الأحد، 1 فبراير 2026

تسجيلات صدام حسين السرية ١٤... اجتماع مع وزراء بعد هروب حسين كامل..١

 


يعود تاريخ هذا التسجيل إلى آب ١٩٩٥، بعد أيام من هروب حسين كامل إلى الأردن. طلب الرئيس من الوزراء إبداء ملاحظاتهم بشأن هروب حسين كامل، وقال أنه ليس لديه مقدمة لأنه قد شرح ذلك في رسالته، ويقصد الرسالة التي نُشرت في وسائل الإعلام وكان عنوانها «لماذا يخون الخائنون».
ابتدأ وزير العدل شبيب المالكي حديثه بقوله إن هروب الخائن المرتد جنّبهم شرًّا كبيرًا، لكونه إنسانًا شريرًا، وإن الناس يتعاطفون مع الرئيس. وأن الخونة، يقصد المعارضة، يستخفّون بحسين كامل ودعوا إلى محاكمته. وخاطب الرئيس واصفًا إياه بأنه جبلٌ تتكسر عليه كل السهام، وأن حسين كامل سيأخذ جزاءه، وأن المسيرة ستستمر بقيادة الرئيس.
تلاه وزير المالية أحمد حسين، وذكر أنه يؤيد ما ذكره وزير العدل، وأنها ستكون فاتحة خير على العراق، ووصف حسين كامل بأنه دمبلة (قيح) على العراق ستزول. و أن العرب استنكروا موقف حسين كامل، وأن حسين كامل في الآونة الأخيرة صعّد من محاربته لكثير من الأشخاص، وقص حادثة أدت إلى محاربة حسين كامل له. واضاف أنه بعد هروب حسين كامل بدأ يفكر أن «جبل العراق»، ويقصد صدام، لن يثق بنا بعدها.
أما طارق عزيز، فقال إن ظاهرة حسين كامل لم تأخذ مداها لولا المجاملات من قبل بعض الحاضرين في الاجتماع، ووصف حسين كامل بأنه كان سوطًا لصدام حسين ضد من لا يجامل حسين كامل. وذكر أن التآمر حصل من أشخاص نالوا أكثر من استحقاقهم وأُعطوا صلاحيات استثنائية.
انقطع التسجيل أثناء كلام طارق عزيز، ليبدأ مرة أخرى بمتحدث آخر هو وزير النفط عامر محمد رشيد، الذي قال إن حسين كامل حاول نقله من القوات المسلحة إلى هيئة التصنيع العسكري لكنه لم ينجح، ثم التحق الفريق عامر بهيئة البحث والتطوير العسكري مع عدنان خير الله. وحسب تعبير الفريق عامر، تخبّل حسين كامل في النهاية، وبعد أن تحدث إلى الرئيس صدام ضغط على عدنان خير الله، فنُقل الفريق عامر مع حسين كامل، وعمل على احتواء سلبيات حسين كامل.
وذكر أن حسين كامل كانت لديه قابلية على إرهاب المقابلين وتحطيمهم نفسيًا، ومثالًا كان تحطيم حسين كامل نفسية سامال مجيد، وزير التخطيط، بعد أن وقف سامال ضد طلبٍ لحسين كامل، فتوعده حسين كامل بأنه سيحطمه نفسيًا. فقال للفريق عامر أن يصمم جسرًا يمرّ في بيت سامال، وأرسل شفلات تبدأ بالحفر. وذكر أن المهندسين حاولوا خداع سامال، الذي طلب اللقاء بهم لمحاولة تغيير موقع الجسر، بتوجيه من حسين كامل، وقال أن حسين كامل كان يشعر بأنه سلطة مطلقة.
كان ذلك ديدن حسين كامل، حسب الفريق عامر؛ يذلّ الشخص الذي يقف عقبة في طريقه ثم يُصعّده. واعتقد أن الانحراف حصل في نهاية عام ١٩٩٣، عندما تم تعيين حسين كامل وزيرًا للصناعة، في حين كان يشرف على ثلاث وزارات. وكان يطمح إلى أن يكون رئيسًا للوزراء، وكان يعمل على التنكيل ببقية الوزراء، وبعضهم كان يتملق له.
