسل إليه هدية بمأتي دينار.
واستطرد طه الجزراوي قائلاً: كل ذلك لم يشفع له عندنا. واستمر ضاحكاً وهو يوجه كلامه إلي قائلاً: احمدِ الله أننا لم نعتقلك أنت كذلك. وكان يبدو أنه فخور، بل مغتبط بما فعل. صحيح أن حسن الخفاف أعلمني بالتآمر، ولكن مع ذلك كانت هناك بعض الأمور تبعث على التساؤل: تُرى، هل كانت هنالك مؤامرة فعلاً، وبالحجم الذي أُعلن عنه، أم أنها كانت بداية لتصفيات، أو محاولة من تلك المحاولات التي كثيراً ما أقدمت عليها القيادة بهدف تخويف الشعب؟ وإذا كانت المؤامرة حقيقية وبهذه الخطورة، فلماذا التسرع في إصدار الأحكام وتنفيذها من دون إعلان تفاصيل المؤامرة على الشعب؟ وبعد يوم من إصدار تلك الأحكام، صرح طه الجزراوي، متلذذاً: لقد أكملت المهمة التي كلفني بها مجلس قيادة الثورة، وقد كانت القيادة تعلم بالمؤامرة قبل سنة من سحقها، لكنها فضلت الانتظار وجمع المعلومات والوثائق الثبوتية لتسهيل المحاكمة والإسراع بها حتى لا يكسب المتآمرون عطف الجماهير في حال تم القبض عليهم مبكراً. وكأني بالجزراوي كان يريد القول ضمناً، إن الجماهير كانت تنتظر بفارع الصبر نجاح المؤامرة، وربما كانت تنجح لولا إسراعه بتنفيذ أحكام الإعدام."
ساد الأعتقاد لعدة عقود أن المؤامرة كانت بمجملها من صناعة السلطة الى أن نشرت جريدة الحياة أجزاء من مفكرة عبد الرزاق النايف وعبد الغني الراوي ،وهما وان اقرا بصحة المؤامرة فقد كانت روايتهما للحدث متناقضة فقد ورد في مفكرة عبدالغني الراوي
"كانت خطة عبدالرزاق النايف ويسنده سعد صالح جبر بأنه يكفي أن نشتري ذمة العقيد الركن محمد علي سعيد (مدير الحركات العسكرية وقائد القوات المدرعة وقوات بغداد وعضو مجلس قيادة الثورة في الوقت نفسه)، ثم يجري الانقلاب داخل البعثيين لمصلحتنا. أما نحن فنركب الطائرة من طهران إلى بغداد، فإذا تفضلوا علينا باعطائنا مسؤولية أية وزارة، فهذا فضل منهم وإلا فالعودة إلى بيوتنا سالمين.ثانياً - وكان رأيي عكس ذلك تماماً حيث شرحت بالتفصيل بأن احتمال نجاح أي انقلاب ضد البعثيين لا يتجاوز ٥ في المئة، وبأن الخطة الأصح هي في ذهابنا إلى شمال العراق مع الثوار الأكراد والبارزانيين، ومن هناك نجري الاتصال بالضباط من أوامر الوحدات والتشكيلات بل وحتى الوحدات الفرعية (أمراء الفصائل والسرايا) ثم بتوقيت موحد نسيطر على القطاعات العسكرية في شمال العراق ووسطه وجنوبه، خصوصاً تلك القطعات القريبة من الحدود، ثم نزحف بها (وفقاً للخطة) إلى بغداد، وفي الوقت نفسه نشعل الثورة بالعشائر المحيطة ببغداد وجنوبها وشمالها، وفي الوقت ذاته تزحف فصائل الأنصار للثورة الكردية البارزانية وفقاً لخطة موحدة مع زحف قوات الجيش العراقي. وهذا لا يمنع من شراء ذمة محمد علي سعيد ليقوم بانقلاب داخل قيادة حكم "البعث" في بغداد، وأن يجري توقيت هذا الانقلاب ضمن الخطة العامة، حيث ان اعتماد الخطة هي على زحفنا بالقطعات العسكرية وفصائل الأنصار وبالعشائر، وسواء نجح محمد علي سعيد بانقلابه أم فشل، فإن زحفنا من الشمال والجنوب مع قيام الثورات للعشائر المحيطة ببغداد وفي الفرات الأسفل وفي الحويجة (كركوك) وفي الجزيرة (ما بين دجلة والفرات) هو الذي سيقرر نجاحنا في سحق حكام "البعث" والانتصار عليهم بإذن الله تعالى.لقد أيّد الشاه خطتي بعد مناقشة استمرت ساعتين وخمساً وعشرين دقيقة "
رغم ذلك يبدو أن الأيرانيين لم يصغوا له واختاروا الخطة التي كانت حسب الرواي خطة عبد الرزاق النايف فقد ذكر بعد اعلان السلطة كشف الموامرة أن "المسؤول الايراني الذي كان في بغداد (مستشار السفارة الايرانية ببغداد) زارنا واخبرنا بأنهم في ٧/١/١٩٧٠ سلّموا "الكافر" محمد علي سعيد (") الدفعة الاولى من رشوته (٢٥ ألف دينار) مع تسجيل صوتي لكيفية تسليمه المبلغ واتفاقهم معه على دفع القسط الثاني بعد قيامه بانقلابه المزعوم. وان الموشار اليه طلب من الايرانيين اسماء اخواننا وبعد مراجعته طهران اعطوه الاسماء بتاريخ ١٣/١/١٩٧٠ وذلك بعد ان اعطاهم خطته وموجزها ان يجمع كل ضباط صف الدروع في قاعة بحجة القائه محاضرة عليهم ثم يلقي القبض على الخطرين منهم ويستفيد الآخرون من تحريك القطاعات المدرعة وانه بحاجة الى جماعة مدنيين في الشوارع ليقفوا ضد المظاهرات البعثية التي قد تخرج الى الشوارع وان الخطة كان مؤملاً ان يشرع بتنفيذها يوم ١٧/١/١٩٧٠ ثم تأجلت الى يوم ١٩/١/ ١٩٧٠ .كما اخبرني عباس آزرمي بأن اسماء اخواننا في العراق كان قد ارسلها عبدالرزاق النايف من لندن برسالة منه الى احمد حسن البكر!!
اولاً. لقد عرف البعثيون معظم اسماء اخواننا عن طريق عبدالرزاق النايف وعن طريق المسؤول الايراني ولكن كيف عرفاها؟ لا يعرفها احد غيرى باستثناء طه جابر ولم يسألني احد عن اسمائهم ولا عن اي شيء طيلة مكوثي في ايران".
أما عبد الرازق النايف والذي ادعى الراوي أنه كان صاحب خطة التعاون مع محمد علي سعيد فيدون قصة مغايرة "في أوائل أيلول (سبتمبر) ١٩٦٩، اتصل بنا العقيد الركن محمد علي سعيد والذي كان يشغل منصب مدير الحركات في الجيش العراقي وهو من أقطاب البعث المحيطين بأحمد حسن البكر وطلب التعاون معنا وأبدى تذمره من حكم العصابات البعثي في بغداد وارسل خاله أو عمه، لا أذكر بالضبط، لمفاتحة أحد أعواننا في العراق ورتب ان يتم لقاء بيني وبينه في لندن لأنه سيغادر مع رئيس أركان الجيش في مهمة خاصة ومن هناك سيتركه لأجل المعالجة الطبية... ووضع كلمة سر أقولها أنا للملحق العسكري العراقي بالتليفون وهذا يعني أنا أريد التحدث معه وأحدد مكان اللقاء فكانت كلمة السر "أنا علاء أريد الأخ أبو علاء".طبعاً جهاز استخبارات عصابات البعث أعد في لندن كل التدابير اللازمة سواء لخطفي أو القتل في حال عدم نجاحهم في الخطف. وفعلاً وصلت لندن يوم ١٢ أيلول ١٩٦٩ لأقف على نية محمد علي سعيد... فوضعت خطة سريعة لاستطلاع الموقف. طلبت من ملحقنا العسكري العقيد الركن سعدون حلمي والذي كان من أعواني في هذا الوقت وحضر الى الفندق الذي أقيم فيه الساعة السابعة صباحاً واعطيته موجزاً عن اسلوب اتصال محمد علي سعيد. أوضحت له انني أشك في انه يريد التعاون الفعلي وربما هذه مؤامرة جديدة مسرحها لندن. ايدني فوراً وقال لي لا تقابل محمد علي سعيد مطلقاً والأفضل ان تعود الى شمال العراق لأن مدير الاستخبارات هنا وعدداً من اتباعه وعدداً آخر من اعضاء الحزب جميعهم حضروا لهذه المهمة.وكان قرارنا ان نترك الفندق فوراً، واستمر محمد علي سعيد مرابطاً في
غرفة العقيد الركن سعدون حلمي أياماً في انتظار التليفون لتنظيم الاجتماع واللقاء، ولكنه لم يجد نتيجة واستمريت اسأل سعدون حلمي عن الموقف فكان جوابه بالشفرة بيننا "الفخ منصوب والصيد غائب".
ويتهم عبد الرزاق النايف عبد الغني الرواي بأنه كان وراء تسليم السلطات العراقية أسماء الضباط المتعاونين معهم فقد "قال لمقربين منه ان الراوي ألح عليه لابلاغه اسماء مجموعة من ٤٣ ضابطاً كانوا على استعداد للمشاركة في المحاولة وقد أعدم ٤٠ منهم. لا أحد يستطيع، حتى الساعة على الأقل، الجزم بطريقة حصول السلطة على الاسماء.

اصدرت المحكمة الخاصة برئاسة طه الجزراوي وعضوية ناظم كزار وعلي رضا أحكام الأعدام يوم ٢١ كانون الثاني ١٩٧٠ ونُفذت في اليوم نفسه، وحُكم بإعدام ١٨ عسكرياً و ٤ مدنيين. وفي اليوم التالي أُعدم ٨ عسكريين و ٤ مدنيين. وهكذا بلغ مجموع الذين أُعدموا ٣٤ شخصاً، من ضمنهم اللواء رشيد مصلح التكريتي والعقيد مدحت الحاج سري.
لم يمثل أعدام حسن الخفاف "الخطأ الوحيد" في اعدام تلك المجموعة فقد اعدم أشخاص آخرين من دون معرفة لدورهم وان كان لهم أصلاً أي دور في المؤامرة , وهي نتيجة طبيعية لكون السلطة بدت وكأنها في سباق مع الزمن لاصدار وتنفيذ أحكام الأعدام.
فقد ذكر الحبوبي هذه القصة «انت الرائد الركن عبدالستار عبدالجبار العبودي؟»
فأجابه الضابط «نعم»
ثم سأله «ما دورك في المؤامرة»
الضابط «يا مؤامرة ويا دور الي بيهه.. يا جماعة آني ضابط قومي وحدوي» ثم اضاف «آني كان بودي لو كنت اعرف بالمؤامرة»
فأجابه الشاب باستنكار وبصوت عال «إشلون بودك تعرف المؤامرة»
فأجابه الضابط عبدالستار «نعم كان بودي اعرف بيهه حتى أبادر الى اعلام السلطات المسؤولة وفضحها.. ثم اية علاقة تربطني بجماعة مثل صالح السامرائي ورشيد الجنابي.. آني شاب قومي واشتركت بحركة عارف عبدالرزاق وبعد ثورة ١٧ تموز التقيت بالسيد الرئيس البكر بالقصر الجمهوري وليس بيننا شيء، وقد نقلني السيد الرئيس الى كركوك، وانا كنت هناك منذ عشرة ايام جيء بي الى بغداد وأودعت في سجن رقم ١ في معسكر الرشيد، وقبل ساعات قليلة جيء بي الى هنا ولا اعلم السبب فأية مؤامرة انا مشترك بيهه» كان يتكلم بثقة وثبات
فسأله الشاب «ولماذا جاءوا بك من كركوك ووضعوك بالسجن؟»
فأجابه عبدالستار «هاي قصة ثانية» اجابه الشاب
«نريد ان نعرفها. احكيها. انا مسؤول، ويجب ان تجيب على سؤالي؟»
كنا وجميع من في الغرفة نتابع هذا الحوار باهتمام حتى الحراس قد أنصتوا ايضا، اجاب عبدالستار «قصة اعتقالي في كركوك وجلبي الى هنا هو ان امراً ادارياً كان قد صدر من وزارة الدفاع وعمم على جميع الوحدات ومنها الوحدة التي كنت فيها، وقد علقت بخط يدي على الورقة التي تحمل هذا الامر بعبارة «هذا أمر سخيف»، ويبدو أن تعليقي هذا على أمر وزارة الدفاع قد بلغ أسماع المسؤولين في بغداد، وعندما جاء السيد صدام حسين إلى كركوك مقر وحدتي في طريقه لملاقاة الملا مصطفى البرزاني، سأل آمر الوحدة عن الضابط الذي علق على الأمر الوزاري بعبارة أمر سخيف، فجيء بي إليه فما كان منه إلا أن مد يده إلى كتفي ونزع الرتبة العسكرية وطلب من الآمر إيداعي التوقيف لحين عودته، وعندما عاد من الشمال اصطحبني معه إلى بغداد، وأودعت سجن رقم ١ منذ عشرة أيام كما أخبرتكم، والآن جاءوا بي إلى هنا.. وهذه كل الحكاية.. يا جماعة صدقوني والسيد صدام حسين موجود ويمكنكم أن تسألوه.. فلا مؤامرة ولا يحزنون».
انتهت رواية عبدالستار وكان يتكلم كما قلت بثقة واطمئنان حتى أن حديثه قد أثر في جميع السامعين بمن فيهم الحراس، حيث لاذوا بالصمت، وهنا بادره الشاب بسؤال استنكاري «وكيف تعلق على الأمر بكلمة سخيف ألا يعتبر هذا تحدياً لرؤسائك؟»
فأجابه عبدالستار «أعتذر عن هذا، واعترف أني أخطأت، ومستعد للمحاكمة على غلطتي هذه، أما المؤامرة فأعوذ بالله ومع من أتآمر؟ ولويش».
فأجابه الشاب وقد وضع ورقة فلسكاب بيضاء أمامه على المكتب مع قلم رصاص قائلا «اكتب» فسأله عبدالستار «ماذا أكتب؟» فقال له «اكتب عن دورك في المؤامرة القذرة»
فأجابه عبدالستار بضيق «مو حكيت لك الحكاية من أولها إلى آخرها»
فأجابه الشاب «أنا ما أعرف، اكتب عن كل الذي تريد تكتب عنه، هاي أوراق وهذا قلم اكتب ما تشاء»
ثم استدار خارجا من الغرفة وترك عبدالستار مع الأوراق والقلم في حيرة.. مرت لحظات صمت وأنا أرقب عبدالستار، مشفقا على حاله، وأخذ يحرك رأسه يمنة ويسرة ثم تناول القلم، وكتب سطرين ثم رمى القلم، والتفت فجأة نحوي، نظر إلي نظرة طويلة، وعميقة، بدا لي أنه يعرفني، وكأنه يستنجد طالبا المعونة لإيجاد مخرج له من هذه الورطة، ثم تمتم «ماذا أكتب؟»،
فابتسمت له مشجعا قائلا له بصوت خفيض «اكتب يا أخي قصتك كما هي واتكل على الله»،
ولم أزد، فأنا أعرف أني لا استطيع إنجاده أو مساعدته فمصيرنا واحد، فان كانت جريرته تعليقا على أمر إداري، فالله وحده يعلم ما هي جريرتي، عاد وانكب على الورق وراح يكتب ويكتب وملأ الورقة بوجهيها، وبعد ان فرغ وضع القلم بجانب الورق وأراح جسمه إلى الوراء مسندا ظهره إلى الكرسي، وأخذ نفسا عميقا وقال بصوت عال مسموع «يا رب» .
مرت ساعة على خروج الشاب من الغرفة، ونحن في صمت ننتظر المجهول، وعاد الشاب الى الغرفة، وتوجه الى عبدالستار وتناول الورقة، وعاد يقرأ فيها وبعدها سأله «هذا كل ما عندك؟»
فقال له عبدالستار: نعم
فقال له الشاب «وقع هنا» واشار له على الورقة، فوقع عبدالستار، فأخذ منه الورقة والقلم، وخرج من الغرفة، ومرت ربع ساعة تقريبا، واذا بنفس الشاب يقف بباب الغرفة ويؤشر بيده الى عبدالستار
قائلا له «تفضل»
فما كان من عبدالستار الا ان نهض والتقط سدارته من على المكتب، وخرج مسرعا وراء الشاب الذي سبقه، وغابا عن الانظار، وبعد لحظات دخل الغرفة شاب يحمل بيده ورقة صغيرة خمنت ان فيها اسماء وجبة جديدة واخذ الشاب يقرأ الاسماء وعيني معلقة بفمه، كأني اترقب سماع اسمي، وكان في القائمة اسم كل من الضابطين الطيارين انور الجميلي وصلاح الغبان، وكنت اعرفهما، قرأ سبعة او ثمانية اسماء ثم خرج من الغرفة، التفت الى ورائي حيث النافذة المطلة على ساحة الاعدامات اختلس النظر من خلال زجاجها لأتبين ما يجري فيها فقد سمعت جلبة وضوضاء تحت النافذة وبصعوبة رأيت بضعة افراد لا يتعدى عددهم الثمانية تحبط بهم مجموعة كبيرة من الشباب المسلح يسوقونهم سوقا الى الامام ويدفعونهم، حتى لا يتخلف احد او يتقاعس، منظر يشبه تماما منظر جزار يسوق قطيعا الى المذبح، فالمنظران متماثلان، والفرق ان هناك قطيعا من الغنم وهنا «قطيع من البشر»، هناك جزار غنم، وهنا جزار بشر، والمجزور هناك اغنام احل الله ذبحها والمجزور هنا انسان حرم الله دمه، سبعة او ثمانية اشخاص بأزياء مختلفة يسيرون داخل حلقة من الشباب المسلح بالرشاشات والمسدسات يدفعونهم الى الحديقة..
ولم اعد اتبين المنظر من شدة الظلام، ومرت لحظات لم اسمع فيها سوى دقات قلبي تضرب بعنف، وفجأة انطلق الرصاص زخات كأنها المطر، ورأيت شبحا يجري في الحديقة هنا وهناك، يقوم ويقع، كأنه هارب من نار، ولكن النار تلاحقه ويصرعه الرصاص الذي استمر يلعلع دقائق، ثم توقف، وبعد لحظات رأيت ثلاثة شبان يتقدمون نحو الحديقة وقد شهر كل منهم مسدسا ثم سمعت اطلاق رصاصات حسبتها رصاصات الرحمة تطلق على رأس الضحية وتخمد انفاسه، وجدت نفسي اتمتم بعبارة «لقد تحرروا من العذاب والالم وصعدت ارواحهم الى بارئها» اشحت بوجهي عن النافذة وعدت الى جو الغرفة واذا بصوت الراديو يعلن اسماء الوجبة التي جزرت قبل قليل يقول
«ان الحكم قد نفذ منذ قليل في مجرمين وهذا جزاء كل خائن متآمر والى مزبلة التاريخ» والى آخر المعزوفة واخذ المذيع يعدد اسماء الذين اعدموا وذكر اسم المرحوم الرائد الركن عبدالستار عبدالجبار العبودي، واذ بأحد الشباب المكلفين بحراستنا يقول وباستغراب «هذا هو الضابط اللي كان قاعد هنا؟»
اجابه راهي «اي اغاتي هو»
فما كان منه الا ان مط شفته السفلى وهز رأسه علامة الاستغراب والاستنكار وتفوه بكلمة «عجيب» .
كذلك لم يعرف دور راهي الحاج عبدالواحد سكر نجل عبدالواحد آل سكر أحد قادة ثورة العشرين في تلك المؤامرة . وربما أعدم " تخويفاً لكل القبائل والعشائر، وتذكيراً بالمصير نفسه" .سلمت جثة راهي العبدالواحد آل سكر بعد إعدامه صعقا بالتيار الكهربائي، مع التأكيد بعدم وجود أي رجل في تشييعه ودفنه، لذا تولت النساء من آل فتله وغيرها من العشائر تشييع جنازته فدخلت النجف مئات من النسوة متشحات بالسواد ويرتفع صراخهن إلى عنان السماء يحملن جثمان راهي وقمن بدفنه نيابة عن الرجال وحسب رغبة الحكومة وتهديدها".
وايضاً نظام الدين عارف ,لم يذكر بالضبط ماهو دوره والملفت للنظر عدم ذكر لأسمه في فصل خصص لذكر تلك المحاولة في كتاب برزان التكريتي " محاولات اغتيال صدام حسين". من الصعب معرفة صحة ما ذكره البيان الرسمي من أن الأجتماعات عقدت أيضاً في دار الدكتورة فاطمة الخرسان فهي وان حكم عليها بالسجن الموبد فقد أطلق سراحها بعد ١١ شهر لكون سجنها كان أيضاً خطأ كما ذكرت عائلتها للدكتور صاحب الحكيم واورده في كتابه " بلد المقابر الجماعية". لكنها اغتيلت في عيادتها في عام ١٩٧٢ واشاعت السلطة أن القاتل كان في حالة غضب فقتلها وانتحر في حين تعتقد عائلتها أن السلطة كانت وراء عملية الاغتيال.
أتهم البعثيون عبد الكريم قاسم بتصفية خصومه السياسيين واستهتاره بالقضاء واستخدامه المحاكم العسكرية كمنبرلاعلان الأحكام المقررة مسبقاً .
لكنهم في المحكمة الخاصة في قصر النهاية لم يكونوا أفضل منه , فتصرفوا وكأنهم ملكوا حق امتلاك كل السلطات واستخفوا بالقضاء وكان لهم حصة كبيرة في تأصل العنف في العقل السياسي العراقي.
وبفضل ثورييي ذلك الزمن تحولت ليالي العراق كتلك الليلة معبقة برائحة البارود والدم والموت.

الأحد، 8 أغسطس 2010

مقطع جديد من الأجتماع الاسثنائي

قمت بأضافة مقطع جديد من الأجتماع الأستثنائي الى الجزء الأول من "تدمير حزب البعث"...
لاحظ كيف يذكر الرئيس محيي بما يجب عليه قوله
"صدام... محيي..
محيي ....نعم
صدام... محيي ممكن التفاصيل مال الأسماء.. بالطريقة التحقيقة غلط طبعاً..لكن ردنا الجهاز الحزبي ..الكادر يطلع من هنا .. ميخطر في بال واحد يشوف هذا كادر هذا عضو قيادة معتقل تخطر في باله انو ربما الأمور على الشبهة ...فردنا يجيلكم شخص من بينهم يحجيلكوم ... يحجيلكوم التفاصيل بما في ذلك الأسماء اللي هي من الناحية التحقيقية أسلوب قاطع فاني أشوف نكتفي بهل الأسماء ..راح أكول بعد ذلك الأسماء الواردة في افادات الجميع .. المتفق عليها مرة واحدة.. وتحجي للرفاق اسلوبكم عاد التحقيقي اللي انتقل فكرتوه مثل ما كلت بافادتك وشلون وزعت الأدوار وشلون نوقشت الخطة الأنقلابية وشلون تستغل فترة التخلل هاذي اللي سميتوها بين ... لما بدا السيد الرئيس يطرحها بشكل ملح على موضوع تخليه عن المسوولية للاسباب اللي اعلنها في خطابه ..
محيي ... نعم
صدام ..وبين ... استلام صدام حسين لمركز القيادة الأول
محيي... نعم
صدام.. يعني أشرحها للاخوان ..
محيي... نعم....طبيعي .. بالمناسبة رفاق..تبين أنه يعني محمد عايش.. هاي ماعرفت الى في ما بعد ..يعني وره هذا الأجتماع بالضبط ..يعني أنه كان لمحمد عايش ... علاقة قديمة جداً بالاسد ...حتى علاقة شخصية من كان لاجى سياسي
في سوريا في اواخر ٦٥ ... فيعرفه معرفة شخصية ..
صمت محيي ثواني وهو بدا ينظر الى المنصة ..ثم استدار لجهة صدام قائلاً...
ف...نوقش وضع عبد الخالق مستقبلاً في حالة بعد معرفة .. امكانياتنا يعني الأعداد لانقلاب عسكري..شي يكون موقعه المجرم عبد الخالق..فصار الرأي على أساس يكون المجرم عبد الخالق السامرائي يكون أمين سر قطر رئيس الدولة ..ونائب الأمين العام وكان من ضمن الأمور اللي بحثت وياها أنه في حالة يعني ال...نجاح الأنقلاب العسكري تعلن الوحدة مع سورية ويكون الرئيس الأسد... الأسد يكون رئيس الدولة الاتحادية اللي راح يكون مقرها في بغداد ويكون عبد الخالق الأمين العام المساعد..وبعد أن جر محي حسرة صمت لعدة ثواني وهو ينظر الى الحاضرين قطع صمته صدام :نائب الأمين العام لو أمين عام مساعد
محيي يعني الشخص الثاني أبو عدي.. يعني نائب الأمين العام
صدام: الشخص الثاني في الدولة الاتحادية ورئيس القطر.
محيي: رئيس القطر صحيح..
ثم صمت محي وهو ينظر الى سقف القاعة..
محيي.. وطرح بالاجتماع يعني ما أذكر.. بس كانوامتحمسين بالشغلة المجرم محمد عايش وعدنان ومحمد محجوب وطرح أنه المجرم غانم عبد الجليل يكون نائب أمين سر القطر فالحقيقة يعني ما.. ما صار اعتراض
صدام ما صار اعتراض لو ما صار اتفاق ؟
محيي : لا يعني ما حد اعترض
صدام محد اعترض
محيي أي محد اعترض يعني
يعني من اطرح محد اعترض لانه صار اتفاق ويكون نائب أمين سر القطروصمت محي ثوان أخرى
صدام نعم رفيق
أحد الحضور وابو عدي وين لعد

وصدام ينظر اليه ويبتسم ابتسامة خفيفة ثم يقول وهو ينفض سيكاره
أبو عدي باقي بين صفوفكم
فرجت القاعة بالتصفيق
وينهض أحد الحضور هاتفاً: فليعيش حزب البعث العربي الأشتراكي يا!
الحضور: يعيش !
يا!
الحضور: يعيش !
ثم تصفيق
وتظهر الكاميرا صدام وهو يمسح وجه بمنديل ثم ينهض رفيق أخر ويهتف بصوت أقرب الى النحيب يعيش المناضل صدام حسين يا !

الحضور يعيش
وصدام يجر منديلاً أخر وسط هتافات أخرى من الرفاق..وتظهر الكاميرا طه ياسين رمضان وهو يخرج منديلاً من جيب سترته يمسح بها عينيه وطارق عزيز ينظر اليه وعلى وجهه نصف ابتسامة
وبعد تصفيق وهتفات أخرى بحياة الرئيس الجديد
قال صدام انتو حطيتوني بجو عاطفي ثورتكم أكبر من أن تقهر
تصفيق من الحضور

صدام.. أحلام المتامرين كثيرة ولكن ثقوا انو واحد منكم يقاتل بالتفكة مو بالرشاشة سنة من دون أن يسلم. فهذي أحلام ..لكن احنا نعرف شنوه حزب البعث العربي الأشتراكي ".