الأربعاء، 25 فبراير، 2009

القسوة لدى صدام حسين.... "عمليات الأنفال البطولية "...الجزء الثاني


"حرام علي الطعام والشراب ، حتى أُسويها بالأرض هدماً وإحراقاً.... إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله ، لين في غير ضعف ، وشدة في غير عنف . وإني أقسم بالله لآخذن الولي بالمولى ، والقيم بالطاعن ، والمقبل بالمدبر ، والمطيع بالعاصي ، والصحيح بالسقيم ، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول : " انج سعـد ، فقد هلك سعـيد " أو تستقيم قناتكم . وإياي ودلج الليل ، فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه ، وإياي ودعوى الجاهلية فإني لا أجد داعياً بها إلا قطعت لسانه ، ولقد أحدتثم أحداثاً لم تكن ، ولقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة ، فمن غرَّق قوماً غرّقناه ، ومن أحرق قوماً أحرقناه ، ومن نقب بيتاً نقبنا عن قلبه ، ومن نبش قبراً دفناه فيه حياً . وايم الله إن لي فيكم لصرعى كثيرة ، فليحذر كل منكم أن يكون من صرعاي"……. من الخطبة البتراء لزياد بن أبيه .

" الصحفي: الرئيس المصري أنور السادات يتهمكم بانكم تتولون حكما دمويا لم يحقق السلام للعراق ولم يقدم بديلا عن أتفاقية كامب ديفيد.. فماذا تقولون؟
..أما كوننا دمويين بمعنى أننا نبادر الى قطع رأس كل من يخون هذا البلد...نعم كلما نكتشف أنه أقدم على ذلك نقطع رأسه وبلا رحمة وعلى رؤوس الأشهاد..وهذا ما كان يفعله أجدادنا في صدر الرسالة "..صدام حسين حديث مع ناصر الدين النشاشيبي بتاريخ ١٩/١/١٩٨١.



ا-الفترة التي سبقت تعيين علي حسن المجيد لمنصب أمين سر قيادة مكتب تنظيم الشمال.

وفرت الطبيعة الجغرافية لكردستان ,وكذلك انشغال السلطة بالحرب مع ايران ,ملجا للهروب من قسوة الاجراءات التي اتخذتها السلطة بحق معارضيها أو ذويهم أو بحق الهاربين من الخدمة العسكرية أو المتخلفين عنها.
فلم تكن تلك المناطق أو القرى قواعد "للمخربين" فقط بل تواجد فيها كل هولاء الذين ذكرناهم أعلاه ,اضافة الى سكان القرى أنفسهم من الرجال والنساء والاطفال.
اتخذت السلطة ,كما قلنا سابقا, قرارا بالترحيل القسري لذوي "المخربين" الى تلك المناطق أو القرى التي اطلقت عليها تسمية " القرى ألمحذورة أمنيا " كان تبرير ذلك الفعل حسب كتاب قيادة الفيلق الأول الرقم ح ٢/١/٣٥٦ في ٢١ /٥/١٩٨٥ " ليشكلوا عبئا ثقيلا على المخربين".
ونتيجة لذلك كان تواجد هولاء في تلك المناطق رغما عن ارادتهم. اذا حاولت أحدى عوائل "المخربين" من الذين تم تسفيرهم القسري, العودة الى مدنهم أو قصباتهم الخاضعة لسيطرة الدولة والتخفي فيها ,فسيكون مصير من مد لهم العون كمصيرتلك العوائل ومعناه معاقبته بكافة العقوبات التي ذكرناها سابقا وسيكون معرضا للترحيل أيضا, كما ورد في كتاب اللجنة الامنية لمحافظة السليمانية ١٣/١/١٩٨٥ "تقرر التعامل مع العائلة التي تأوي عوائل المخربين المطرودين عند عودتهم الى المدن والقصبات سرا معاملة عوائل المخربين".
ثقل الاجراءات التي اتخذت ضد ذوي الهاربين من الخدمة العسكرية كانت , ربما, دافعا لهم لتوجهم بأرادتهم الى تلك المناطق حيث يورد كتاب مكتب تنظيم الشمال المرقم في ٥٥٢٧ في ١١/٨/١٩٨٦ هروب " ألف عائلة من عوائل الهاربين والمتخلفين من قاطع محافظة السليمانية الى القرى ألمحذورة أمنيا".
أضيف اجراء أخر بحق زوجات المخربين والهاربين من الخدمة العسكرية ربما كان أيضا دافعا للهروب من قبضة السلطة والتوجه لتلك القرى وهو “طلاق الزوج اذا تبين التحاقه بالمخربين أو هروبه وتخلفه من الخدمة العسكرية أو انظم الى صفوف احزاب معادية لحزبنا القائد حزب البعث أو دولة معادية لحزبنا ”كما ورد في كتاب المجلس التنفيذي لمنطقة كردستان المرقم ٢٣٠٥٧٥ في ٩/١/١٩٨٦.
ولتزايد رقعة الأرض التي لا تسيطر عليها الدولة كان لابد من أبتكار عقوبات بحق تلك القرى وبحق ساكنيها..

ثالثا-عقوبات القرى المحذورة أمنيا…..

العقوبات التي اتخذت بحق تلك القرى, في البداية ,كانت سلسلة من الاجراءات الأقتصادية والادارية والخدمية كما وردت في كتاب اللجنة الأمنية لمحافظة السليمانية المرقم ٤٥٨ في ٢٣/٩/ ١٩٨٥ " فرض الحصار الشامل على المناطق المحذورة اداريا والتي تحت سيطرة المخربين وتأويهم وعدم التهاون بهذا المجال وباي شكل من الأشكال، قطع المواد الغذائية عن كافة القرى التي تحت سيطرة المخربين، سحب المدارس والمستوصفات الى المناطق الريفية، متابعة توزيع الدهون والوقود بنظام البطاقات، قطع الخطوط الهاتفية، قطع القوة الكهربائية عن القرى التي يسكنها المخربين وتأويهم منع استلام وارسال الحملات الزراعية لقرى تواجد المخربين ، منع تردد وسائل النقل من والى تواجد المخربين والتشديد على الطرقات كافة وحجز كافة السيارات وسائقيها وعدم أطلاق سراحهم ألا بعلم منا".
أسهب كتاب مكتب تنظيم الشمال المرقم ٢٨/٤٦٨٤ في ٢٩/٦/١٩٨٥ بتوضيح تلك الأجراءات حيث ورد فيه" بغية تنفيذ السياسة التي من شأنها تضيق الخناق على العناصر المخربة والخائنة تنسب تنفيذ مايلي:
١. توزيع المواد الأقتصادية الأساسية (طحين، سكر، شاي، دهن) بموجب البطاقة حيث تحسب الكمية اللازمة لكل عائلة وعلى أساس عدد افرادها ويمكن الأستعانة بالجيش لتحديد كمية أستهلاك الفرد الواحد من هذه المواد يوميا.
٢. منع نقل هذه المواد من محافظة الى أخرى ألا من قبل الجهات الرسمية المختصة.
٣. اتخاذ الأجراءات لمنع وصول المواد الغذائية والاستهلاكية والمواد الأخرى
ألى القرى التي يتخذها المخربون الخونة مقرات لهم.
٤. اتخاذ الاجراءات اللأزمة لمنع تهريب المواد الأقتصادية ألى المخربين أو الى خارج القطر وكذلك منع دخول اية مواد الى القطر من الدول المجاورة.
٥. قطع كافة أنواع الخدمات (ماء، كهرباء، صحية، تربوية) عن القرى التي يتواجد فيها المخربون وبشكل دائم.
٦. منع أيصال المنتوجات المحلية التي تنتج في القرى التي يتواجد فيها المخربون والقصبات ولاي فرد كان ".
وورد في الكتاب أيضا " من أجل الدقة في عملية توزيع المواد الغذائية بالبطاقة تشكل لجنة في كل وحدة أدارية ومجمع سكاني تضم في عضويتها كل رئيس الوحدة الأدارية وممثل عن الحزب والامن والاستخبارات (حيثما وجد) مهمتها تهيأة البطاقات والاشراف المباشر على توزيع تلك المواد" و "تقوم كل لجنة باعداد تقرير شهري ترفعه الى الجهة الأعلى عن سير تنفيذ هذه المهمات".
كان كتاب ديوان الرئاسة المرقم ١٩٦٢٦ في ٢٩/٦/١٩٨٥ حريصا على منع وصول الوقود الى تلك القرى فوردت فيه تفاصيل دقيقة لكيفية القيام بتلك المهمة وكانت
"١. املاء خزانات سيارات الأجرة بالبنزين داخل المدن لمرة واحدة في اليوم واحتفاظ سائق سيارة الأجرة باستمارة خاصة يوقع عليها (أمين مستودع النفط) أو محطة التعبئة وتبين فيها تاريخ التجهيز باليوم والساعة.