وأنه كان يتوقع أنه إن لم يحصل حسين كامل على منصب نائب رئيس الوزراء أو عضو قيادة، فسوف يثير ذلك مشكلة. وأن حسين كامل في نهاية ١٩٩٣ أو بداية ١٩٩٤ بدأ بالتفرد بالجانب المالي، وكان يطلب من وزارة التجارة معرفة عدد أسهم الشركات التي يمتلكها أقارب المسؤولين، وهي مهمة صعبة التنفيذ، وكان يستعملها للتنكيل بالأشخاص عند رفعها إلى الرئيس. ووصفه بأنه كان داهية في التنكيل بالأشخاص.
وفي بعض الأحيان كان يدعو الوزراء إلى احتفالات كي يسير امامهم لأنه لم يحصل على منصب نائب رئيس الوزراء، وفي أحيان أخرى لا يدعو بعضهم. وأن حسين كامل كان يكنّ عداءً لحامد يوسف حمادي عندما كان سكرتيرًا للرئيس. وذكر الفريق عامر أنه كان يعمل على تقليل شر حسين كامل وزيادة إيجابياته، في حين كان حسين كامل يعمل على تقليل تخصيصات وزارة الإعلام لكراهيته لحامد يوسف حمادي وزير الإعلام.
وذكر أن حسين كامل كان مقهورًا عندما عُيّن وزيرًا للصناعة، فبدأ الانحراف المالي وبناء البيوت والمضايف، فبنى مضيفًا بكلفة ١٥٨ مليون دينار لمنشأة الفاو، وبدأ بتقريب أشخاص اعتبرهم الفريق عامر تافهين، ووصف أحدهم بأنه قذر، وقد هرب قبل أسبوع من هروب حسين كامل بتوجيه منه. وذكر أن بعض الأشخاص ما زالوا يخشون حسين كامل حتى بعد هروبه.
قال صدام أنه بدأ يعرف بسوء تصرف حسين كامل قبل هروبه، وأشار إلى أنه قال ذلك في اجتماعات مجلس الوزراء، وأنه قال إن من يتجاوز التخصيصات المالية بنسبة ١٠٪ سيحاكمه أمام المجلس الوطني. وقال الفريق عامر أن حسين كامل بدأ يشعر بأن الطوق يضيق عليه بعد أن لمح صدام في الاجتماع الذي سبق هروبه إلى أن الأموال تصل من البنك المركزي إلى جهات معينة، وعلّق صدام بأن ذلك كان أحد أسباب هروب حسين كامل، ووصفه بأنه كان خبيثًا جدًا.
وذكر عامر أن حسين كامل قال: «لا يصح إلا الخطأ»، و أن حسين كامل أمر بسحب الأموال التي كانت في عمّان وفي المصارف العراقية قبل ١٥ آب، وهدد من لم ينفذ أو من يسرّب ذلك بالإعدام. وكانت الأموال تُخزَّن ليلًا في غرفة مكتب حسين كامل، وكان المبلغ تسعة ملايين دولار. وعلّق صدام بأن حسين كامل أخذ الأموال معه.
وقال عامر أن الرائد عز الدين، الذي هرب مع حسين كامل، كانت لديه شركات تبرعت لهيئة التصنيع بمبلغ ٢٥٠ ألف دولار، وأن حسين كامل بعد أشهر أمر ببيع السكائر بالدولار لشركة عز الدين بسعر أقل من سعر السوق، وأن احتكار السكائر من قبل شركة عز الدين أدى إلى ارتفاع أسعارها. وكانت الشركة تربح يوميًا ١٢٠ ألف دولار ربحًا صافيًا. وذكر أن بعض التجار عرضوا شراء السكائر بسعر أعلى، لكن حسين كامل كان يرفض ذلك.
وأضاف أن حسين كامل كانت له عشرات العلاقات غير الشرعية مع نساء، وأنه كان يحمل دفترًا في حقيبته يتضمن أسماء وأرقام هواتف نساء. وقال أيضًا إن حسين كامل اتصل ببعض الأشخاص للحصول على معلومات عن أسلحة الدمار الشامل.

