بعد ذلك، يسأل الرئيس عبد المجيد عن أخبار الرفاق في لبنان، ثم يعاتبه مرة أخرى، قائلًا إنه من الأصول أن يكون لديه علم إذا كان عبد المجيد أو غيره من أعضاء القيادة مسافرين، وذلك عبر قيام مدير مكتب الأمانة بإبلاغ اللواء عبد حمود بسفر أي عضو، ليكون الرئيس على اطلاع بتحركاتهم.
ثم يوجّه الرئيس حديثه لبقية الحاضرين، سائلًا إن كانت لديهم استفسارات حول “العملية الخيانية الأخيرة”، في إشارة إلى هروب حسين كامل. فيجيبه عبد المجيد: “يا جبل ما تهزك ريح”، مضيفًا أن القضية مزعجة ومقرفة. ويعلّق عزة بأنها فعلًا مقرفة، لكن يجب الفرح لأن الله أنجى الرئيس منهم، ويدعو إلى شكر الله وتهيئة الشعب والحزب لذلك.
ثم يتحدث أحمد شوتري من الجزائر، معبرًا عن استغرابه من وقوع الحدث في العراق دون غيره من الأنظمة، ويجيب بأن السبب هو أن الثورة في العراق تصطدم يوميًا بالأعداء في الداخل والخارج، وبالتالي فإن سقوط بعض الأشخاص أمر متوقع في الثورات. ووصف حسين كامل بأنه “خائن البيت”، وأضاف أنه لاحظ أن الناس مرتاحة رغم الألم.
وكرر أعضاء آخرون أن أهم شيء هو سلامة الرئيس لضمان استمرار المسيرة. ثم تساءل صدام: لماذا يحدث هذا في نظامنا؟ وأجاب بنفسه بأن نظامه لا يساوم على المبادئ، لذلك تظهر “هذه الفقاعات السرطانية”، على حد تعبيره.
وقارن ذلك بحركة ناظم كزار، وبما اعتبره خيانة خمسة من أعضاء القيادة عام ١٩٧٩، معتبرًا أن حركة ناظم كزار كانت نتيجة لتأميم النفط ومشاركة العراق في حرب ١٩٧٣، بينما ظهرت خيانة ١٩٧٩ بسبب التحول في حالة الاقتدار، تعبيرًا عن التمسك بالمبادئ، وأن من يقود المسيرة من الثوار لا يساوم عليها.
أما بخصوص حسين كامل، فقال إنه لو كان يعلم بوجود مساومة على القضايا المبدئية لما “انفجر”، ولو كان يدرك أنه سيصبح رئيس وزراء ثم رئيس دولة بتمهيد من صدام، لما قام بما فعل.
وذكر أن أحد السكرتيرين أشار إلى أن من أسباب استعجال حسين كامل في “الانفجار” أنه لم يحصل على عضوية القيادة في حزب البعث، وأن الرئيس لم يخبره بوجود مؤتمر. كما ذكر الرئيس أنه خلال اجتماع لمجلس الوزراء شدد على احترام القانون، وأن أي زيادة في الميزانية تتجاوز ١٠٪ ستؤدي إلى إحالة الوزير إلى المجلس الوطني للمحاسبة، وأن موارد الشركة يجب أن تذهب إلى البنك المركزي.
وأضاف أنه قال ذلك دون علمه بأن حسين كامل كان قد سحب أموالًا وكان ينوي الهرب، لكن حسين كامل ظن أن الرئيس علم بالأمر، فتوقف عن السحب وهرب.
وفي محاولة للتخفيف، قال الرئيس إن جميع الأنظمة العربية لديها أشخاص مثل حسين كامل أو أسوأ، لكنهم لا يظهرون بسبب وجود مهادنة للانحراف.
كما ذكر أنه يرى أنه من الأفضل ألا يكون أقاربه في السلطة، وإن اضطر لذلك فيجب أن يكون لفترة محددة، وأن حسين كامل ظن أن هذه التصريحات موجهة إليه.
وأشار صدام إلى اعتقاده بأن حسين كامل نسّق مع الملك حسين قبل هروبه، وأن الأمريكيين شجعوه على ذلك، وهو ما أيده طارق عزيز.
وخلاصة الأمر، بحسب الطرح في الاجتماع، أن حسين كامل أدرك أن العراق مقبل على مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة بسبب رفضه عمليات التفتيش، فقرر الهرب. وقبل هروبه أجرى اتصالات مع الأمريكيين والإسرائيليين، وطلب معلومات من حسام محمد أمين ودكتور مهدي حول الأسلحة. ورُجّح أنه بدأ التحضير في حزيران أو تموز.
كما ذُكر أنه أوهم بنات الرئيس بوجود ضربة قادمة على العراق عندما رافقنه في الهروب. وأشار طارق عزيز إلى أن هروب حسين كامل كان يجب أن يتم قبل نهاية شهر آب لتسليم المعلومات للأمريكيين.
ومن الأدلة التي ذُكرت أن الملك حسين اتصل بالرئيس كلينتون في نفس ليلة وصول حسين كامل. كما أعلن حسين كامل في مؤتمره الصحفي أنه يعمل ضد النظام، وكان يحرض على المواجهة مع الولايات المتحدة.
ومن بين التصورات التي طرحها طارق عزيز احتمال دخول قوات برية عبر الأردن بقيادة حسين كامل، وأن ذلك كان مخططًا له منذ فترة. وأضاف أن الولايات المتحدة تفضل تغيير النظام من الداخل، وتحديدًا من تكريت. نفت ابنة الرئيس، رغد، ما رواه الرئيس في هذا التسجيل، وأكدت أن حسين كامل لم يخدعهم، بل صارحها بنيته الهروب، وذكرت أنها وافقت على الخروج معه لتجنب وقوع مذبحة داخل العائلة. والمفارقة أن المذبحة حدثت لاحقًا بعد عودة حسين كامل.
وما يلفت الانتباه في هذا التسجيل هو عقلية المؤامرة التي كانت طاغية على تفكير النظام، إلى حد اتهام صهر الرئيس بالتعاون مع الأمريكيين والإسرائيليين قبل خروجه. ورغم ذلك الادعاء، أرى أن ما أشار إليه الرئيس في هذا التسجيل، كما ورد أيضًا في تسجيل اجتماعه مع الوزراء، هو أن سبب خروج حسين كامل يعود إلى عدم حصوله على منصب أعلى، كمنصب رئيس وزراء وعضو في القيادة القطرية، وأن تحجيم طموحه ودوره في السلطة كان السبب الذي أدى إلى انقلابه على الرئيس.