٢. عدم تجهيز سواق سيارات الطرق الخارجية للمناطق المحرمة اداريا باية كمية من مادة البنزين .
٣. منع خروج السيارات الى المناطق المحرمة والمحذورة اداريا منعا باتا.
٤.السيارات التي تتجه من مركز المحافظة باتجاه الأقضية تجهز بمادة البنزين
لمرة واحدة في مدينة السليمانية فقط ويمنع تجهيزها ثانية في مكان أخر.
٥. يتم تجهيز سيارات الشحن (اللوريات) بمادة الغاز اويل كل يومين مرة واحدة.
٦. يمنع منعا باتا طريقة البيع الأضافي باملاء الحاويات البلاستيكية بالوقود.
٧. الطلب من هيئة النقل ونقابة النقل القيام بالغاء جميع اجازات السوق للسيارات التي تعمل في المناطق المحرمة المحذورة اداريا.
٨. الزام وكلاء بيع النفط بفتح سجل خاص لكل وكيل وتوزيع النفط على المواطنين حسب الحاجة الفعلية المقررة بكل عائلة وبموجب (القسائم).
٩ . الايعاز لنقاط السيطرة عند مرور السيارات التاكد من عدم استحصال سائق السيارة لاي كمية اضافية من الوقود ألا الكمية الموجودة في خزان سيارته.
١٠. رصد حالات المخالفة بان يتم حجز السيارة مع سائقها ويرسل الى مركز الأستخبارات اذا ثبت حمله كمية من الوقود الأحتياطي سواء في نقاط السيطرة أو في أي مكان في منطقة السليمانية.
١١. كل شخص ثبت عليه اعطاء اية كمية من الوقود للمخربين وتعاون معهم في ذلك يحال ألا المحكمة المختصة كمخرب سواء في محطات التعبئة أو بواسطة السيارات".
التاكيد على اجراءات الحصار وردت بعدة كتب متبادلة بين اللجان الأمنية كرسالة اللجنة الأمنية في محافظة السليمانية ٥١٨ في ٣/١٠ والتي ورد فيها أيضا "على ضوء توجيهات الرفيق عضو القيادة القطرية بتاريخ ٢١/٩/١٩٨٥ أوعز سيادته بعقد ندوات جماهيرية لكل شرائح المجتمع بصدد فرض الحصار الأقتصادي على المخربين وقطع المعونات على القرى غير الموالية".
وتم التاكيد عليها أيضا في كتاب ديوان الرئاسة المرقم ٢٨١٨٩ في ٢/٨/١٩٨٦ "تقرر استمرار الحصار والتشديد على القرى والمناطق المحذورة أمنيا وحسب التوجيهات المركزي الصادرة بهذا الصدد".
لم يكن تعريف القرى المحذورة أمنيا قاصرا على القرى التي يتواجد فيها "المخربون" أو ذويهم بل اتسع ليشمل القرى التي لايتواجد من تعتبره الدولة ممثلا لها أو مواليا لها كما ورد في كتاب اللجنة الأمنية الفرعية في سيد صادق المرقم ١ص/١٦/١٥٣ بتاريخ ٢٨/١٠ /١٩٨٥ "اعتبار أي قرية لم يتواجد فيها الجيش أو مقاتلي الأفواج الخفيفة قرية غير أمينة يتطلب فرض الحصار الأقتصادي عليها وتطبيق ألاجراءات الأخرى في كافة المجالات عليها".
لفشل اجراءات الحصار في كسر أرادة "المخربين" اتخذ القرار بقصف تلك القرى بالمدفعية كما ورد في كتاب رئاسة أركان الجيش المرقم ٩٠٤١ في ٢/١١/١٩٨٥ "أطلع السيد نائب القائد العام للقوات المسلحة /وزير الدفاع على الخلاصة وعلق سيادته عليها بما يلي:
١. توضع القرى التي يأوى اليها المخربين تحت االمدفعية وترمى بساعات متاخرة من الليل .
٢. مفيد أن يبلغ مختاروا القرى برد فعل القطعات العسكرية كي تجنب مغبة اللائمة أما أن يكون هناك بريء وغير بريء فالكل متضامنون خوفا أو حياء ".
كانت السلطة تعلم أن جزأ كبيرا من سكان تلك القرى كانوا من المدنيين , أن كانوا من سكانهاالأصلاء أو من قامت السلطة نفسها بترحيلهم اليها، رغم ذلك اصدرت حكما جماعيا عليهم نساء واطفالا وشيوخا بكونهم "متضامنين" مع المخربين وبالتالي كان قتلهم مبررا بنظرها.
نتيجة لفشل القصف المدفعي العشوائي في كسر أرادة المخربين أو تحقيق نتائجه في ذهن السلطة ,اتخذ قرارا أشد قسوة من كافة القرارات السابقة وهو قرارا بتدمير تلك القرى بمختلف الأسلحة وبدون توقف حيث" تنسب بكتاب ديوان وزارة الدفاع ٢٥٤٢١ في ٢٠/١١/١٩٨٦ تدمير قرى المخربين من سليلي الخيانة وعملاء ايران وبدون توقف باستخدام مختلف الأسلحة بضمنها القوة الجوية ".
كان قرار تدمير القرى قد اتخذ لكن انشغال الجيش بالحرب خاصة في تلك الفترة قلل من قدرة الدولة على القيام بتلك المهمة.
وفق هذه الخلفية عقد اجتماعا مشتركا لمجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية لحزب البعث العربي الأشتراكي بتاريخ ١٨/٣/١٩٨٧ بحضور رئيس أركان الجيش نزار الخزرجي ومدير الأستخبارات العسكرية صابر الدوري ومعاون رئيس أركان الجيش حسين رشيد التكريتي تم فيه مناقشة حسم نشاط المخربين واتخذ قرارا بتعيين علي حسن المجيد حاكما مطلقا لكردستان واوكلت له تلك المهمة, مهمة "حسم نشاط المخربين".
بعد ذلك الأجتماع صدر قرار مجلس قيادة الثورة المرقم ١٦٠ في ٢٩/٣/١٩٨٧ والذي نص على مايلي
”أولا: يقوم الرفيق علي حسن المجيد، عضو القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، بتمثيل القيادة القطرية للحزب ومجلس قيادة الثورة في تنفيذ سياستهما في عموم المنطقة الشمالية وبضمنها منطقة كردستان للحكم الذاتي بهدف حماية الأمن والنظام وكفالة الاستقرار فيها وتطبيق قانون الحكم الذاتي في المنطقة.
ثانيا:يتولى الرفيق عضو القيادة القطرية، لتحقيق أهداف هذا القرار صلاحية التقرير الملزم لجميع أجهزة الدولة المدنية والعسكرية والأمنية، وبوجه خاص الصلاحيات المنوطة بمجلس الأمن القومي ولجنة شؤون الشمال.
ثالثا:ترتبط الجهات التالية في عموم المنطقة الشمالية بالرفيق عضو القيادة القطرية وتلتزم بالقرارات والتوجيهات الصادرة عنه التي تكون واجبة التنفيذ بموجب هذا القرار.
١. المجلس التنفيذي لمنطقة كردستان للحكم الذاتي.
٢. محافظو المحافظات ورؤساء الوحدات الادارية التابعون لوزارة الحكم المحلي.
٣ . أجهزة المخابرات وقوى الأمن الداخلي والاستخبارات العسكرية.
٤. قيادات الجيش الشعبي.
رابعا: تلتزم القيادات العسكرية في المنطقة بأوامر الرفيق عضو القيادة القطرية بكل ما يتصل بـ"أولا" من هذا القرار”.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق