الثلاثاء، 10 فبراير 2026

تسجيلات صدام حسين السرية ١٥... اجتماع مع وزراء بعد هروب حسين كامل..٢



هذا هو الجزء الثاني من اجتماع صدام حسين مع الوزراء بعد هروب حسين كامل، ويعود تاريخ هذا التسجيل إلى آب ١٩٩٥، أي بعد أيام من فرار حسين كامل إلى الأردن. في مستهل هذا الجزء، شكر الرئيس الوزراء على تحمّلهم حسين كامل، رغم مساوئه، بسبب صلته العائلية به.

وبحسب قوله، كان حسين كامل يطمح إلى الحصول على منصب رئاسة الوزراء تمهيدًا للوصول إلى كامل السلطة، أي منصب الرئاسة. وذكر أنه تعمّد عدم تعيين حسين كامل نائبًا لرئيس الوزراء، لمنعه من الوصول إلى المنصب الذي كان يطمح إليه، وهو رئاسة الوزراء. وأضاف أن حسين كامل، وكان صدام حسين يتحدث عن نفسه بصيغة الغائب، شعر بأن الرئيس أصبح قريبًا من فهم انحرافه واستغلاله، فاختار الهروب، لأنه أدرك أنه لن يحصل على ما يطمح إليه، ولن يترقّى إلى أكثر من منصب وزير. واعتبره مريضًا بالجاه والسلطة، ما أدى إلى انحرافه.