الأحد، 11 يناير 2026

تسجيلات صدام حسين السرية.. ١٣: اجتماع بعد نجاح الثورة الأيرانية, تحدث عن ايران والثورة الأريترية




يعود تاريخ هذا التسجيل إلى ٢٠ شباط ١٩٧٩، وهو اجتماع النائب صدام حسين مع مجموعة من الدبلوماسيين. يبدأ التسجيل بصدام وهو يقول نحن قادرون « نكسر ضلوع من دون غرور وبحسابات علمية، ولكننا لن نسيء الى أي طرف يحترم سيادتنا وسياستنا إطلاقًا».
وذكر أن «ايران كانت تتخبط بدمائها لمدة سنة وكنا من الناحية العملية قادرين أن نثأر ل ١٦ الف شهيد وجريح من خلال هذا الوضع، بس لا يمكن لا يمكن» واعتبر أن الإيرانيين ارتكبوا خطأً، قاصدًا دعم الأكراد في الشمال، ثم قال إن هذا الخطأ «صُحِّح في اتفاقية آذار»، في إشارة إلى اتفاقية الجزائر، و«خلص» حسب تعبيره. كما أكد أنه لن يفضّل أي طرف إيراني على آخر، لأن ذلك شأن يخص الشعب الإيراني نفسه، وأنه لا ينظر بحساسية إلى أي طرف من الأطراف. وذكر أنه قلق من عدم استقرار إيران، وتوقع أن الوضع السياسي فيها سيحتاج إلى سنين من الصراع قبل الوصول إلى الاستقرار. وأضاف أن استقرار إيران ووحدتها يمثلان حالة إيجابية عندما تكون إيران غير معادية للأمة العربية، وإذا كانت حليفة لها فذلك يُعد كسبًا كبيرًا ومهمًا. ثم قال إن الخميني “ضال على خاطره”، يقصد أن الخميني كان، ولا يزال، مستاءً من طلب العراق منه مغادرة أراضيه بضغط من شاه إيران. وأضاف أن الخميني، لكبر سنه، سيتعامل مع المسألة بصورة شخصية، أما كيفية تصرفه فـ«يتركها له».وأن منهجنا يقوم على احترام من يتصرف في سياسته من دون إيذائنا، وإيذاء من يتصرف لإيذائنا، بغضّ النظر عن من يكون. ووجّه أحد الحاضرين سؤالًا عن احتمال أن تؤدي فوضى الوضع في إيران إلى ظهور بوادر اضطراب في كردستان الإيرانية، وما أثر ذلك على وضع كردستان العراق. فأجاب صدام بأن الوضع في إيران غير واضح، ويحتمل عشرات الاحتمالات، وأن القوى السياسية تبدو متساوية لعدم وجود شخصية دولة محل إجماع كقائد، مع إقراره بأن الخميني يحظى بأكبر تأييد جماهيري. وأضاف، استنادًا إلى تجاربه، أن رمز الصفحة الأولى قد يكون مختلفًا في الصفحات اللاحقة، معبرًا عن عدم تأكده من نجاح الخميني أو فشله في «بقية الصفحات»، في إشارة إلى مراحل الثورة. ورأى أن الأطراف السياسية الإيرانية تمتلك أهدافًا مختلفة قد تؤدي إلى انقسامها، وأن صبر الشعب الإيراني سينفد إذا لم تُلبَّ مطالبه بتحسين أوضاعه الاجتماعية. وأكد مجددًا قلقه من مآلات الوضع في إيران، مشددًا على أنه يريد إيران موحدة، مزدهرة، مستقرة، وغير معادية للعرب، لكنه غير واثق مما ستكون عليه مستقبلًا. وسأل شخص آخر عما إذا كانت هناك إيضاحات بشأن الثورة الإريترية والتواجد العسكري السوفيتي والكوبي في المنطقة. فأجاب صدام بأنه لا يتوقع انتصارًا حاسمًا للثورة الإريترية ولا انسحابًا كاملًا في المدى القصير، مشيرًا إلى أن المعادلات الدولية باتت متداخلة، وأن اهتمام السوفييت بإيران أكبر من اهتمامهم بإريتريا. وأضاف أنه يدعم الإريتريين بالسلاح والأموال، إضافة إلى الدعم السياسي. واستمر الاجتماع بعد ذلك في الحديث عن إريتريا. يبدو أن فكرة المواجهة مع إيران لم تكن قد نضجت وقت عقد ذلك الاجتماع، بسبب عدم وضوح المشهد الإيراني آنذاك. لكن بعد سبعة أشهر، وحسب ما ذكر صلاح عمر العلي في مقابلته مع غسان شربل في كتاب «صدام مرّ من هنا»، بعد أن التقى صدام والعلي بوزير خارجية إيران في أيلول ١٩٧٩ على هامش قمة عدم الانحياز في كوبا، واشار العلي الى أهمية الحل السلمي والمفاوضات واللقاءات، وأن الحرب ليست الطريق لحل المشكلات، قال صدام: «هذا الكلام عن حل سلمي وحل إنساني وتصفية المشاكل مع إيران لا أريد أن يتكرر على لسانك إطلاقًا. حضّر نفسك في الأمم المتحدة. اسمع ما أقوله لك: سأكسر رؤوس الإيرانيين وأُرجع كل شبر من المحمرة إلى شط العرب»

الخميس، 1 يناير 2026

تسجيلات صدام حسين السرية ١٢.. اجتماع مناقشة رسالة إتهام الامارات والكويت باضرار العراق

 

بمناسبة ١٧ تموز في عام ١٩٩٠ ألقى الرئيس صدام حسين خطاباً ورد فيه ما يشير الى أن هناك أزمة ما بين العراق ودول عربية لم يسميها ولوح في خطابه ما يمكن أن يفسر على أنه تهديد باستخدام القوة حيث ورد في خطابه " ‏إن العراقيين الذين اصابهم هذا الظلم المتعمد مؤمنون بما فيه الكفاية بحق الدفاع عن حقوقهم وعن النفس فإنهم لن ينسوا القول الماثور قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق.... وإذا ما عجز الكلام عن أن يقدم لأهله ما يحميهم فلابد من فعل مؤثر يعيد الأمور إلى مجاريها الطبيعية ويعود الحقوق المغتصبة إلى أهلها" بعد يوم من الخطاب اذيع رسميا في بغداد نص ‫ رسالة بعث بها وزير خارجية العراق طارق عزيز الى الأمين العام للجامعة العربية الشاذلي القليبي، اتضح منها من كان المقصود بالتهديد بـ«الفعل المؤثّر»، وتضمّنت ثلاثة اتهامات رئيسية:

الأولى - قضية الحدود وفي صددها قالت الرسالة أن حكومة الكويت استغلت انشغال العراق، كما استغلت مبادئه القومية الأصيلة، ونهجه النبيل في التعامل مع الأشقاء، وفي القضايا القومية، لكي تنفذ مخططاً في تصعيد وتيرة الزحف التدريجي،والمبرمج، باتجاه أرض العراق؛ فصارت تقيم المنشآت العسكرية والمخافر، والمنشآت النفطية، والمزارع، على أرض العراق. وقد سكتنا على كل ذلك، واكتفينا بالتلميح والإشارات، علّها تكفي، في إطار مفاهيم الأخوّة، التي كنا نعتقد، أن الجميع يؤمنون بها. لكن تلك الإجراءات، استمرت، بأساليب ماكرة، وإصرار يؤكد التعمد والتخطيط. الثانية- اشتركت حكومة الإمارات العربية المتحدة مع حكومة الكويت في "عملية مدبَّرة، لإغراق سوق النفط بمزيد من الإنتاج، خارج حصتهما المقررة في الأوبك، بمبررات واهية، لا تستند إلى أي أساس من المنطق أو العدالة أو الإنصاف، وبذرائع لم يشاركهما فيها أي من الأشقاء، من الدول المنتجة. وقد أدت هذه السياسة المدبَّرة، إلى تدهور أسعار النفط تدهوراً خطيراً. وإن تدهور الأسعار، في الفترة الواقعة بين ١٩٨١ ـ ١٩٩٠، أدى إلى خسارة الدول العربية بحدود ٥٠٠ مليار دولار، كانت حصة العراق منها ٨٩ مليار دولار". والثالثة كانت نصبت حكومة الكويت "منذ عام ١٩٨٠، وخاصة في ظروف الحرب، منشآت نفطية، على الجزء الجنوبي من حقل الرميلة العراقي، وصارت تسحب النفط منه. والاخطر مما ورد في نص الرسالة بانها اعتبرت مافعلته حكومتا الكويت والامارات عدوانا على العراق أما بالنسبة لحكومة الكويت، فإن اعتداءها على العراق، هو اعتداء مزدوج. فمن ناحية، تعتدي عليه، وعلى حقوقه، بالتجاوز على أراضينا وحقولنا النفطية، وسرقة ثروتنا الوطنية؛ وإن مثل هذا التصرف، هو بمثابة عدوان عسكري. ومن ناحية أخرى، تتعمد حكومة الكويت تحقيق انهيار في الاقتصاد العراقي، في هذه المرحلة، التي يتعرض فيها إلى التهديد الإمبريالي الصهيوني، الشرس، وهو عدوان لا يقلّ في تأثيره عن العدوان العسكري. هذا التسجيل يعود تأريخه الى ١٩٩٠/٧/١٤ ،نوقشت فيه تلك الرسالة .طلب صدام، بعد أن ذكر للمجتمعين رواية عن حادثة في تكريت اعتبر فيها حكمة ، مناقشة الرسالة الموجهة للجامعة العربية، وذكر الرئيس أن طارق عزيز سياخذ الرسالة الى الجامعة العربية ويوزع نسخها على الحضور. ثم ذكر صدام بعد ذلك سيقوم العراق بنشر الرسالة. اقترح طه محي الدين أرسالها الى مجلس التعاون العربي فرفض صدام ذلك قائلاً أنهم سيثنوننا عنها. ثم ذكر صدام أن هذه الرسالة ستنشر بعد خطابه في ١٧ تموز. طلب علي حسن المجيد عدم اثارة قضية اطفاء ديون العراق في الرسالة، وهو ما لم يؤيده لطيف نصيف جاسم. أما محمد حمزة الزبيدي فذكر أن يخشى أن تصر الكويت على موقفها وتضع حواجز مانعة للعراق ممثلة ببعض الدول العربية ، واقترح تهديد الكويت مباشرة، وان العراق يقول لهم أنه سيضربهم ويستولي على ابار النفط التي أتهم العراق الكويت باقامتها على الجزء الجنوبي من حقل الرميلة العراقي، و تسحب النفط منه. وبدلاً عن الرسالة اقترح الزبيدي أرسال مندوب مباشرة للكويت لتهديدها. فطلب منه صدام توضيح فكرته ، لان فكرة تهديد الكويت مباشرة مشابه للمذكرة ، فاجاب الزبيدي أنه يخشى أن تطلب الكويت من جيوش عربية أن تاتي للكويت. ثم طلب صدام من الزبيدي أن يوضح فكرته أكثر ، فاقترح أن يقوم العراق باجراء قبل الرسالة يتمثل باسترجاع الأراضي التي اعتبرها عراقية ويتوقف ثم يشرح موقفه لباقي الدول العربية. لم يوافق طه معروف على أقتراح الزبيدي لانه سيقود الى أدانة العراق دوليا وعربياً واعتباره معتدياً قبل نشر هذه الرسالة وضرورة اشراك الجامعة العربية واخبارها . وان الكويت بعد هذه الرسالة ستطلب التقرب من العراق لمصالحته. وقد أيد كل من عزت إبراهيم ومزبان خضر هادي إرسال الرسالة. بعد الأستماع الى هذا التسجيل يمكن الاستنتاج أن أعضاء في القيادة العراقية، أن لم يكن جميعهم من الذين حضروا هذا الأجتماع، والذي عقد ١٨ يوماً قبل الغزو، لم يكنوا على علم بنية الرئيس احتلال الكويت ، فمحمد حمزة الزبيدي اقترح احتلال أو استرجاع الأراضي العراقية والابار الحدودية، في حين أعتبر طه محيي الدين القيام بهكذا عمل، وهو عمل عسكري محدود، سيؤدي الى ادانة العراق دولياً وعربياً ورفض الفكرة ولم يؤيد أحد ممن تحدث فكرة الزبيدي باستخدام القوة. يبدو، في ضوء ذلك، أن الرئيس كتم نيته الحقيقية حتى عن أقرب مساعديه، فالحرس الجمهوري ، كما ورد في مذكرات رعد الحمداني، «حتى لا يغادرنا التاريخ»، بدأ تحركه في اليوم التالي، ١٩٩٠/٧/١٥ باتجاه الكويت. كما يذكر الحمداني أنه استُدعي في ١٩ تموز، أي بعد خمسة أيام، قائلاً: ‏"حال دخولي على القائد في دائرته المتنقلة (كرفان)، وجدتُ مصحفًا موضوعًا على طاولته بشكل بارز، على غير العادة. وبعد حديث قصير عن عمليات إكمال التحشد، طلب مني أن أقف للقسم على كتمان مشروع يحمل الرقم ١٧، ويتعلق بتحرير الكويت!" هذه الفترة القصيرة ما بين هذا الأجتماع، وتحرك الحرس، ثم إبلاغ قادة الحرس بنية احتلال الكويت، يعزّز استنتاج إن الرئيس أخفى نياته الحقيقية تجاه الكويت حتى عن أقرب مساعديه.

الخميس، 25 ديسمبر 2025

تسجيلات صدام حسين السرية ١١ . اجتماع مع القيادة القومية بعد حركة ناظم كزار

 



يعود تاريخ هذا التسجيل إلى عام ١٩٧٣، وقد عُقد بعد فترة قصيرة من حركة ناظم كزار ضد النظام. وهو اجتماع جمع النائب صدام حسين مع القيادة القومية، وقد ورد خلاله ذكر اسمين هما شبلي العيسمي وعلي غنام.

يبدأ التسجيل بصوت النائب صدام حسين، وقد بدا منفعلاً، إذ استعرض عددًا من الأحداث التي عدّها انتصارات لـ«الثورة» ضد الاستعمار، واعتبر حركة ناظم كزار طعنة غادرة من الخلف استهدفت «الثورة» والحزب، ثم أعلن أنه سيجيب عن الأسئلة من دون رتوش. في بداية التسجيل، حمّل صدام حسين ناظم كزار مسؤولية عدد من الحوادث التي وقعت في السبعينات، من بينها: تفجيرات في المنطقة الشمالية، إرسال أسلحة إلى باكستان، حيث قامت السلطات هناك باقتحام السفارة العراقية ومصادرة الأسلحة، محاولة اغتيال مجموعة من المعارضين في القاهرة عبر إرسال ٢٩ عنصرًا من الأمن، ألقت السلطات المصرية القبض عليهم، قتل عدد من اليهود، اختفاء بعض الأشخاص من قبائل الكاكائية في خانقين. وذكر صدام أن أجهزة أمنية أخرى تشير إلى أن ناظم كزار هو من نفّذ تلك الأعمال. وللمرة الأولى، أقرّ مسؤول في الدولة، ممثلًا بصدام حسين، بأن جهة حكومية، هي جهاز الأمن، قامت بقتل يهود من دون توجيه تهمة محددة لهم. وأُرجّح أن حالات اختفاء يهود في السبعينات، الذين لم تعرف عائلاتهم مصيرهم، مثل المحامي يعقوب عبد العزيز، كانت نتيجة تصفيات نفّذها جهاز الأمن. وأضاف النائب أنه، ورغم كل هذه الحوادث، لم يُتخذ قرار بإقصاء ناظم كزار من منصبه، وهو ما اعتبره الدافع الأساسي لقيامه بحركته. التسجيل طويل (نحو ساعة ونصف)، ولتسهيل الأمر على المستمع، فإن ما ذكره نائب مجلس قيادة الثورة عن حادثة ناظم كزار يتطابق تقريبًا مع ما ورد في البيان الرسمي الصادر آنذاك، والذي شرح تفاصيل تلك الحركة. وباختصار، قال صدام حسين إن ناظم كزار استدرج كلاً من: سعدون غيدان (وزير الداخلية آنذاك)، حماد شهاب (وزير الدفاع)، عدنان شريف ( قائد الحرس الجمهوري)، إلى مقرّ كان خاضعًا لسيطرة مدير الأمن العام ناظم كزار. كما أرسل مجموعة أمنية لاغتيال الرئيس أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين، اللذين كانا متوجهين إلى المطار مع عدد من الوزراء لاستقبال الرئيس عند عودته من بلغاريا، إلا أن تأخر طائرة الرئيس حال دون تنفيذ العملية. وذكر صدام أنه بعد اكتشاف اختفاء وزيري الداخلية والدفاع وعدنان شريف، تم إصدار برقية بإلقاء القبض على ناظم كزار، وأخرى تطالب الحزب بالنزول إلى الشارع، إضافة إلى تبليغ القطعات العسكرية ببرقية منفصلة. وحسب ما ورد على لسان صدام حسين والناطق الرسمي، فإن محمد فاضل كان على علم بالحادث، وقد أخبر عبد الخالق السامرائي بذلك. ووفق الروايتين، كان محمد فاضل مشتركًا في التخطيط مع ناظم كزار ويعلم بكامل تفاصيل العملية، في حين علم عبد الخالق السامرائي بها عند وقوعها لكنه لم يبلغ القيادة. ومن هنا، يُخيَّل لي أن صدام حسين هو من كتب البيان الرسمي، نظرًا للتطابق التام بين الروايتين. وبرّر صدام حسين قيام ناظم كزار بالعملية بشعوره بأنه سيفقد منصبه. كما ذكر أن ما سُمّي بـ«اللجنة التحقيقية الثانية» التابعة للأمن ضمّت شعبة أسسها ناظم كزار، جلب لها أشخاصًا من الشقاوات وأصحاب السوابق، من بينهم شخص كان متعاونًا مع لجنة عمار علوش التي قامت بتعذيب الشيوعيين عام ١٩٦٣. لا يكشف هذا الشريط شيئًا جديدًا عن حركة ناظم كزار، كونه تسجيلًا لاجتماع مع القيادة القومية، ومن غير المتوقع أن يفصح فيه صدام حسين عمّا قد يسيء إليه. توجد رأيان في تفسير تلك الحادثة: الأول، أنها كانت بالفعل من تخطيط ناظم كزار. والثاني، عبّر عنه كل من تايه عبد الكريم وطالب الحمداني في لقائهما مع الدكتور حميد عبد الله، حيث حملا صدام حسين ‏مسؤولية حركة ناظم كزار . ذكر تايه عبد الكريم أنه بعد إلقاء القبض على ناظم كزار وجلبه إلى القصر الجمهوري، قال الرئيس أحمد حسن البكر للحرس: «خذوه إلى عمه»، في إشارة إلى صدام حسين، واعتبر ذلك دليلاً على أن البكر كان يشك في وقوف صدام خلف العملية. كما ذكر طالب الحمداني أنه قبل أيام من الحادثة، حضر كل من ناظم كزار ومحمد فاضل وصدام حسين إلى ديالى، ما جعله يشك في تعاونهم معًا لتنفيذ العملية. وبرأيهم، كان هناك صراع على السلطة والنفوذ بين أحمد حسن البكر وصدام حسين، وأن صدام حاول التخلص من البكر، لكن العملية فشلت. للأسف، لا يجيب الشريط عن هذا السؤال الحاسم، لأنه تسجيل لاجتماع القيادة القومية، ولم يفصح فيه صدام حسين عمّا قد يثير الشك حوله. لكن أهمية هذا الشريط تكمن في نقطتين أساسيتين: أولًا: تحريض صدام حسين القيادة القومية على اتخاذ قرار ضد عبد الخالق السامرائي، ويبدو أنه كان يحمل ضغينة شديدة تجاهه. فقد وصفه بأنه «فيلسوف التعبئة» والشخص الذي قاد عملية الشحن الأيديولوجي لأشهر طويلة، ثم انتقده لعدم حضوره الاجتماعات. وقال صدام إن عبد الخالق ارتكب «جريمة قانونية وحزبية» تستوجب الإعدام قبل الجندي وقبل ضابط الصف وقبل عنصر الأمن الصغير الذي شارك في العملية، ليس فقط لعدم تبليغه عن ناظم كزار، بل لأنه كان يجب أن يقمع التآمر. كما انتقد تخفيف الحكم الصادر بحقه، ثم عاد بعد دقائق ليحمّل القيادتين القطرية والقومية مسؤولية عدم محاسبته وعدم فصله من الحزب.وقال أن عبد الخالق كان يمارس عملاً تخريبياً داخل الحزب. وأعتقد أنه لولا تدخل بعض أعضاء القيادة القومية، لكان صدام حسين قد أمر بإعدام عبد الخالق السامرائي في تلك الحادثة، لكنه اكتفى بسجنه، إلى أن أُعيد فتح ملفه لاحقًا، ليُعدم بعد اتهامه بالعمل مع مجموعة عدنان الحمداني عام ١٩٧٩. ثانيًا: يكشف التسجيل أن ناظم كزار قام بتسجيل صور في أوضاع خاصة وغير أخلاقية، لا لأشخاص غير عراقيين فقط، بل شملت أيضًا أعضاء في مديرية الأمن وكبار موظفي الدولة والقوات المسلحة، وادعى صدام حسين أنه فوجئ بذلك. ويؤكد هذا الاعتراف أن أسلوب تسجيل وابتزاز الشخصيات داخل الدولة العراقية كان قد بدأ في تلك الفترة واستمر بعدها، وهو ما أشار إليه كثيرون لاحقًا.

الاثنين، 22 ديسمبر 2025

حرق نفط وتايرات قديمة وبعرور أباعر لمواجهة طائرات الشبح وصواريخ كروز, تحضيرات المواجهة في أم المعارك

 


هذا مقطع من تسجيل الاجتماع المشترك لمجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية، المنعقد بتاريخ ٣٠ تشرين الثاني ١٩٩٠، وهو الاجتماع الذي صدر في ختامه بيان نُشر في جريدة الجمهورية بتاريخ ١ كانون الأول ١٩٩٠، وجاء فيه:

«إن القرار الذي صدر عن مجلس الأمن يوم الخميس التاسع والعشرين من تشرين الثاني هو قرار غير شرعي وباطل؛ إنه قرار أمريكي أولاً وأخيراً، ولم تشارك فيه مجموعة من الدول إلا تحت الضغط الأمريكي، في مرحلة تمارس فيها الولايات المتحدة أعلى درجات الهيمنة والغطرسة على المجتمع الدولي بعد التطورات الأخيرة في الوضع الدولي. إن الله مع العراقيين المؤمنين النشامى، ومعهم أمتهم العربية، ومعهم المسلمون من كل أصقاع الأرض، وكل الخيرين من محبي السلام والعدالة في العالم. وإذا ما ركب الأشرار رؤوسهم واتجهوا إلى العدوان، فإن هذا الجمع الخيّر في أرض العرب وفي أنحاء عديدة من العالم سيبرهن، إن شاء الله، أن الحق والعدالة والسلام هي التي سترتفع في هذه المنطقة وفي العالم كله. وستنتكس راية الإدارة الأمريكية وجمع الأشرار من خدمها وحلفائها الملطخة بالجريمة والعار، وسيُسحق في لظى المعركة الأقزام، وخاصة نظام فهد الخائن الذي جعل أرض المقدسات التي يتحكم بها منطلقًا للعدوان على العراق. وإذا كان المجرمون القابعون في دهاليز البيت الأبيض والبنتاغون يحسبون المنازلة على أساس الحسابات الفنية النظرية، فإن العراق والعراقيين، ومعهم كل العرب والمسلمين، سيقلبون تلك الحسابات الخائبة رأسًا على عقب، وسيثبتون في ساحة المنازلة أن الحق ينتصر على الباطل، وأن الإيمان يغلب الكفر، وأن الشرف يفوز على العار والفساد، وأن الله مع المؤمنين. والله أكبر… ما أعلى شرف الجهاد في سبيل الله وفي سبيل الحق والكرامة. والله أكبر، وسيخيب جمع الأشرار، وينتصر جمع الإيمان والحق». وفي افتتاحية جريدة الجمهورية في ذلك اليوم ورد ما يلي: «ولّى زمن الضعف والتردد بانبثاق قوة العراق، المسيَّجة بإيمان العرب والمسلمين والأحرار ومساندتهم، وهي القوة العصرية المتطورة ذات الخبرات العميقة في مواجهة أي نوع من التحدي يُفرض عليها، معتمدة قبل كل شيء على مشروعية القضية التي تنهض من أجلها، وأحقية الموقف الذي اختارته، ونبل القيم التي تدافع عنها. ولذلك فإن من يناطح العراق يختار أن يهشم جمجمته بنفسه، وسيعرف الذين يلوحون بالتهديد والوعيد أن الهزيمة التي ستلحق بهم ستكون بحجم التحدي الذي فرضوه، وبحجم قوة من ينتفض ضد الظلم والجور والاستعلاء. وستتناثر في سماوات العرب وبحارهم وأراضيهم جماجم كل من يتورط في العدوان على العراق، وسينزل القصاص بأولئك الذين مهدوا للعدوان وروّجوا له وشجعوا عليه وقدموا الأغطية له». إن الاستماع إلى ذلك الاجتماع المغلق بعد خمسةٍ وثلاثين عامًا يترك المستمع أسير مزيج من الدهشة والضحك المرّ والحزن والغضب، حين يتبيّن أن «خطة» مواجهة طائرات الشبح وصواريخ كروز الأمريكية لم تتجاوز حرق النفط، وإشعال الإطارات القديمة، وبعرور الأباعر؛ وهي وسائل لا تبدو، وفق أي منطق عسكري أو واقعي، قادرة على تحقيق ما وعدت به لغة البيانات والافتتاحيات من تهشيمٍ للجماجم وتناثرها في سماوات العرب.