وأشار إلى أنه سبق أن شرح لحسين كامل، عند تقديمه استقالته عام ١٩٩٢، أنه مريض، موضحًا أن مرضه هو «مرض بعنوان صدام حسين»، أي طموحه للوصول إلى منصب الرئاسة. وقال إنه حذّره حينها بقوله: «أنبهك أن هذا خطير، خطير عليك، وخطير أن تتصور مثل هذا التصور». وبرّر هذا التحذير بأن حزب البعث لا يؤمن بالنظام الملكي، وأن صدام حسين يؤمن بالنظام الجمهوري. كما ذكر أنه قبل استقالة حسين كامل من وزارة الدفاع في ذلك الوقت التزامًا بمبدأ سار عليه، كما حصل مع أشقائه عندما قدّموا استقالاتهم. وأضاف أن أغلب أقربائه أصبحوا في مواقع السلطة بعد ما وصفه بـ«صفحة الغدر والخيانة»، لأنهم «جرّدوا سيوفهم» حسب تعبيره. كذلك أشار إلى أنه لم يسمح بصعود حسين كامل إلى قيادة قُطر العراق في المؤتمر الأخير لحزب البعث، الأمر الذي أصاب حسين كامل بخيبة أمل كبيرة. وأوضح صدام أنه أصبح واضحًا لحسين كامل أن الطريق إلى منصب أعلى بات مسدودًا، ولا سيما بعد أن تولّى صدام منصب رئاسة الوزراء. وذكر أن أقرباءه، إذا مُنحوا أكثر من استحقاقهم، سيتآمرون، لأنهم سيسعون للتمتع بما يملكون من أموال، ثم يعملون على التخلص من الرئيس. ولهذا السبب دعا وزراءه إلى عدم منح أي امتيازات غير قانونية لأقربائه أو للموظفين العاملين معه، وخاطبهم قائلاً: «إذا أردتم ألّا يتكرر الانحراف، فلا تعطوا أحدًا أكثر من استحقاقه». وتحدث طارق عزيز موضحًا أن حسين كامل لم يكن يمثّل الرئيس في كل شيء، ولم يكن له دور في اختيار الوزراء أو إعفائهم من مناصبهم. فعقّب الرئيس بأن قرار تعيين الوزراء أو إعفائهم هو قرار يختص به وحده. وتساءل وزير التعليم العالي، همام عبد الخالق، عمّا إذا كانت العملية الجراحية التي أُجريت لحسين كامل لاستئصال ورم من دماغه قد أثّرت في قدراته الذهنية وطريقة تفكيره. وذكر أن قريبًا له مرّ بحالة مشابهة، وتغيّرت طباعه بعد نمو الورم، وأن الطبيب المعالج، عبد الهادي الخليلي، أخبره بأن السلوك المتغيّر سيستمر حتى بعد إجراء العملية. واقترح الوزير على الرئيس الاستفسار من الأطباء عن الحالة الصحية لحسين كامل. وأضاف همام أن حسين كامل كان يناصبه العداء دون سبب واضح، ولا يجد تفسيرًا لذلك سوى تأثير الورم، كما عبّر عن اعتقاده بأن حسين كامل قد يُقدم على الانتحار. وأيّد وزير الصحة، الدكتور أوميد مدحت ، ما ذكره وزير التعليم العالي، موضحًا أن هذه حالة معروفة طبيًا، إذ إن الأورام الدماغية في الفص الأمامي تؤثر في الذاكرة والأخلاق والطباع. وأشار إلى أنه لاحظ أن تصرفات حسين كامل ومناوشاته كانت غير اعتيادية إلى حد مخيف، وكان يرتجف بطريقة غير مألوفة. وأضاف أن ما حدث لاحقًا كان نتيجة مباشرة لورم الدماغ. وذكر أن أحد أطباء الأردن قدّم له تفاصيل كاملة عن عملية حسين كامل، وأن الطبيب الأجنبي الذي أجرى العملية ركّز جهده على استئصال الورم، الذي لم يكن خبيثًا، إلا أن موقعه كان حساسًا لارتباطه بالبصر والسلوك والطباع. وبعد العملية، أُصيب حسين كامل أحيانًا بحالات اكتئاب، ما دفعه إلى سؤال الطبيب الأردني عن دلالة ذلك، فأجابه بأن هذه الحالة قد تستمر حتى لو كان حجم الورم صغيرًا، وأن نوبات الصرع التي أصيب بها تستوجب تناول الدواء مدى الحياة، وأن الاكتئاب أو نوبات الهوس قد تكون من أوائل الأعراض. وذكر أوميد أن حسين كامل حاول تغيير نظام شراء وتوزيع الأدوية بشكل لافت، إذ اقترح إضافتها إلى البطاقة التموينية وبيعها للمواطنين بصورة مستمرة، لكن هذه الفكرة قوبلت بالرفض. وأشار إلى أن حسين كامل كرر المحاولة قبل أسبوعين من هروبه، كما سعى إلى رفع أسعار الأدوية. ما يلفت الانتباه في هذا التسجيل هو قول الرئيس إنه شعر بأن طموح حسين كامل لم يقتصر على رئاسة الوزراء، بل امتد إلى السيطرة على السلطة، وهو ما يفسر تحذيره له بقوله: «أنبهك أن هذا خطير، خطير عليك، وخطير أن تتصور مثل هذا التصور». فقد كان صدام يعتبر مجرد الحلم بالرئاسة نوعًا من المرض. كما أن العقلية التآمرية لصدام لم تكن لتسمح لأي شخص بالاقتراب من منصب الرئاسة أو السير على الخطى نفسها التي سار عليها هو عندما كان نائبًا والرجل الثاني في الدولة. ففي عهده، لم يُسمح بوجود «رجل ثانٍ» حقيقي، وكانت المسافة بين الرئيس ومن يليه، حتى لو حمل منصب النائب، مسافة واسعة، ولم يُتح لأحد امتلاك قوة قد تمكّنه من الإطاحة به. ويبدو أن هذا هو السبب الذي دفع صدام حسين إلى تقليص دور حسين كامل، وعدم منحه منصب رئاسة الوزراء، بل وعدم تعيينه حتى نائبًا لرئيس الوزراء. أما النقطة الأخرى اللافتة في العقلية التآمرية للرئيس، فهي قوله إن سبب عدم فتح المجال أمام أقربائه هو خشية تآمرهم عليه. وقد توقفت عند هذه النقطة من التسجيل، إذ إن التبرير المتوقع من السياسيين عادةً لعدم منح الأقرباء امتيازات هو الحرص على المال العام وحماية أموال الدولة ومنع الفساد. إلا أن صدام حسين، وفق طريقة تفكيره التآمرية الصِرفة، كان يمنعهم من الاستيلاء على المال العام لا بدافع الحرص عليه، بل لأنه كان يعتقد أنهم، إذا استولوا عليه، سيسعون للتخلص منه من أجل التمتع بما حصلوا عليه، وليس بدافع الحفاظ على المال العام أو مكافحة الفساد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق