السبت، 10 نوفمبر 2018

الانتفاضة الشعبانية...اذار ١٩٩١/ صفحة الغدر والخيانة...١



"لا آل جويبر ولا حجام بعد يسكنون كل العراق ودمهم مهدور الى يوم يبعثون من كل عراقي يكضبهم بالشمال والجنوب والوسط.....كل واحد من آل جويبر يلقى عليه القبض كل واحد من آل حجام يلقى عليه القبض... وبعدين احنه نصفيه "
اللواء كمال مصطفى عبدالله التكريتي قوات مصطفى حرس جمهوري ..اذار ١٩٩١

اعقبت كارثة حرب الكويت ونتائجها المروعة من تدمير للبنى التحتية وتحطيم للقدرة العسكرية العراقية وقبول السلطة بحزمة قرارات الامم المتحدة المنتهكة للسيادة العراقية, اكبرحركة جماهيرية في تأريخ العراق الحديث.
كانت انتفاضة اذار عام ١٩٩١ حداً فاصلاً في تأريخ العراق وهي اكبر تهديد داخلي واجهته سلطة الرئيس صدام خلال فترة حكمه الطويلة. هذا الفصل مخصص لتوثيق ذلك الفصل المهم في تاريخ العراق.
النهج الذي اتبعته في هذا الفصل هو توثيق روايتين للحدث، رواية من قبل من عاش أو شارك ووثق الحدث، ورواية ثانية لنفس الحدث هي رواية السلطة متى ما توفرت الوثيقة. مصادر الرواية الأولى كانت كتب أو مقالات نشرت في فترات متباعدة، ومصادر الرواية الثانية كانت من مراجعة أرشيف القيادة القطرية لحزب البعث و
هو موجود في Hoover Institute في جامعة ستانفورد، وخلاصة محكمة الانتفاضة، ومقالات جريدة الثورة وكتب وافلام أخرى انتجتها السلطة. الغاية هي محاولة توثيق الحدث من جانبين لتكتمل الصورة عنه ولسرده بشكل موضوعي ومتوازن. الغاية الثانية هي محاولة اجابة عن اسئلة لفهم الانتفاضة. تلك الأسئلة قمت بمحاولة الأجابة عنها في نهاية سرد أحداث الانتفاضة.

الشرارة الأولى
هناك قصة متداولة أشبه بالاسطورة عن بداية الانتفاضة خلاصتها أن ضابطاً أو جندياً في الجيش العراقي بعد عودته مهزوماً من الحرب في الكويت وقف أمام جدارية ضخمة للرئيس صدام في ساحة سعد في البصرة وبعد أن عاتبه على تسببه في الهزيمة التي لحقت بالجيش وجه سلاحه ،كان في رواية مدفع دبابة وفي رواية أخرى رشاشة, الى الجدارية فدمرها وسط جمهور غاضب فكانت تلك بداية الانتفاضة.
الرواية وردت في عدة مصادر ففي أول تصريح يدلي به معارض عراقي، روى السيد حسين محمد بحر العلوم لجريدة الحياة في ١٩٩١/٣/١١ " أن ضابطاً عراقياً مسؤولاً عن كتيبة دبابات وصل الى ساحة العشار في البصرة وهو يحمل ذل الهزيمة ووقف يخاطب تمثالاً لصدام ويحمله مسؤولية هذه الهزيمة. ودفع به الحماس الى توجيه فوهة مدفع دبابته الى التمثال واطلاق قذيفة عليه فتفجر ساقطاً. وعندها انطلقت الجماهير المحتشدة في الساحة تهتف له وبسقوط صدام ثم امتدت التظاهرات الى أطراف البصرة ومنها الى العمارة والناصرية والسماوة والكوت وبقية مناطق العراق".
تتكررت هذه القصة لدى محمد العباسي في كتابه من زاخو الى كربلاء مع بعض الفروق حيث ذكر "لقد بدأت الحركة العفوية للجماهير ومعهم العسكريون في صب جام غضبهم على النظام العراقي الذي حول الهزيمة العسكرية الى نصر اذاعي. وكان المشهد لاندلاع الثورة مثيراً فعند عودة أحد الضباط الى مدينة البصرة وكان محبطاً واثار الهزيمة تزلزل كيانه وجد صورة ضخمة لصدام حسين في أحد ميادين البصرة. فوقف يتأمله وهو يخشاه ثم بدأ يحدثه ويروي له ما حدث من مآس ولكن الصورة لم تتحرك أو تنفعل مما فجر الكبت الداخلي لدى الضابط الذي وجه رشاشه الى الصورة وصب جام غضبه على صورة صدام التي تحولت الى لوحة مليئة بمئات الثقوب وكان الناس يراقبون المشهد وهم مشدوهون وما أن سقطت صورة صدام حتى اندفعت الجماهير في أنحاء المدينة تدمر كل صوره وتماثيله." لم يشير العباسي الى مصدر الرواية تماماً كما فعل السيد حسين بحر العلوم في تصريحه للحياة.
وورد في كتاب كنعان مكية القسوة والصمت " بدأت الشرارة التي فجرت الانتفاضة في مدينة البصرة ذات الأغلبية الشيعية، واكبر المدن جنوب العراق، ويبدو أنها نشبت في الوقت الذي أصبح مفعول وقف النار الرسمي في حرب الخليج نافذاً عند الساعة الخامسة من قبل ظهر ٢٨ شباط ١٩٩١. فقد اندفع رتل من الدبابات الفارة من الكويت الى ساحة سعد، وهي امتداد شاسع مستطيل ومكشوف في قلب البصرة، فأوقف القائد على رأس رتله آليته في موقع موجه لجدارية عملاقة لصدام حسين مقامة الى جانب مبنى قيادة حزب البعث في الساحة، حيث يبدو صدام في زي عسكري. لقد وقف القائد فوق هيكل آليته وخاطب الصورة بخطبة لاذعة تتهم الديكتاتور " ما حل بنا يا صدام من هزيمة وعار وخزي هو نتيجة حماقاتك، وحساباتك الخاطئة، وتصرفاتك غير المسؤولة".
واحتشد الناس واصبح الجو مشحوناً جداً. ثم قفز القائد عائداً الى داخل دبابته وادار برج المدفع ليصوب باتجاه الصورة واطلق عدة قذائف، فانفجر الحشد مهتاجاً يهتف مشجعاً ومنشداً " صدام أنتهى، كل الجيش مات".
لم يتدخل أي من الدبابات أو الجنود الاخرين الذين كانوا في الساحة. والواقع أنهم سرعان ما أنضموا الى التظاهرة التي جعلت تكبر وتتسع. وانتشرت الانتفاضة مثل نار في الهشيم."
وذكر مكية أنه سمع " القصة للمرة الاولى مع بعض التفاصيل من السيد محمد بحر العلوم وذلك عندما تحدث في جامعة هارفرد في ٧ اذار ١٩٩١. أفعمتني كلمته بالحماسة، ورحت ابحث عنده عن التفاصيل الصغيرة. والقصة نفسها بتنويعات مختلفة، كررها أيضاً لاجئون كانوا قد فروا الى ايران أو هي ترددت بشكل غير مباشر على أفواه مشاركين آخرين كانت قد تحركت مشاعرهم بالرغم من أنهم جاؤوا من مدن أخرى."
وقال مكية انه بحث " عن شاهد عيان لتلك الساعات الأولى الحاسمة في البصرة" وحاول " أعادة تأليف سياق التسلسل الدقيق للاحداث منذ تلك الشرارة الأولى في ساحة سعد، وصولاً الى الحريق الهائل والشامل في جنوب العراق وشماله وفي النهاية بدا ذلك مستحيلاً. " ولم يستطع حتى أن يكتشف " أسم القائد الذي قفز فوق الدبابة واطلق النار على صورة صدام حسين." ولم يستطع أن يثبت" ما أن كان استطاع النجاة من انتقام الحكومة الشديد الذي تلا الانتفاضة".
وردد نفس الراوية الدكتور عبد الحسين شعبان في كتابه " عاصفة على بلاد الشمس" " انفجرت الانتفاضة بعودة الجيش العراقي المنهزم ومصادفته صورة كبيرة لصدام حسين في البصرة، باطلاق رشقات رصاص من دبابة حولت وجهتها ثم امتدت وانتشرت الهبة الشعبية في المدينة واخذت ملامح وبوادر انتفاضة شعبية بالبروز عند انتقالها الى العديد من المحافظات العراقية في الوسط والجنوب ووصولها الى كردستان".
وكذلك في تقرير منظمة حقوق الأنسان " Endless Torment " " بدأ الجنود الغاضبون العائدون من الجبهة بالثورة على النظام" و " استناداً الى معلومات من الناس، التي لا يمكن التأكد منها، فأن الانتفاضة بدأت عندما قام أحد قادة الدبابات برش زخات من مدفعية دبابته على صورة كبيرة لصدام حسين، ويقال أن هذا قد أوقد شعلة الانتفاضة لدى الجنود والمدنيين والمعارضة الشيعية السرية".
أما العميد نجيب الصالحي في كتابه "الزلزال" فيصف البداية على أن من أشعلها أحد الجنود بعد أطلاق نيران بندقية على الصورة حيث ذكر "وصف لي أحد الضباط تلك اللحظة التي فجر فيها "الجندي المجهول" شرارة الغضب قائلا: كنا أفواجا من رجال ... اختفت المناصب فيما بيننا وأزيلت الرتب، فصرنا جميعا منقادين إلى حيث لا ندري ونجري بلا وعي وفي كل ساعة يجابه أحدنا موقفا يفقد فيه السيطرة على نفسه... نلتفت يمينا فلا نرى إلا وجوها بائسة أرهقها السير وأذلها الموقف ... ونلتفت شمالا فنرى جثثا مكدسة وجرحى يأنون هي حصيلة ما جرته سياسة النظام غير المسؤولة. وقد ينشغل الإنسان باستعادة ما عانى وما ينتظره فلا يلتفت إلى ما حوله وباتت مناظر الموت مألوفة ولم تعد مشاهد الدماء تفزع أحدا وما كانت آثار الدمار والخراب الظاهرة في كل مكان تثير فينا المشاعر.
وفي لحظة كنا نحلم فيها بلقمة أو بكوب شاي ساخن أو سيكارة، كان بالقرب مني جنود يبيعون بنادقهم ويتقاسمون أثمانها بينهم، وكنت أحمل مسدسا قررت أن لا أفرط فيه، وكانت مجاميع من الناس توقف سياراتها "البيك أب" وتكدس فيها الأسلحة التي يشترونها من الجنود، وأعتقد أن هؤلاء المشترين كانوا تجاراً ولكن، أية تجارة هذه ! أو أي صنف جديد من التجار هؤلاء.
كنت في هذه اللحظة على الطرف الآخر من صورة صدام.. نظرت إلى الجنود الذين كانوا في حالة مأساوية والإرهاق باد على ملامحهم.. كان كل واحد منهم يحاول أن يكيل السباب والشتائم للحاكم بأعلى صوته ويهتف ضده. ثم رأيت أحد الجنود وقد أعاد ثمن بندقيته إلى المشتري وانطلق إلى موقع الصورة ليفرغ فيها رصاصاته."
أما فائق الشيخ علي ،في سلسلة " قصة الشرارة الاولى" عن الانتفاضة العراقية في ذكراها الخامسة ونشرت في جريدة الحياة في عام ١٩٩٦، فهو شكك في القصة كلها وفي تأريخ بدء ومكان الانتفاضة حيث كتب" ماهي ألا ساعات تمر على وقف النار بين العراق والحلفاء في ٩١/٢/٢٨ واذا بالعراقيين ينقضون على النظام فجر الأول من اذار ٩١ ليهتز العراق من الفاو في أقصى جنوبه الى زاخو في أقصى شماله في واحدة من أعظم الانتفاضات العراقية في القرن العشرين. بدأت الانتفاضة في اهوار جنوب العراق قبل أن تعلن اية مدينة عراقية انتفاضتها ضد النظام، حين تحركت مجموعات من الثوار الهاربين ( من الخدمة العسكرية) واللاجئين الى هذه المناطق فشهروا اسلحتهم في وجه عناصر السلطة ومقراتها، وراحوا يحررون المناطق واحدة تلو أخرى، ولم يواجهوا في كثير من الأحيان مقاومة تذكر، ووصلوا خلال ٢٤ ساعة الى حافات المدن المطلة على الأهوار، ووصلت أخبارهم عبر المسافرين الى المدن الأخرى في الوقت الذي كان رجالها يستعدون ويخططون للتحرك ضد النظام.
وفي اليوم التالي، الثاني من اذار، تحركت مدينة البصرة التي انطلقت انتفاضتها من منطقة الحيانية ومعها الناصرية والعمارة ثم مدينة النجف الأشرف في الثالث من اذار، لتتبعها بقية المحافظات، وهكذا انتشر لهيب الانتفاضة الى مدن العراق لتعم الجنوب ولتنتقل في ما بعد الى الشمال وكلما كانت مدينة تحقق انتصاراً على السلطة تدفع مدينة أخرى الى الأسراع في اعلان انتفاضتها."
وهو اعتبرأن مثقفي "الخارج يسلبون الانتفاضة من أهلها الحقيقيين وينسبوها الى الجيش من خلال اعتمادهم حادث تهشيم صورة صدام كبداية لتوقيتها".
أما الدكتور قاسم البريسم في كتابه " الشرارة والرماد" فهو لايتفق مع فائق الشيخ علي على من كان له الأسبقية في اندلاع الانتفاضة فبرأيه أن انتفاضة وسقوط محافظة الناصرية حدث بعد ظهر اليوم الثاني من آذار وبعد وصول أخبار البصرة. "ففي الوقت الذي اندلعت فيه انتفاضة البصرة الساعة الرابعة فجراً، وسقطت مؤسسات النظام، بيد المنتفضين الساعة العاشرة صباحاً، كانت أخبارها ، تصل الناصرية وتلهب المتظاهرين وهم في زحفهم على المحافظة." "وهذا واقع انتفاضة الناصرية واحداثها وما أكده المئات من منتفضين أهل الناصرية الذين كانوا معنا في سجن الرضوانية. "
ونفى الدكتور قاسم البريسم أسطورة شرارة الانتفاضة فذكر " أن شرارة (بداية) الانتفاضة لم يشعل لهيبها ضابط مجهول نزل من دبابته في ساحة سعد واطلق النار على صورة صدام حسين فيها." " فلم يجرؤ ضابط أو ضباط ولا عشرات الدبابات أن تضرب صورة صدام في ساحة سعد، قبل أن يفجر أهل البصرة ( الحيانية) ثورة الشعب من جنوبه الى شماله.
لقد بدأت الانتفاضة في منطقة الحيانية، الساعة الرابعة فجر يوم ١٩٩١/٣/٢ ثم انتشرت بعدها الى المحافظات العراقية."
"أن ما يزيد في خرافية رواية الضابط، وما حل بها من اضافات وتزويق، هو أن ساحة سعد ( فجر ١٩٩١/٣/٢) وهذا مايعرفه البصريون والمنتفضون على حد سواء كانت هادئة من أي مظاهر انفجار أو عصيان، وقد ظلت هكذا في أثناء الانتفاضة وبعدها، لأنها كانت نقطة تجمع للجيش وقوات الحرس الجمهوري المنسحب من الكويت، ومقراً لقوات علي حسن المجيد فيما بعد.
وقد مررت عليها الساعة الخامسة فجراً بقليل، وانا في طريقي الى الحيانية شأني شأن الكثيرين، بعد أن وصلت أصوات أطلاق النار فيها الى مسامع الداني والبعيد. ولم أجد ما يوحي بأي تمرد أو حتى صوت احتجاج من مئات العسكريين، الذين توقفوا فيها وهم في طريقهم الى أهلهم أو وحداتهم العسكرية. كان اغلبهم نائماً يتمدد على الأرصفة فيها، والبعض كانت أنظارهم واسماعهم مشدودة نحو مصادر النار الكثيفة والصيحات المدوية التي تسمع في ساحة سعد والقادمة من جهة الحيانية."
"كان أطلاق النار على صور صدام حسين من قبل المنتفضين وهم يكتسحون مؤسسات النظام الأمنية والحزبية شائعاً. كما أصبح أطلاق النار وتمزيق صوره في الساحات والشوارع مألوفاً، بعد أن ذاع صيت الانتفاضة وسقطت البصرة بأيدي الثوار. ولم تبق صورة واحدة في ساحات البصرة وامام الدوائر الحكومية وغيرها ألا وتحطمت وتمزقت، حتى أصبحت وسيلة للمتعة، وقد شارك بهذا العشرات من الجنود، وقد سبق اندفاع أهل الحيانية ومباشرتهم الفعلية بالهجوم نحو أول فرقة حزبية في الجمعيات ( منطقة مقابلة للحيانية)، تجمعات للناس حدثت في ساعات الفجر الأولى من يوم ١٩٩١/٣/٢ وعلى طول شارع منطقة الحيانية، الممتد أكثر من كيلومترين. وهم يحرقون اطارات السيارات ويهتفون باسقاط صدام. وقد لعبت نساء الحيانية البطلات المسلحات بالبنادق والرمانات اليدوية في هتافاتهن دوراً مهماً في تأجيج الحماس والثورة، وقد بدأ هذا التجمع يكبر ويكبر، حتى اكتمل وجاوز المئات، عندما اندفعت الجموع الغاضبة ( من شارع التربية نحو فرقة القائد الحزبية)، وبذلك بدأت معها ولادة أعظم ثورة شعبية في تاريخ العراق ضد نظام صدام حسين."
بالنسبة للرواية الرسمية عن الشرارة الاولى للاخبار عن بدء " صفحة الغدر والخيانة" فقد وردت في كتاب "المنازلة الكبرى وقائدها " لحميد سعيد، عبدالجبار محسن وعبد الأمير معلة " على رواية الفريق الركن علاء الدين الجنابي جاءت الأشارة الاولى من مدينة الحي، عن طريق أمر قاعدة أبي عبيدة في الكوت، حيث جرى تسلل من قبل مجموعة أيرانية مسلحة قادمة من اهوار ميسان واتجهت نحو مدينة الكوت، والتحق بها بعض الهاربين من الخدمة وفلول حزب الدعوة، وبدأوا بالرمي على مقر الشعبة الحزبية البعثية في مدينة النعمانية والمقرات الأدارية فيها، وقد أصدر آمر قاعدة أبي عبيدة أمراً بتسليح منتسبي القاعدة وسد جميع النوافذ تحسباً لأي طارىء ومنع خروج ودخول الأشخاص للقاعدة، والتنسيق مع كتيبة الانذار والسيطرة السادسة ومع كتيبة مقاومة الطائرات الموجودة لحمايتها حدث هذا في الساعة الثامنة وثماني دقائق من صباح يوم ١٩٩١/٣/١ "
وحسبما ورد في الكتاب فيبدو أن انتفاضة البصرة قد سبقت انتفاضة الناصرية وابتدات في البصرة كما ذكر قاسم البريسم في الحيانية وليس ساحة سعد واضافت لها الرواية الرسمية منطقة الخمسة ميل ، فقد ورد "في الساعة الخامسة والثلاثين دقيقة من مساء ١٩٩١/٣/٢ اعلمتنا دائرة الحركات ، أن مجموعة من المتسللين المتجمعين في قضاء سوق الشيوخ والقرى المحيطة به، تحاول التقدم باتجاه ناحية الفهود وناحية الحمار وقد وصلت الى قضاء الجزائر (الجبايش) وفي الساعة السادسة والنصف من مساء هذا اليوم تم عرض هذه المعلومات على انظار السيد الرئيس.. وكانت حوادث الشغب في مدينة البصرة قد بدأت بعد منتصف ليلة ١ اذار ١٩٩١ باقتحام سجن البصرة وتهريب السجناء والتعرض على منظومة استخبارات المنطقة الجنوبية ومراكز الشرطة والدوائر الرسمية والمستشفى العسكري، واكثر هذه الحوادث جرت في منطقة الحيانية ومنطقة ٥ ميل".
إن كان تعريف الانتفاضة على أنها حركة شعبية واسعة فيبدو لي أن بداية الانتفاضة كانت في البصرة فجر يوم ٢ اذار ١٩٩١ ومن منطقة الحيانية وان ماحدث في الحي هو أقرب الى هجوم من قبل مجموعة معارضة من كونه بداية الانتفاضة. وينطبق ذلك الى حد ما في رأيي على الانتفاضة في سوق الشيوخ ، كما سنعرض أدناه، فهي وان بدأت قبل انتفاضة الحيانية ألا أنها لم تكسب صفة الانتفاضة الشعبية ألا بعد انتفاضة البصرة. أما قصة الجندي أو الضابط الذي أشعل شرارة الانتفاضة في ساحة سعد فيبدو لي أنها غير حقيقية ورددها الكثيرون عدا كونهم من غير أهالي البصرة فقد رددوها من غير تدقيق وتمحيص في صحتها.

انتفاضة البصرة
دون قاسم البريسم في كتابه "الشرارة والرماد" بداية الانتفاضة وتفاصيلها في البصرة فكتب "تكدست في يوم ١٩٩١/٣/١ مئات الألاف من العسكريين الفارين من الجبهة بعجلاتهم واسلحتهم ، وبؤسهم ومرارتهم في ساحة سعد ( قلب البصرة التي يتفرع منها عصب المواصلات الى خارج البصرة وداخلها).
امتص الشعب مشهد ساحة سعد الغاص بالجنود الذاهلين من هول المصيبة والمثقلين بحزن عميق لا حدود له، عندما أختلط المدنيون من أهالي البصرة وغيرها من المحافظات بمئات الألاف من العسكريين. وكان المدنيون من أهالي البصرة والمحافظات يبحثون عن ابنائهم، ويسألون القطعات المنسحبة عن اولادهم، بقلق وخوف، لعلهم قد نجوا من الكارثة.
في حين راح المئات من أهالي البصرة بعد أن غطى ليل حالك المدينة في ظل أنعدام الكهرباء ، يتسلل الى القطعات العسكرية والدبابات التي اصطفت على طول طريق شارع بغداد وشارع الزبير- ساحة سعد في جزئه القريب من الساحة والمقابل الى منطقة الحيانية، وهم يعرضون على العسكريين بيع اسلحتهم وخاصة الخفيفة كالبنادق الأوتوماتيكية والرمانات اليدوية والقاذفات RBJ7 والبيكيسي وغيرها وقد تجرأ البعض ، واخذوا ما كان موجوداً من أسلحة خفيفة أو التي يمكن نقلها من تلك القطعات العسكرية التي تركها الجنود.
انتابت الناس في أيام الأنسحاب الفوضوي ، رغبة عظيمة في شراء الأسلحة وحتى العتاد ، بالتأكيد كانوا يفكرون ليوم كالانتفاضة، بعد أن بدأت ملامحها تلوح في أفق الشارع العراقي. واصبحت حينها ساحة سعد سوقاً للعرض والطلب حول بيع الأسلحة. وحدث نفس الشيء بل أكثر منه ، في نقطة العبور الوحيدة على جسر شط العرب في منطقة التنومة، فقد وصل سعر البندقية الى عشرة دنانير، وبعض الأحيان تمنح لقاء أجرة العبور الى الضفة الشرقية من شط العرب. حين هبط علينا ليل ١ آذار ١٩٩١ كانت البصرة تغلي. وكان أطلاق النار الى الفضاء يسمع في كل مكان، وخاصة المناطق القريبة من منطقة ساحة سعد ، كالحيانية ( معقل الانتفاضة) والجمهورية والجمعيات والبصرة القديمة، وباب الزبير والعالية وشقق الفاو.
بدأت في ساعات الليل الأولى ، تظهر بوادر تجمعات للشباب في كل منطقة وكل شارع ، وكان البعض منهم يطلق النار عبثاً. وبدا لي أن كل واحد قد هيأ نفسه، واستعد لفعل شيء. وبدأت تظهر أيضأ كلمات التهديد والانتقام من ازلام النظام وخاصة البعثيين. أثار انتباهنا ( كنا مجموعة) أصوات نار متقطع ، ولكنه مستمر، يأتي من منطقة الجمهورية وهي لا تبتعد عنا كثيراً، وقد صادف أن رأيت أحد من البعثيين ممن أعرفهم، وسألته عما يجري في الجمهورية، وكان حينها ينوي الذهاب الى هناك، بعد أن تلقى أمراً بذلك. فقال لي أن هناك أضطرابات وتحركات يقوم بها شباب الجمهورية ومسلحيها.
قدت سيارتي بعد ذلك لكي أرى ما يجري فعلاً، وما أن وصلت الى منطقة الجمهورية حتى توضح التوتر بشكل جلي ، بحيث وجدت المئات من المسؤولين البعثيين والامن والمخابرات. وقد طوقت منطقة الجمهورية بعد أن وصلت لهم أنباء تفيد بحدوث تمرد فيها. وكان من ضمن المتواجدين محافظ البصرة عبدالله طلب وامين سر فرع الحزب، ثابت الدوري، وكبار المسؤولين في جهاز الأمن والمخابرات.
وما أن تجاوز الوقت منتصف الليل حتى تعاظم ضغط المسلحين من أهالي منطقة الجمهورية الذين كانوا يتمثلون أسلوب العصابات وهم يتربصون ويتسللون عبر الشوارع الضيقة والازقة نحو قوات النظام ، ويطلقون النار من وقت لأخر عليها وبعض الأحيان يطلقون النار من فوق أسطح البيوت باتجاهها. حتى عم الذعر والخوف في صفوف المسؤولين وبدأوا يهربون. وتسرب في البداية المحافظ والمسؤولون الكبار، ولم تمض ساعات ألا وتبخر الجميع حتى اذا بدأت خيوط فجر الثاني من اذار كانت الحيانية تشعل نيران الانتفاضة، وشرارتها الفعلية الاولى ، ليلتحق بها أهالي الجمهورية.
أذكر هذه الحادثة لاهميتها، فهي تمثل بداية الغليان، واولى التحديات الفعلية المسلحة ضد قوات النظام في البصرة، ومع أنها كانت أسبق في زمنها من منطقة الحيانية، ألا أن الانتفاضة اندلعت بشكلها الحقيقي في منطقة الحيانية الساعة الرابعة فجراً."
"أستيقظت مذعوراً على أصوات أطلاق النار يأتيني من جهة الحيانية، كان الوقت الخامسة فجراً من يوم الثاني من آذار ١٩٩١ خرجت الى الشارع العام ( ساحة سعد-الجزائر) بدا لي أن الشارع هادئاً ، ألا أن سيارتين خطفتا في الشارع ( لاندكروز وبيكب) وفيهما أفراد يلوحون بالبنادق، ويهتفون ضد صدام، لم استطع التحقق مما حدث حتى مرت ثالثة ، فعرفت أن الحيانية انفجرت.
زادت حركة السيارات المنطلقة نحو الحيانية عبر ساحة سعد، التي كانت هادئة من كل شيء سوى من حركة الجنود الذين اكتضت بهم ساحتها الكبيرة. وتوقفوا فيها وهم في طريقهم الى أهلهم، أو وحداتهم العسكرية. وقد سألت بعض الجنود الموجودين في الساحة نفسها عن ما يجري من أطلاق نار، فأكدوا عدم علمهم بما يجري، سوى ما يسمعون من أطلاق نار كثيف يأتي من جهة الحيانية التي لا تبعد سوى كيلو متر عن الساحة نفسها، وصيحات عالية وهوسات مدوية، وسوى ما يرون من تقاطر سيارات مندفعة نحو الحيانية، وهي محملة بالناس وهم يهتفون بسقوط صدام.
وصلت الى شارع التربية في الحيانية لمعرفة ما حدث فيها. كان الفجر قد سطع واضاء الشوارع وفتح الطريق ليوم خالد في حياة العراق والعراقيين. كانت مئات من جماهير البصرة وبالذات أهل الحيانية تتجمع في شارع التربية (أهم شارع فيها) الذي يقع في وسط الحيانية تقريباً، ويوصلها الى مركز البصرة. وهم يهتفون باسقاط صدام ويطلقون العيارات النارية نحو الفضاء، على أصوات وهوسات النساء وزغاريدهن. أن نساء الحيانية والبصرة بشكل عام لهن الدور العظيم في انتفاضة البصرة، والعراق فقد كن يهتفن ويحرضن الناس، وهن يحملن الرشاشات والرمانات اليدوية، ويتحزمن بالعتاد. لقد كان مشهدهن، مؤثراً وعظيماً في تأجيج حماس الجماهير التي احتشدت في شارع الحيانية قبل بدء العمليات.
كانت منطقة الحيانية قبل وصولي لها، الساعة الخامسة والنصف أو ما يزيد بقليل، قد بدأت تمردها وثورتها، قبل هذا الوقت، بساعات وتمثل تمردها، باشعال اطارات السيارات واطلاق النار والهتافات ضد صدام ونظامه الدموي، في ساعات الفجر الأولى ( الساعة الرابعة فجراً)، على طول شارعها الرئيسي، الممتد من الأذاعة والتلفزيون ( الذي يقع على الطريق الرئيسي المؤدي الى ساحة سعد) حتى أخر شارعها في منطقة المثلث ( مدينة البعث) وقد بدأت جموع الناس تتقاطر على شارع التربية، قلب الحيانية وهي تحمل أسلحتها، وبدأ التجمع يأخذ طابعاً آخر غير الأحتجاج والهتاف واطلاق النار في الفضاء.
أندفعت الجماهير الغاضبة من شارع التربية ( منطقة الحيانية) الساعة السادسة فجراً تقريباً من يوم الثاني من آذار ١٩٩١ فكانت بداية الانتفاضة العظيمة ولحظتها التاريخية في العراق من جنوبه الى شماله.أقول بثقة تامة أن الانتفاضة بصرية المنشأ، والمولد، عراقية السمات، حيانية ( من أسم الحيانية) الشهادة والولادة.
كانت أولى الأهداف التي زحفت عليها الجماهير الغاضبة في ظل أصوات أطلاق النار، وهوسات الرجال والنساء، "فرقة القائد للحزب" في منطقة الجمعيات ( يفصل الجمعيات شارع رئيسي يوازي شارع الحيانية الطويل). فقد كانت هذه الفرقة حصينة، ومحمية بالكثير من الحزبيين، اضافة الى أنها قلعة سيئة من قلاع النظام، وقد سقطت هذه الفرقة الحزبية، بعد مقاومة بسيطة، وقتل فيها بعض المسؤولين وفر اغلبهم بعد أن سمعوا أصوات أهل الحيانية وشاهدوا الجموع الغفيرة تتجه نحوهم.
اتجهت جموع المنتفضين وهي في طريقها الى مركز البصرة ، الى الفرقة الحزبية " عاش القائد" وتقع هذه الفرقة في منطقة الكفاءات ( المجمع السكني لاساتذة الجامعات، القريب من ساحة سعد). وحين وصلتها الجموع الغفيرة، كانت فارغة من البعثيين فقد هرب المسؤولون منها، وظل الحرس. وقد استسلم احدهم وقتل اثنان منهم، وتم الاستيلاء على كل الأسلحة الموجودة في الفرقة، وتوزيعها على المنتفضين.
طار صيت انتفاضة أهل الحيانية، وهجومهم على الفرق الحزبية الى كل الأفاق ، ووصلت أخبارها مثل البرق الى المناطق المجاورة والتي لم تكن تفصلها ألا مسافات بسيطة، فالمناطق في البصرة متداخلة بعضها البعض. فهبت المناطق القريبة، تحطم الفرق الحزبية، وتهجم على دوائر الشرطة وتستولي على الأسلحة فيها.
وكان أهل الجمهورية السباقين، بعد أهل الحيانية في الهجوم، بعد أن عاشوا ليلة عصيبة ضد النظام، عندما وصل الغليان ليلتها الى ذروته. فقد هجم أهل الجمهورية على الفرق الحزبية، ودوائر الشرطة وقد سقطت الفرق الحزبية المهمة في الجمهورية ، وهي فرقة حزب البعث لتنظيمات الكليات الأنسانية في جامعة البصرة، بعد ساعة من المقاومة، ثم احرقت وقتل أربعة من الحزبيين فيها.
اتجهت جموع الثوار المندفعين من أهل الحيانية بعد اسقاطهم الفرقتين الحزبيتين في الجمعيات والكفاءات، نحو شارع المستشفى الجمهوري ( شارع رئيسي يربط ساحة سعد، بمركز البصرة العشار) تتقدمهم دبابة، كانوا غنموها من الجيش، ويقودها شخص من أهل الحيانية. اندفع الثوار، نحو سجن البصرة المركزي، المقابل الى المستشفى الجمهوري، واسقطوا السجن، بعد أن استسلم الحرس، واطلقوا السجناء ( أغلب نزلاء هذا السجن هم من غير السياسين والمحكومين بجرائم جنائية مختلفة).
انضم الكثير من السجناء الى الثوار وخاصة المعروفين بشراستهم وشجاعتهم ، وقد أبلى البعض منهم في مقاومة قوات النظام بلاء عظيماً ومات البعض منهم في أثناء هجوم الجيش على المنتفضين.
بعد سقوط سجن البصرة، من قبل أهل الحيانية، انضم المئات الى الجموع الغفيرة، التي اندفعت بعد ذلك في الشارع الرئيسي المؤدي الى مركز محافظة البصرة، حيث توجد المقرات والمؤسسات الحكومية المهمة، مثل المحافظة، ومديرية الأمن، والمخابرات ومراكز الشرطة وغيرها.
تشظت الانتفاضة الى مجاميع كبيرة، واندفع الالاف الى كل ما يمت الى النظام ومؤسساته الأرهابية بصلة، مثل الفرق الحزبية ومراكز الشرطة ، ومراكز الأمن الفرعية، يكتسحونها، ويحرقونها. ولكن الجمع الغفير الذي انطلق من الحيانية ظل متماسكاً ومستمراً في اسقاط معاقل النظام الواحد تلو الأخر، واتجه بعد سقوط سجن البصرة الى أول فرقة في نفس الشارع، الذي يقع فيه السجن ( شارع المستشفى الجمهوري الذي يربط ساحة سعد بالعشار)وهي فرقة عدنان خيرالله وتقع في منطقة القبلة القديمة أو باب الزبير، وتبعد مئة متر عن سوق البصرة القديم. لم تقاوم كثيراً فقد سقطت بعد دقائق وقتل الثوار الثوار مسؤولاً حزبياً كبيراً فيها، وظلت جثته في باب الفرقة عدة أيام.
وبسقوط هذه الفرقة، انفتح الطريق للثوار الى عمق البصرة. واصبحت الانتفاضة عارمة، ووزعت الاسلحة الموجودة في هذه الفرقة على الناس . ولم يبق أمام المنتفضين ألا المعاقل الرئيسية، وهي المخابرات ومديرية الأمن العامة والمحافظة. وصل الثوار بعد ذلك، الى الأمن القديمة ( وهي البناية القديمة لمديرية الأمن في البصرة، كان النظام قد تركها بعد أن بنيت بناية الأمن الكبيرة في العشار).
ويبدو أن النظام لم يعد يستخدمها. بل حرص على الأحتفاظ بمجموعة من الحرس في ابوابها ، كمظهر من مظاهر أيهام الناس، وتخويفهم بوجودها. وقد تبين ذلك فيما بعد، عندما سقطت فلم يجد الثوار فيها شيئاً، وليس فيها سجناء أو معتقلين فقد نقلهم الى المديرية الجديدة.
لم تقاوم هذه المديرية طويلاً وقتل الثوار ما كان فيها من شرطة الأمن من الحرس وكانوا اثنين أو ثلاثة. لم يبق للثوار في هذا الشارع من مؤسسة مهمة ألا مديرية الأمن الرئيسية، وقلعة الظلم والاضطهاد في البصرة ، والتي يطلق عليها ازلام النظام " الليث الأبيض" وفي الوقت الذي وصلت فيه جموع أهل البصرة الغفيرة الى مديرية الأمن كانت هناك مجاميع تتبادل أطلاق النار مع رجال الأمن والحرس فيها جاءت من المناطق القريبة كالتميمية والطويسة والعشار ومن مختلف المناطق الأخرى، بعد أن عمت الانتفاضة كل البصرة تقريباً.
استمر تبادل أطلاق النار والمقاومة بين رجال الأمن والمنتفضين لعدة ساعات، الى أن أطلق شاب شجاع قذيفة RBJ7 فاشتعلت النيران في البناية، وتوالى أطلاق القذائف عليها وهجم المنتفضون واحتلوا البناية واطلقوا سراح السجناء السياسين منها بعد أن قتل الكثير ممن كان في البناية، من ضباط الأمن والحرس وتم القاء القبض على اثنين من الضباط ، وهرب الكثير كما عرفت فيما بعد، من الباب الخلفي أو السري للأمن، في ضل الظروف وفوضى الهجوم. وقد تم اعدام الضابطين مع مجموعة من ضباط المخابرات في حسينية التميمية.
ثم اتجه الثوار الى مركز المحافظة القريبة من مديرية الأمن، وتقع على نفس الشارع. وقد حرقها الثوار، واستولوا على مخازن الأسلحة الكثيرة فيها التي كانت موجودة في مركز شرطة المحافظة واطلقوا ممن كان من الموقوفين والسجناء فيه. كما اندفعت مجموعة من الثوار نحو مراكز الشرطة.
كان الوقت يقترب من التاسعة صباحاً، عندما وجه الثائرون أنظارهم نحو المخابرات الرئيسية في منطقة الرباط، والتي تقع على الشارع الرئيسي الذي يربط ساحة أم البروم ، وسط العشار بالمعقل. وفي وقت سابق كانت مناطق التميمية والخندق والطويسة والرباط والحكيمية القريبة من المخابرات قد انفجرت بعد أن وصلت لها أنباء انفجار الحيانية في ساعات الصباح الباكر. وقد توفرت لهذه المناطق وبالذات منطقة التميمية القريبة جداً من المخابرات فرصة كبيرة للحصول على كميات كبيرة أيضاً من السلاح. فهي تشرف على الجسر الهندسي الذي نصبه الجيش على ضفتي شط العرب،والذي يربط منطقة التنومة ( الضفة الشرقية لشط العرب) بمركز محافظة البصرة ( الضفة الغربية) عند نقطة ( حواش أصفر). وقد ساعد مرور الجيش عبر هذا الجسر، وتكدس عشرات الدبابات والقطعات العسكرية، وهي في طريقها الى التنومة، أهالي التميمية والخندق، والمناطق القريبة منها ، شراء كميات كبيرة من الأسلحة أو السيطرة عليها بالقوة بعد سماع أنباء الانتفاضة في الحيانية، فجر الثاني من اذار.
وهذا قد مكن أهل التميمية أن يلعبوا دوراً مهماً في الانتفاضة وخاصة الهجوم على المخابرات، أتاح لها قربها من المخابرات فلا يفصلها عنها سوى الشارع العام.كان أهالي التميمية ومن التحق بهم من أهالي الطويسة والخندق وحتى الحكيمية ، قد اندفعوا نحو معاقل النظام في ساعات الصباح الأولى، بعد وصول أنباء الأنفجار في الحيانية، وكان أول هدف لهم هو قيادة الجيش الشعبي في منطقة التميمية ولم يجد المنتفضون مقاومة تذكر، بعد أن هرب كل من كان فيها.
انطلق بعد ذلك المنتفضون نحو مقر قيادة حزب البعث، فرع البصرة الواقع في نفس الشارع الذي تقع فيه المخابرات، وهو من معاقل النظام المهمة. لقد كانت مقاومته قوية استمرت ساعة أو أكثر بعدما هرب وقتل بعض من المسؤولين البعثيين واستولى المنتفضون على مقر الحزب. ولم يبق بعد سقوط مقر حزب البعث ألا المخابرات، والتي لا تبعد عن مقر الحزب ألا مئات الأمتار لذا كانت أخر أهداف المنتفضين دار قتال بين الجانبين وبعد مقاومة دامت ساعات سقطت المخابرات. حين وصلت جموع أهل الحيانية الى مبنى المخابرات كانت شبه ساقطة بيد أهالي المناطق القريبة منها، ألا من نار متقطعة ومقاومة ضعيفة.ولم تصدر مقاومة من بناية المخابرات الكبيرة أو ما يسمونها "التشريفات" فقد هرب جميع من كان فيها عندما هجم المنتفضون على مقر المخابرات الرئيسية، لذا دخلها الثوار. وبسقوط المبنى سقطت دولة النظام خلال ساعات من الزمن واقام الثوار بعد ذلك لهم سيطرات في كل شارع ومنطقة.
أما المناطق التي تقع شمال البصرة، وضمن حدود مركز البصرة مثل مناطق الكزيزة وخمس ميل والمعقل والسكك والجنينة ونواب الضباط والقيادة البحرية وغيرها من المناطق التي تقع بالقرب منها، فقد وصلت اليها أخبار انتفاضة الحيانية واندفاعهم نحو مركز البصرة في الساعة السابعة تقريباً. وقد بدأت وقائع أحداث تلك المناطق عندما هجم أهالي منطقة الكزيزة ( تقع عند جسر الكزيزة، نهاية شارع سعد-الهارثة) نحو مناطق خمس ميل، والتي لايفصلها عنها سوى الشارع الرئيسي (ساحة سعد-الهارثة)
وكانت أولى أهداف المهاجمين مركز شرطة خمس ميل، حيث دخلوه واستولوا على ما فيه من أسلحة وعتاد بعد أن حرقوه. ثم اندفعوا نحو الفرقة الحزبية الرئيسية في خمس ميل، وهي فرقة خالد بن الوليد. وقد دار قتال بين من كان في الفرقة من الحزبيين، والمنتفضين استمر أكثر من ساعة قتل على اثرها ثلاثة من المسؤولين فيها، أمين سر الفرقة وعضو شعبتها وامين سر فرقة كرمة علي.
اندفع جمهور المنتفضين من خمس ميل والكزيزة ليلتحق مع جمهور منطقة المعقل والسكك والنجيبية، نحو مديرية أمن المعقل، المقابل لمحطة قطار البصرة، ودخلوها بعد قتل منتسبيها.
كما اقتحموا مقر شرطة المعقل، واستولوا على مافيه من أسلحة واطلقوا سراح الكثير ممن كان في سجن أمن المعقل ومركز شرطتها.كما قتل المنتفضون مسؤولاً حزبياً كبيراً في منطقة المعقل وكان عضو قيادة فرقة خالد بن الوليد، بعد أن اقتحموا بيته. كما قتلوا ضابطاً في المخابرات بعد أن أمسكه الثوار في النجيبية.
في الوقت الذي كانت فيه جموع المنتفضين تطيح بمعاقل النظام في المعقل والسكك كانت مجموعة من المنتفضين قد اتجهت نحو الأكاديمية البحرية في خمس ميل، وهي من المعاقل المهمة ألا أنها كانت محصنة بقوات كبيرة، لذا لم تسقط بل واجه المنتفضون فيها مقاومة. وقد حاول بعض ضباط الأمن فيها تشكيل قوة عسكرية مضادة للانتفاضة وقد قادها مسؤول الأكاديمية البحرية وقد هجموا على المنتفضين بالدبابات ألا أن المنتفضين صدوا الهجوم واستطاعوا قتل مسؤول الأكاديمية. وقد أبدى المنتفضون في هذه المعركة بسالة وعزيمة لا مثيل لها وساهمت النساء في هذه المعركة أيضاً. واستطاعت أحدى بطلات الانتفاضة في خمس ميل أن تفجر دبابة وتقتل ضابطاً. ظلت بعد ذلك الأكاديمية بعيدة عن الثوار كما لم يحدث منها أي تحرك ضد المنتفضين حتى دخل الجيش المدينة.
اندفع جمهور المنتفضين بعد سقوط أمن المعقل وشرطة السكك نحو القيادة البحرية وقيادة الفرع العسكري وكان أهل الجنينة ونواب الضباط قد وصلوها وقد سقطت هاتان القيادتان ولم تقاوما طويلاً. اتجهت انظار الثوار الى أخر معقل للدولة في تلك المنطقة واهم المراكز الحكومية، وهي المنظومة العسكرية التي تقع في منطقة الجنينة بالقرب من المستشفى العسكري. وقد استغرق سقوطها فترة، وواجه المنتفضون مقاومة فيها حتى اقتحمها المنتفضون بالقاذفات، والرمانات اليدوية واحتلوها، واخرجوا العشرات من السجناء من غرفها وكان الكثير منهم من الكويتيون الأسرى الذين اسرتهم القوات العراقية في أثناء احتلالها الكويت.وبسقوط معاقل النظام ومركزه الحزبية والعسكرية تكون البصرة قد سقطت بأيدي الثوار بعد أن أكمل ثوار الحيانية والتميمية والطويسة والخندق والرباط اسقاط معاقل الدولة الرئيسية هناك.
تكاد تكون الفروق الزمنية بين فترات اندلاع الانتفاضة في مناطق البصرة المختلفة والتي يشملها مركز المحافظة، والمناطق المحيطة به ضئيلة بين ساعة تفجرها في الحيانية وانتشارها الى هذه المناطق.
فقد عمت الانتفاضة كل مناطق البصرة في ساعة لا تتجاوز السابعة صباحاً، أما المناطق التابعة لمحافظة البصرة، والتي تقع خارج حدود مركز المحافظة، كناحية الدير والقرنة والمدينة والهوير، ومناطق الضفة الشرقية من شط العرب، الزريجي والنشوة وعتبة والجباسي وغيرها. فقد تأخر وصول أنباء الانتفاضة لها قليلاً، ولم تتجاوز الساعة التاسعة صباحاً حتى اشتعلت كل هذه المناطق بنيران الانتفاضة وسقطت كل مراكز الشرطة والامن فيها.
أما منطقة شط العرب، والتي تشمل منطقة التنومة، وناحية الدعيجي والبوارين ونهر جاسم، ومناطق بيت جنعان، فقد اشتعلت فيها الانتفاضة بحدود الساعة التاسعة صباحاً، وقد بدأت في منطقة التنومة أولاً ثم انتشرت أخبار الانتفاضة الى بقية مناطق شط العرب بسرعة هائلة.
أما وضع الانتفاضة في الزبير فلم يشهد وقائع مثيرة. فبالرغم من أن الزبير كانت مفتاح دخول القطعات العسكرية الى البصرة، وطريقها الوحيد نحو ساحة سعد ألا أن هذا لم يفجر شرارة الانتفاضة، ويشعل نيران التمرد فيه. كما لم تحدث في منطقة الزبير مقاومة، واحداث قوية للمنتفضين، ضد الجيش، حتى بعد التحاقها بالانتفاضة في يومها الأول، وقد كانت نشاطات المنتفضين فيها ضعيفة، وانضم أغلب منتفضيها الى نشاطات أهالي البصرة ( المركز).
وعلى عكس منطقة الزبير ، فأن نشاط أبي الخصيب كان قوياً في أحداث الانتفاضة، بعد أن وصلتها أخبارها في ساعات الصباح الاولى، ولم تتجاوز الساعة العاشرة صباحاً، حتى سقطت جميع مناطق أبي الخصيب.
بدأت أخبار انتفاضة البصرة ( المركز) تنتشر بسرعة الى المناطق البعيدة عن مركز المحافظة ، مثل ناحية الهارثة والدير والشرش والقرنة والمدينة والهوير، في الضفة الغربية لشط العرب، ومناطق الزريجي والنشوة والشلامجة وناحية عتبة وغيرها في الضفة الشرطية لشط العرب. لقد كانت ناحية الهارثة أول مناطق الضفة الغربية لشط العرب، من خارج المركز، تشتعل بنار الانتفاضة، فقد هب أهالي الهارثة نساء واطفالاً ورجالاً في الساعة الثامنة صباحاً الى الشوارع، يهتفون بسقوط صدام حسين، ويمزقون صوره والجداريات التي وضعت في الشوارع له، كما هاجموا الفرقة الحزبية هناك، وقد قتل المنتفضون عند جسر النجيبية ضابط مخابرات كان يحاول الهرب. وقد لعبة العشائر في الهارثة دوراً كبيراً وخاصة عشيرة عباد وبرز منها حجي خيرالله في دفاعه عن الانتفاضة، وقد استشهد وهو يقاتل عندما زحف الجيش على المقاتلين في المدينة.
وقد طارت أخبار الانتفاضة الى الزريجي والنشوة والشلامجة وناحية عتبة في الضفة الشرقية لشط العرب، وهذه المناطق هي من مناطق الريف البصري، واغلب سكانها من عشائر حلاف السويجت والباهلة، وآل منصور والسواكن. فهبت هي الأخرى ضد النظام واندفعت تهتف بسقوط صدام ونظامه، وقد مزق المنتفضون صور صدام في مركز ناحية النشوة وكل ما يمت الى النظام بصلة، كما هجموا على المعسكرات الكثيرة هناك ( الفرقة السادسة المدرعة والخامسة والحادية عشرة للاستيلاء على السلاح. وقد أحرق المنتفضون المكاتب الأدارية والامنية لتلك الفرق، ومحتوياتها وسيطروا على مشاجب الأسلحة فيها وقد غنموا الكثير من الأسلحة الخفيفة.
وفي الوقت الذي انتفضت فيه هذه المناطق كانت ناحية الدير قد اشتعل لهيب الانتفاضة فيها، وهجم المنتفضون على ما فيها من مراكز للسلطة، وهي مركز شرطة الدير، ودائرة الأمن فيه، والفرقة الحزبية كذلك اقتحم المنتفضون بدافع الحاجة وشحة المواد الغذائية في ذلك الوقت ، مراكز تموين النشوة، التابع لناحية الدير واستولوا على مافيه من مواد غذائية كثيرة دون قتال.
كان الوقت قد تجاوز الساعة التاسعة صباحاً عندما انتفضت مناطق الشرش والقرنة، وبني منصور والمدينة والهوير، وغيرها من المناطق القريبة منها.
وقد كانت مراكز الشرطة ومقرات الحزب، ودوائر الأمن ، أهدافاً للمنتفضين وقد كان دور شيوخ العشائر والسادة عظيماً في تلك المناطق كما كان دورهم مشرفاً في الدفاع عن الانتفاضة ضد الجيش.
حين أفاقت التنومة من نومها صباحاً كانت البصرة تشتعل بالثورة واوشكت حكومة النظام أن تنتهي هناك. عندما قتل صمت التنومة واهلها، صوت جندي شجاع من أهالي ديالى، وهو يصرخ باعلى صوته، ويطلق النار الى الفضاء في وسط التنومة (سوق التنومة) وبالضبط مقابل بيت سعد عودة منيخر السعدون ويصيح " صدام مات..وانتم نايمين، والمناطق انتفضت" وقد أثار هذا الفعل صمت الجميع، وبدد مخاوفهم ، ونبهم الى غفلتهم وقد زادهم ، رد فعل سعد عودة منيخر عندما أطلق النار من رشاشته على الجندي فقتله، وجرح آخر من أهل التنومة. وحين سمع الناس ثارت النفوس المكتضة بالالم واندفع أهل التنومة الى المنظمة الحزبية ودائرة الشرطة والامن فيها، وظهرت مظاهرة في أثناء ذلك يقودها أحمد السعدون وقد سقطت الفرقة الحزبية، ومقر الشرطة والامن بسهولة وهرب أغلب أفراد الأمن. أما سعيد عودة منيخر فقد هرب هو وافراد عائلته الى الحلاف ومنها الى الجنينة. وعاد بعد أيام وكان يطلق النار على المنتفضين في الليل ثم ألقي القبض عليه وقتل. وهجم الثوار على بيت مفوض للامن وبعد قتال طويل ظل فيه يقاوم الى أن نفذ عتاده فقتلوه.
أصبحت أغلب مناطق البصرة تحت سيطرة المنتفضين بعد الساعة الثانية عشر من يوم ١٩٩١/٣/٢ وخاصة تلك المناطق ذات الكثافة السكانية ويشملها المركز، وبعد أن سقطت مؤسسات النظام المهمة كالمخابرات ومديرية الأمن، ودوائر الشرطة والمحافظة وغيرها. ولم تبق ألا بعض الجيوب في داخل المدينة والشوارع الرئيسية خارج المدينة، لأن كثافة الجيش فيها لا تسمح لمثل هذا. وقد كانت هذه الشوارع والبؤر عصب الحياة التي بدأ النظام يعيد تشكيل نفسه فيها. حيث أصبحت فيما بعد وسيلة حركة علي حسن المجيد والقطعات العسكرية التي كانت تحت امرته، وهي المناطق التي لم يؤسس فيها المنتفضون نقاط قوة لهم."
وكما أشرنا أعلاه فقد ورد عن انتفاضة البصرة في الرواية الرسمية في كتاب "المنازلة الكبرى وقائدها " لحميد سعيد، عبدالجبار محسن وعبد الأمير معلة "كانت حوادث الشغب في مدينة البصرة قد بدأت بعد منتصف ليلة ١ اذار ١٩٩١ باقتحام سجن البصرة وتهريب السجناء والتعرض على منظومة استخبارات المنطقة الجنوبية ومراكز الشرطة والدوائر الرسمية والمستشفى العسكري، واكثر هذه الحوادث جرت في منطقة الحيانية ومنطقة ٥ ميل. وقد تم أشعار قيادة قوات الحرس الجمهوري من قبل المركز المتقدم للقوات المسلحة، لأرسال قوة الى المناطق المذكورة وكذلك قطعات الفيلق الثاني لمعالجة الموقف والسيطرة عليه."
وورد في افادة الفريق الركن سلطان هاشم في جلسة تحقيق الانتفاضة عن انتفاضة البصرة " ابتدات الأحداث في البصرة في يوم ٢ اذار ١٩٩١. ابتدأت في منطقة الحيانية في البصرة وكذلك الجمهورية والخمسة ميل، وشملت القرنة ومركز المدينة أيضاً. تم حرق السجن والمحافظة. كنت في البصرة لكوني معاون رئيس الأركان وعضو المقر المتقدم للقوات المسلحة. استمرت الأحداث في البصرة لمدة يومين باستثناء التنومة حيث استمرت الى يوم ١٢ اذار." بينما ذكرالفريق سعدي طعمة عباس الجبوري في المحكمة أن أحداث البصرة استمرت أربعة أيام حيث ورد في افادته " في ٢ اذار ١٩٩١ ابتدات أحداث البصرة وبالتحديد في الحيانية، الجمهورية، التنومة والخمسة ميل واستمرت أربعة أيام".

انتفاضة محافظة ذي قار
ورد في كتاب طارق حربي " انتفاضة آذار في محافظة ذي قار"عن الانتفاضة فيها "كنت قرب حطام الجسر الإنكليزي القديم، الرابط بين ضفتي نهر الفرات في مدينة الناصرية، والذي حطمته طائرات التحالف قبل عدة أيام، حيث أحدثت مجزرة رهيبة، راح ضحيتها المئات من المدنيين غرقاً، وكانوا عزلاً يعبرون على الجسر بعد نهاية الدوام الرسمي للدوائر والمدارس.
كنت أثناء حدوث الغارة هناك، وكان آلاف من العسكريين العراقيين (قيادات ومراتب) يتجمعون بإنتظار القوارب الصغيرة لعبور النهر، في عين الوقت الذي كانت فيه إذاعة بغداد تنبح، مبررة ماسمي بإنسحاب الجيش العراقي من الكويت.
وبدا صوت الرئيس أجش وهو يعلن بصفاقة الإنسحاب المهين، وكان الجنود المنهزمون يتطلعون بحزن إلى حطام الجسرين الكبيرين المحطمين : الإنكليزي والسريع، وسمعتهم يرددون بلهجة شعبية ساخرة ( منين العبرة ...ياصدام!؟)،
هذا في الوقت الذي كانت فيه الصحراء والمدن الجنوبية تسبح بدماء الآلاف من أبناء العراق، وهم يقضون بوابل من قنابل وصواريخ طائرات قوى التحالف، إلا أن البقية من الحفاة المنكسرين في حرب لم تحدث، أثاروا الشفقة في قلوب المدنيين وهم
يبيعون أسلحتهم الشخصية بأبخس الأثمان، وذلك لشراء ثياب مدنية، حسبوا أنها تقيهم شبهة كونهم عسكريين للتخلص من غضب الطائرات المعادية التي كانت تتابع مشاهد الهزيمة بالمزيد من الصواريخ والقنابل، مما أثار استهجان وغضب العراقيين ممن يحرصون على مصلحة بلدهم وسمعته.
لا اشك رغم الطغيان والقسوة في قمع العراقيين من وجود معارضون سياسيون يحتمون في أعماق الأهوار، البعيدة نسبياً عن مراكز السلطة وثكنات الجيش، وهؤلاء المعارضون على قدر عال من التنظيم والشجاعة والصبر، والسلطات المحلية وأبناء البلدات القرية من سواحل الأهوار، يعلمون بأماكن تواجد هؤلاء، بل حتى بقدراتهم وتحضيراتهم العسكرية،حيث كانت السلطة متمثلة بالجيش مرة وبقوى الأمن الداخلي مرة أخرى، تشن بين وقت وآخر غارات على تلك التجمعات، التي تقاوم مرة وتختفي مرة أخرى، مشكلة مصدر إزعاج وتهديد دائمين لتلك السلطات، ولذا فقد كانت هذه المجاميع تشكل خطراً دائماً على السلطات المحلية والمنظمات الحزبية، لاسيما في المدن والقصبات القريبة من الأهوار، وفي تلك الظروف المؤاتية كانت الجماهير في مدن الجنوب المنكوبة، ومن بينها مدينة الناصرية، تعلق الآمال على تلك الجماعات، للقيام بعمل ما، وبالفعل فقد قامت الأخيرة المكونة من شباب متحمسين بالإتصال ببعض وجهاء العشائر وشيوخها، وكذلك ببعض الناقمين على السلطة ، بغية الحصول على تأييدهم ومساندتهم، قبل اندلاع الشرارة الأولى للإنتفاضة، وما إن تم ذلك حتى انطلق أولئك الرجال في صبيحة الأول من آذار، بإتجاه مراكز السلطة والحزب في القصبات القريبة، فسقطت بأيديهم ناحية (الطار)، بعد معركة بالأسلحة الخفيفة لم تستمر طويلاً ضد الرفاق البعثيين، ليتوجهوا بعدها مباشرة إلى ناحية (الكَرمة)، وناحية الفهود وغيرهما من القصبات، لتبدأ فيها مواجهات أكثر عنفاً من سابقتها، وتنتهي بسيطرة الثوار على مراكز السلطة (مخافر الشرطة والمنظمات الحزبية ودوائر الأمن) وغيرها من مؤسسات النظام القمعية.
بحسب التقسيمات الإدارية، فإن قضاء سوق الشيوخ هو أكبر أقضية محافظة ذي قار،ويبعد عن مركز مدينة الناصرية حوالي (٢٩)كم إلى الجنوب منها، ويحتضن هذه المدينة فرع نهر الفرات الرئيسي، وقد زحفت قوات التحالف حتى وصلت إلى تخوم مدينة سوق الشيوخ، وعسكرت فيها، بل توغلت بعض التشكيلات العسكرية الأمريكية إلى الشارع العام، الذي يربط القضاء بمدينة الناصرية، وأقامت نقطة سيطرة عسكرية مهمتها التفتيش عن الأسلحة، وهذه السيطرة هي نفسها التي ستمنع المنتفضين، بعد اندلاع الإنتفاضة في الأول من آذار، من مواصلة الطريق إلى مدينة الناصرية.
كان اليوم الأول من آذار يوماً ربيعياً مشمساً، خاصة بعدما تلاشت في الفضاء أعمدة الدخان والضباب القادمة من الكويت، نتيجة حرق الطاغية لآبار النفط فيها، وبدت الشمس في الأول من آذار مشرقة تماماً، والمدينة على غير عادتها تغص بأهلها، حركة دائبة، رجال قلقون صدورهم موغرة بالحقد والسخط على النظام ورأسه، مليئة بنداءات الثورة بإنتظار حدث ما، عيون تنم عن استياء عارم وأصوات خفية تدندن بحذر مرثية المأساة طويلة الأمد !
كنت أراقب المشهد وأحرض الناس هنا وهناك، بحذر وهدوء كان الناس يتبادلون الكلمات التي تبشر بقدوم ثورة وثائرين من الأهوار، كانوا أسقطوا ناحية (الطار) و(كَرمة بني سعيد) وهم قادمون بإتجاه قضاء سوق الشيوخ، في تلك اللحظات الحرجة كانت أجهزة النظام القمعية مرتبكة وخائفة، وكان عناصر أجهزة الأمن والحزبيون، يستجدون من عيون الناس نظرات الإستعطاف، ماذا سيفعلون!!؟ فالثوار قادمون، والمدينة كلها ستهرع وتستقبلهم وتساندهم، إن لم تنتفض وتثور قبل وصولهم، بالنسبة إليهم كان أهم شيء، في تلك الساعات الحرجة، هو تأمين ملاذ آمن ينجيهم من البطش الجماهيري.
ما أن انتصف النهار في مدينة سوق الشيوخ، حتى بدت المدينة وكأنها خالية من السلطة، أو هي كانت كذلك فعلاً. في الساعة الثانية عشرة ظهرا انطلقت المظاهرات في سوق الشيوخ. كنا مجموعة تتألف من ٥٠ رجلا، أدركنا مبنى القائممقامية ولم يتصدى لنا أحد، فاقتحمناه وقمنا بإطلاق سراح السجناء فيه بصرخات مدوية :الله أكبر لا إله إلا الله، وبعد قليل التحق إلينا المئات من رجال سوق الشيوخ، ثم انقسمنا إلى مجموعتين :
المجموعة الأولى اتجهت إلى بناية الشعبة الحزبية. والمجموعة الثانية انطلقت بإتجاه دائرة الأمن. فيما اقتحمت تظاهرتنا مبنى الشعبة الحزبية، انطلقت مجموعة من الرجال في تظاهرة أخرى، هاتفين منادين بسقوط الطاغية وب(لاإله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله)،والتحقت بنا تظاهرة أخرى عارمة وصلت من مركز المدينة، وهكذا كبرت التظاهرة بما انضم إليها من أعداد أخذت تتزايد بمرور الدقائق، وخرج الناس الى الشوارع الرئيسية والفرعية ليعودوا إلى وسط المدينة من جديد، وبعد اقتراب المظاهرة من بيت أحد المسؤولين الحزبيين ويدعى(عبد الحسين حافظ) رأى بعض الرجال مداهمة البيت حيث كان قابعاً في داخله، وفي محاولة منه للخلاص بعدما رأى المتظاهرين يحيطون بالبيت قام حافظ بإطلاق الرصاص دفاعاً عن نفسه، فسقط في الحال ثلاثة من المتظاهرين استشهد أحدهم ويدعى (حربي) في المستشفى، ليكون أول شهيد في مدينة سوق الشيوخ، فيما اعتلى حافظ بيتاً مجاوراً، ووثب لائذا بالفرار بعد تكثيف نيران الثوار بأسلحة الكلاشنكوف وقاذفات الآربيجي 7 بإتجاه البيت، وهكذا استقر الموقف بعد هذه العملية لصالح رجال الإنتفاضة، لتعم المدينة تظاهرات عارمة تضاعفت فيها جموع الناس، وشاركت فيها أعداد من النسوة قمن بتقديم الطعام والماء،وإستقبال الحدث العظيم بالزغاريد وصيحات (الله وأكبر لاإله إلا الله ماكو ولي إلا علي)، ثم اتجهت الجموع المبتهجة إلى سيارات الحمل وبعض السيارات الخاصة!
لقد كانت النية معقودة على أن تتجه قافلة السيارات المليئة بالمتظاهرين إلى مدينة الناصرية، لكن بعد بضعة كيلومترات اعترضت طريق القافلة السيطرة العسكرية الأمريكية، التي سارعت إلى تجريد المتظاهرين من أسلحتهم، تحت تهديد السلاح، وأمروهم بالعودة من حيث أتوا، بحجة أن تلك السيطرة ليس لديها أمر بالسماح لهم بالمرور إلى مركز مدينة الناصرية، وهكذا عاد المتظاهرون إلى سوق الشيوخ، ليتوجهوا في اليوم التالي وبمحاذاة الجانب الثاني لنهر الفرات- متحاشين المرور بالسيطرة الأمريكية- إلى مدينة الناصرية!
لقد غمر الناس في تلك الليلة فرح عظيم مشوب بشيء من الحذر، لاسيما وان مركز مدينة الناصرية، لم يكن تحرر بعد من قبضة النظام إلا أن الثوار من أبناء سوق الشيوخ، استطاعوا أن يجعلوا لهم مركزاً ومقراً رئيسياً وسط القضاء، في إحدى الحسينيات التي كان النظام أمر بإغلاقها من قبل، كما أن الرجال أعدوا معتقلاً لمن يلقى القبض عليه من عناصر قوى الأمن والحزبيين، ونهض المنتفضون بمسؤولية توزيع المجاميع المسلحة في مفارق الطرق وأزقة المدينة ومركزها، وشرعوا بالعمل الدؤوب حتى الصباح تمثل في ملاحقة الحزبيين وعناصر قوى الأمن ومرتزقة النظام، وقد ألقيت القبض مع أفراد مجموعتي على أربعة من عناصر مديرية الأمن في مدينتنا، بعد محاولتهم الفرار ليلاً، وزجوا في أحد المعتقلات بإنتظار التحقيق معهم.
في صبيحة اليوم الثاني كان الهدف التالي للإنتفاضة هو مدينة الناصرية، وفعلاً اندلعت الإنتفاضة هناك بعد معركة فاصلة لم تستمر أكثر من ساعة ونصف الساعة واقتيد مسؤولو الحزب والدولة فيها بسيارات الحمل إلى قضاء سوق الشيوخ، بعد قتل محافظ الناصرية على يد أحد المنتفضين قرب بيت السيد راضي.
بصيحات الله أكبر، استقبل أهالي مدينة سوق الشيوخ الرفاق البعثيين وعناصر الأمن المربوطين بالحبال، المحشورين حشراً بسيارات (الحمل) القادمين من الناصرية، وهجم الناس عليهم وهم على ظهور السيارات، ولم نستطع تخليصهم من أيدي الأهالي وزجهم في المعتقل إلا بشق الأنفس، حيث تناولهم الأهالي بالضرب والشتائم والتذكير بظلمهم".
وعن السيد راضي ورد في موضع أخر من كتاب طارق حربي" اذا كان مبنى محافظة ذي قار يمثل روح المدينة، فإن بيت السيد راضي يمثل قلبها النابض، ذاك من وجهة نظر الحكومة، وهذا من وجهة نظر أبناء الناصرية المنتفضين، قلب ضخم ينبض وسط المدينة : فيه العلم والأدب والفقه والتزويج والطلاق وفض النزاعات بين العشائر، من هذا كله كان بيتاً يهابه الناس ويحترمونه. حول البيت تجمع الناس بعد اندلاع الإنتفاضة، أما في داخله فقد كانت تجري مناقشات وحوارات وتخطيط لعمليات عسكرية، للإنقضاض على ماتبقى من فلول البعثيين،وبعد ذلك الإلتفات إلى تدبير شؤون المدينة التي غرقت في الظلام، جراء قصف دول التحالف للطاقة الكهربائية، وأخيراً في الإستعداد لمجابهة القوات التي ستستبيح المدينة بعد حوالي إسبوعين من اندلاع الإنتفاضة. بيت في وسط المدينة، تمر من أمامه أهم شوارعها : النيل والحبوبي (إكراماً للثائر شاعر ثورة العشرين السيد محمد سعيد الحبوبي)، وبين مبنى المحافظة والبيت حوالي ٥٠٠ متراً، وبجانب البيت مدرسة قرطبة. مدرستي التي ستكون سجناً فيما بعد لأعداء الانتفاضة، وكان زميلي فيها السيد عبد المطلب محمد حسين ابن السيد محمد السيد حسين السيد راضي صاحب البيت!؟ البيت الذي سيضع فيه الديناميت الحرس الجمهوري ويفجرونه بعد استباحة المدينة !
السيد راضي رحمه الله خريج السطح الثالث من دراسات الحوزة العلمية في النجف الأشرف، بمرتبة حجة الإسلام والمسلمين، وأحد وكلاء آية الله العظمى السيد محسن الحكيم، وتولى شؤون البيت السيد محمد حسين نجل السيد راضي، فورث عمامة أبيه، ولم يكمل دراسته في النجف. وقدم السيدان من ذلك البيت الموقر،حلولاً ناجعة للمشاكل التي كانت تنشأ عادة بين عشائر الناصرية، وكذلك بعضاً من مشاكل أبناء المدينة، ممن لهم صلاة دينية وروحية مع البيت وأهله. زوج البيت آلافاً من الناس وطلق آلافاً بعقود موقعة ومختومة، من السيد الأب والإبن اعتمدت فيما بعد على صدقها المحكمة الشرعية، ولم يتوقف السيدان عن تقديم الفتاوى الشرعية والفقهية وأمور الدين الأخرى، وهكذا عرف أبناء المدينة طريقهم إلى عتبة البيت وكان مصراعاه مفتوحين للجميع - نساء ورجالاً وشيوخاً وأيتاماً وأرامل-، زواج وطلاق وإقامة حد ونفقة وتبنٍ وإصلاح ذات البين وإعادة المرأة إلى بيت الزوجية والرجل إلى زوجته وأطفاله، وكان للسيد محمد حسين مسجد يؤم الناس فيه للصلاة كل يوم غير بعيد عن بيته.
ولكيلا نبخس الرجل حقه، فإن موقفه من الإنتفاضة ربما يشفع له بين قطبي الأخذ والرد، حول اتهامات بعلاقة ما مع الحكومة، فقد كان الرجل ومن دون سابق موعد، فوجىء أن بيته تحول برمشة عين، إلى غرفة حركات وعمليات للإنتفاضة، وقبلة لمواطني المدينة المنتفضين، وبقدر مايهمنا من أمر البيت (الموقع في قلب المدينة والحضوة الدينية والمهابة) فإنه يعنينا أيضاً أن نؤكد أن المنتفضين الشبان الذين وصلوا للتو من الأهوار، وحرضوا الناس على قيام الإنتفاضة، قد اتخذوا هم أنفسهم من بيت السيد راضي، ومنذ اليوم الأول، مقر عمل ومشاورة واجتماعات وقاعدة انطلاق لإعمار المدينة المخربة بالقصف، وكذلك للجهاد ضد الحرس والجمهوري فيما بعد على أبواب المدينة وفي شوارعها.
إلى البيت توافد أبناء المدينة، ووقفوا حوله بعد الإنقضاض على مؤسسات البعث ودوائره الإرهابية منذ اليوم الأول، وحد الناس وجدان واحد وهو الوجدان الوطني والديني والفطرة والحدس، حتى كأنهم يطبقون دون أن يعلموا واحدة من فرضيات علم النفس (غريزة الإهتداء إلى البيت ) أمام بيت السيد راضي اكتشفت بطولات عراقية. تعرفت إلى رجال من نمط خاص ماكان لي أن أتعرف إليهم، لولا حدث كبير مثل الإنتفاضة، وتمظهر روح عراقية جديدة، كنت إلى وقت قريب فقدت الثقة بظهور شبان عراقيين من النمط الذي أنتجته الثلاثينات والأربعينات والخمسينات من القرن العشرين،وفي ذلك كدت أقطع كل أمل خلال ربع قرن تقريباً، كيف إذن تغير كل شيء وانقلب الرجال وبرزت إلى السطح جواهر نقية، تلك حكمة الشعوب وشعبنا حي أبدا.
فاض المنتفضون من روح المدينة وضمير الشعب، كل يعبر عن كراهيته للنظام ويتوحد بالجموع أمام بيت السيد، تناسى الناس خلافاتهم إن وجدت، لقد تحملت الناصرية قسطها الأوفر من الإحباط السياسي وجريمة الإهمال المتعمد، الخبيث والمبرمج من قبل النظام ، فهي مدينة بلاعمران ولاخدمات انسانية تدعم شروط الحياة وتنميها، أما مواطنوها فقد تلقوا صدمات الأحزاب وانكساراتها المفجعة وصراعاتها، فإنعكست على حياتهم، وماكادوا أن يفيقوا من تلك الصدمات حتى لطمتهم فكرة الحزب الواحد، والفراغ السياسي وجنون النظام الشمولي الذي لجم كل القوى الوطنية وتصدى للشرفاء والوطنيين. الإنتفاضة من جانبها امتحنت الجميع بدرجة واحدة وهي درجة الإنتماء للشعب والوطن. كنا نرى في الإنتفاضة الوليدة مصيرنا ووجهنا الجديد. المهنئون بانتصار الإنتفاضة، من غير المنتفضين، يفدون إلى بيت السيد راضي كل لحظة : وجهاء المدينة كبارها صغارها فقراؤها معدموها مترفوها معدانها أفنديتها متعلموها فنانوها وشعراؤها."
وعن أسر الفريق نزار الخزرجي في الناصرية ورد في نفس الكتاب " بعد معركة ضارية بمختلف أنواع الأسلحة الخفيفة،استمرت من الساعة الحادية عشرة صباحاً حتى الساعة الثامنة مساء من يوم السبت الثاني من آذار ١٩٩١، وبعد ملحمة بطولية وقتال مشرف،قدم منتفضو الناصرية صوراً خارقة من التضحية وبذل النفس (كانوا يرون في الخزرجي صورة لسيده)،سقط الخزرجي وزمرة من مرافقيه وحمايته (مرافقوه من ذوي الرتب العالية)، سقط مصاباً إصابة خطيرة، حيث تلقى عدة ضربات في بطنه ومثانته، وفور وصوله إلى المستشفى الرئيسي في المدينة، والمسمى بإسم سيده تهللت الوجوه وطغى فرح عظيم وسط أهازيج العاملين والكادر الطبي والمواطنين.
كان الخزرجي بكامل وعيه وقد أدهشه فرح الناس، وراح يتلمس منهم العفو والمغفرة، راجياً عدم الإعتداء عليه أو الإساءة له لأنه رجل (مسلم) كما كان يقول، بعد ذلك بدقائق أغمي عليه نتيجة لنزف شديد، فأدخل مباشرة إلى صالة العمليات، وأجريت له عملية جراحية كبرى استغرقت عدة ساعات، وقام بها كل من الدكتور ربيع عبد الهادي آل فندي والدكتور عصام الدين عبد الصاحب.
مضى يومان بعد إجراء العملية لم يفق خلالهما الخزرجي إلا دقائق قليلة، تفوه خلالها بكلمات غامضة غير واضحة، وحاول الإنتحار مرات عديدة وهو على سرير المرض، وذلك برفض تناول العلاج وسحب الإنبوبة الخاصة بجهاز الإعطاء (المغذي).
كنت مشرفاً على علاجه، وأتناوب مع السيد عبد الله بنيان أبو موسى حمايته واستجوابه في نفس الوقت، وحاولت إفهام الخزرجي خطأ محاولاته الإنتحار، وكان في نوبات إفاقته المتقطعة يسألني عما وقع له، ولماذا تعرض ومن معه للحصار في دائرة الطرق الجنوبية؟، وماسبب الهجوم على مقر إقامته!؟.
حاولت قدر ماستطعت إبعاده، بطريقة ما عن استعادة الحدث وماجرى له، بل رحت بدلاً من ذلك أشرح له معنى الإنتفاضة،وقيمتها في حياة الشعب العراقي، ورفض الشعب للنظام الدكتاتوري القمعي الذي هو شخصياً أحد أركانه، ثم أوضحت له خلال جلسات عديدة أهمية بقائه حياً، كونه عسكرياً كبيراً، وقد تحتاج الإنتفاضة إليه لوضع الخطط للقضاء النهائي على الدكتاتور في بغداد.
لكنه كان يلح في طلب إبنه الملازم أحمد، وكان الأخير أسر معه واقتيد إلى سجن الإنتفاضة الكائن في مدرسة قرطبة الإبتدائية للبنين، حيث تم استجوابه هناك مع ثلة من مرافقي والده، لكن أحمد لم يصب بأذى.
بعد ثلاثة أيام نقلنا الخزرجي من الطابق الثاني إلى الطابق الخامس،في نفس المستشفى مع مجموعة من الضباط الجرحى، وكان تضايق كثيراً من وجود هؤلاء معه، نظرا لغلاظة طبعه وخشونته، ورفضه الإختلاط بمن هم دونه في الرتبة العسكرية، حيث مازال تعاليه وعنجهيته وغروره واضحاً، ولم يفارقه رغم وقوعه في الأسر وإصابته، وربما زاد في ذلك تعاملنا اللين والطيب معه!
طالبني ذات ليلة بقتله لإعتقاده بأنه لم يعد نافعاً، ولأنه مجرم بحق الشعب العراقي ويستحق القتل، لكني أقنعته وذكرته بالمزيد من آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، حول أهمية الحياة لبني الإنسان وكراهية الإنتحار بالنسبة للمسلم.
في ليلة أخرى نقلناه إلى الطابق السادس بموجب الأوامر الصادرة إلينا من قيادة الإنتفاضة، حيث ظل بمعزل عن أقرانه الجرحى وبعيدا عن ملاحقة المواطنين له، وكذلك لغرض الراحة والنقاهة، بعدما لاحظنا تحسناً ملحوظاً طرأ على صحته شيئاً فشيئاً، لكن الحراسة ظلت مشددة على غرفته، وزيد حرسان آخران فصاروا أربعة.
في الليلة الثالثة أطلق مجهول صلية (كلاشنكوف) على غرفته فاستدعيت السيد عبد الله بنيان الموسوي،الذي ساعد كثيراً في حماية الخزرجي طوال ايام وجوده معنا، وكان له دور كبير في إدارة المستشفى، وهكذا كتمنا على وجود الخزرجي حوالي ست ساعات بعد نقله إلى الطابق الرابع، في مكان خاص ومنزو وسط ذهوله مماجرى، مادفعه لأن يظهر لنا عواطف مغايرة، وتخلى ولو لبضع ساعات عن صلفه وغروره، وعنجهيته كعسكري، وأكثر من ذلك راح يتملقنا ويتودد إلينا، ربما كان يظن بأن بقاءه حياً ماهي إلا قضية وقت ليس إلا.
خلال الأيام الثلاثة الأولى تعرض الخزرجي للإهانات والكلمات الجارحة، من قبل المواطنين الذين كنا بالكاد نتحايل عليهم، وندفعهم بالأيادي عن باب غرفته، وكان هؤلاء المواطنون يريدون قتله وهو على فراش المرض، لتسببه في سقوط عدد من الشهداء والجرحى من أبناء المدينة، خلال عملية أسره ومقاومته هو ومن معه من الضباط والمراتب.
خلال مراحل استجوابه على سرير المرض قال الخزرجي، في الفترات التي كان يصحو فيه، إن مهمة وجوده في الناصرية هي لحماية أعراض العراقيين!، وإن إشاعة وجوده لإعدام الف شخص يومياً بأوامر صدام، مجرد كذبة، لكنه عاد مرة ثانية ليقول بصدق تلك الأوامر بعد أيام!!
في اليوم الرابع زاره السيد رشيد ابن السيد يوشع ابو رسول احد قادة الإنتفاضة في الناصرية، مهنئا بسلامته واستعادة صحته، وبعد خروج السيد سألني الخزرجي: هل هذا هو قائد الثورة في الناصرية؟ فأجبته بالنفي بسبب تماديه واستهزائه به، وكنت شخصياً أعرف شجاعة أبو رسول وشهامته، مقابل دناءة الخزرجي ودمويته بإعتباره أحد صناع الموت في العراق.
سألني في أحد الأيام: قل لي هل أُعفى من الموت إذا نجحت الإنتفاضة!!؟
وهل أعود سالماً إلى أهلي ببغداد!!؟
قلت له: ذلك ماتقرره قيادة الإنتفاضة ولاأظن أن أحداً سيأمر بقتلك، إذا ماأبديت استعداداً لمساعدة الإنتفاضة!؟
ومما أذكره في اليوم الذي أشيع فيه مقتل الطاغية، أن أفكار الخزرجي تغيرت كلها تقريبا، وكأن ضميره صحا بعد غفلة سنين طويلة، فأظهر مافي جعبته من الحقد والكراهية على الطاغية سيده، وكيف كان الأخير مستهزئاً بكل القيم، ومضى ينتقد النظام ورئيسه وجهاز المخابرات بشدة، وأكد لي مرات عديدة أنه مع الإنتفاضة ومع الشعب ضد الطغيان، وكنا نتحاور ساعات طويلة حول قيام صدام بإعدام السيد الصدر الشهيد وأخته الفاضلة، ومن العجيب حقا أن الخزرجي أنكر معرفته بأسميهما!!، وبلا سبب واضح أجهش ذات مرة بالبكاء ولاأدري أن كان صادقاً أم لا، وفي اليوم التالي سألني عن شخصي ومن أكون وماطبيعة علاقتي بالإنتفاضة!؟
قلت له بأن إرهاصات الثورة موجودة في وجدان وضمير الشعب العراقي، وأنا واحد من عموم هذا الشعب.
في صباح يوم الجمعة غادرت المستشفى كعادتي لجلب الأدوية وقناني الأوكسجين، رغم القصف المبرح للمدينة ، واحتلال أجزاء منها، وسقوط شهداء وجرحى في صفوف أهالي الناصرية.
وحدث بعد ذلك ماحدث: تهبط طائرة عمودية على المستشفى الذي احتلته قوات الحرس الجمهوري، وتدور رحى معركة ضارية في الطابقين الخامس والسادس بين الحرس والمنتفضين، ويصعد الخزرجي إلى الطائرة ويؤخذ إلى بغداد، وهو ما أكده لي طبيبان زميلان التقيتهما في مكان ما في الناصرية بعد عدة ايام."
من جانب السلطة فقد ورد عن الانتفاضة في محافظة ذي قار 
في تقرير عضو قيادة فرع الرافدين بتأريخ ١٩٩١/٣/٩ 
"أن مجموعة من ١٠ أشخاص من الجنود الهاربين ومن عشيرة ال جويبر هاجمت ناحية الطار واستولت على الأسلحة وبدون مقاومة نهائياً. توجهت هذه المجموعة مع ما حصلت على السلاح الى ناحية كرمة بني سعيد فلم تحصل مقاومة عدا الرفيق غازي سكران من سكنة المنطقة وعضو قيادة شعبة الكرمة قاوم هذه المجموعة حتى استشهد. وبعد الأستيلاء على أسلحة الكرمة توجهت هذه المجموعة الى ناحية العكيكة واستولت على الأسلحة بعد حرق كافة الدوائر لهذه النواحي. توجهت هذه المجموعة ثانية مع من يحصل على السلاح الى سوق الشيوخ وبدأت بحرق الدوائر والاستيلاء على الأسلحة والمواد الغذائية.
في الساعة الواحدة تقريباً من يوم السبت المصادف ٩١/٣/٢ توجهت هذه المجموعة مع عناصر أخرى هاربة من الخدمة من الذين أعدم قسم من اقاربهم " حزب الدعوة" الى المحافظة واستولوا على بناية المحافظة بدون أن تطلق عليهم طلقة واحدة والمحافظ موجود داخل البناية.
وبعدها استولوا على قيادة الفرع والشعب الحزبية ومديرية الشرطة واشعال النار في هذه الدوائر وصعود المحافظ مع أمين سر الفرع مع مجموعة أخرى من المسؤولين في سيارة مكشوفة. قتل المحافظ من قبل أحد المسلحين.
من خلال وجودي في المحافظة والتفتيش عن المقصرين والذي سببوا هذه الحوادث:
أولاً. محافظ ذي قار وامين سر الفرع ومدير الشرطة لأنهم لم يتخذوا أي اجراء حازم لتلك الحوادث والتي بدأت يوم الخميس مساء حتى يوم السبت.
ثانياً. ترك كافة أعضاء قيادة الفرع وامناء سر الفرق مقراتهم الحزبية وتركها بيد حراس من كبار السن ولايوجد لديهم تنظيم .
ثالثاً. الشرطة وقوى الأمن الداخلي كافة عدا مفرزة المخابرات لم تقم بواجبها ولم تطلق النار على هولاء وترك الدوائر والهروب.
رابعاً. هرب قسم من أعضاء قيادة الفرع خارج المحافظة.
خامساً. ترك آمر موقع الناصرية وامر مركز التدريب اسلحتهم في المشاجب وبدون مقاومة تذكر والاستيلاء عليها
سادساً. ساهم وبشكل فعال جداً عدم توزيع الطحين على العوائل ولمدة شهرين.
سابعاً. لم تصرف الرواتب لمعظم الموظفين والمتقاعدين وقوى الأمن الداخلي مما شجع العوائل على عملية النهب من مخازن الدولة."
وورد في تقرير للاستخبارات العسكرية تكملة لحدث الانتفاضة في محافظة ذي قار " تم نقل مقر عمليات الغرب الى بناية الطرق والجسور في المحافظة" كنتيجة لبدء الانتفاضة ." بعد اشتداد أطلاق النار بداخل المدينة لوحظ تصاعد الدخان في الساعة ١٢ يوم ٢ اذار ١٩٩١ من عدة مناطق حيث تبين أن المخربين قاموا بحرق كافة المقرات الحزبية والحكومية وقاموا بأسر أعداد من المدراء الحكوميين، والجهاز الحزبي، والامن.
ي- في الساعة ١٤٠٠ من يوم ٢ اذار ١٩٩١ حصل أطلاق قاذفات وبشدة على بناية الطرق والجسور ( مقرعمليات الغرب )
متصاحب مع هجمات متعددة حتى الساعة ١٨:٣٠ حيث طوقها المخربون وتصاعد دخان بشدة من داخل البناية. تم الاستيلاء على الرباعية الموجودة في المقر. في الساعة ١٩:٣٠ اقتحم المخربون البناية واسروا من فيه. "
ومن كان في البناية هو الفريق نزار الخزرجي رئيس الاركان الأسبق الذي ذكر روايتين مختلفتين لما جرى في بناية الطرق والجسورفي محافظة ذي قار. الرواية الأولى لم يجر قتال في البناية والثانية جرى قتال شديد فيها. وردت الرواية الاولى في مقابلة مع غسان شربل نشرت في كتاب صدام مر من هنا " في الأول من اذار على ما أذكر ، جاءني محافظ الناصرية الى مقري في أطراف المدينة وقال لي أن السكان تمردوا في ناحية الفهود في اهوار الجبايش وقتلوا مدير الناحية وعناصر حزبية. واخبرني لاحقاً أن الثوار سيطروا على كرمة بني سعيد وبعدها على قضاء سوق الشيوخ واقتحموا دار القائمقامية وقتلوا القائمقام وعناصر حزبية وان تصفيات تحصل. كنا في الناصرية في حدود ٢٣ ضابطاً وجندياً. الوحدات التي كان مقرراً أن تلتحق بنا لم تصل. في اليوم التالي وصل المشاركون في الانتفاضة الى الناصرية وقتلوا المحافظ واعضاء قيادة الحزب فيها، هوجم مقرنا، علماً اننا لم نقاتل، واصبت بأربع رصاصات في بطني. اندلعت النار في المبنى ونقلني الضباط الى السطح مغمياً علي. بعدها توصل الضباط الى تسوية مع مهاجمي المقر ونقلت الى مستشفى صدام في الناصرية حيث خضعت لعملية جراحية. في الثامن من آذار وصلت وحدات من الحرس الجمهوري، ففر الثوار من المدينة ونقلت الى بغداد بطائرة هليكوبتر ثم ادخلت المستشفى العسكري ثم مستشفى أبن سينا الخاص بكبار المسؤولين".
الرواية الثانية وردت في كتاب "القدرات والادوار 
الأستراتيجية لسلاح الجو العراقي" للدكتور علوان العبوسي " أخبرني المحافظ أن الغوغاء سيطروا على ناحية الفهود في الهور ثم كرمة بني سعيد وسوق الشيوخ. كان معي ٢٣ ضابط ركن ونواب ضباط كتبه ومخابرين وسواق ولم يتمكن الحزب دعمنا بالمقاتلين لأن معظمهم قد اختفى. في صباح يوم ١٩٩١/٣/٢ هاجم الغوغاء المحافظة واعدموا المحافظ وبعدها هاجموا مقر الفرع وقد قاوم أعضاء الفرع حتى أستشهدوا جميعاً. هاجمنا الغوغاء بالساعة العاشرة صباحاً وبعد قتال عنيف معهم استشهد عدد من ضباطي واصبت أنا باربع أطلقات وبقيت أقاتل من غرفة الى غرفة الى السابعة مساء وقد ساعدني ممن بقي معي على الصعود الى الطابق الثاني، في الثامنة مساء اشتدت هجماتهم لنا واحرقوا مقرنا، نقلت على أثر ذلك الى السطح وكان العتاد قد نفتح واغمي علي بسبب النزف الشديد لمدة أربعة ساعات . طلب مني الضباط التفاوض معهم بعدها أغمي علي وتم نقلي الى مستشفى الناصرية".
عن من شارك في الانتفاضة في سوق الشيوخ ورد في وثائق حزب البعث "رفقة كتابي مكتب تنظيم الجنوب المرقمين ٣٥٧ و ١٤٢٣ في ٤/٥ و ٩١/٥/٢٧ معلومات أن جميع العشائر الموجودة في منطقة سوق الشيوخ أثناء فترة عمليات الشغب ساهمت وبنسب متفاوتة كما حصل شطر في عدد من العشائر ولم تشارك في التخريب. ومن العشائر التي شاركت في التخريب
١. عشيرة حجام ويقودها كاظم آل ريسان
٢. عشيرة آل جويبر ويقودهم أبو الهيل
٣. عشيرة النواشي ويقودهم ساجت آل دوخي
٤. عشيرة آل خميس/ آل حاج فريع و آل حاج سالم."
كذلك رفع أسم السيد راضي الى مديرية الأمن حيث ورد في كتاب مكتب أمانة سر القطر بتاريخ ١٩٩١/٣/٢٣ " ان الشخص الذي كان يتقدم عناصر المخربين في الناصرية يدعى سيد راضي".

الخميس، 13 مارس 2014

ياسر عرفات وصدام حسين ...صورة قديمة


في سبعينيات القرن الماضي كانت علاقة العراق مع منظمة التحرير الفلسطينية متوترة ، ففي عام ١٩٧٠ وعلى الرغم من تواجد القطعات العسكرية العراقية في الأردن فقد وقفت بموقف المتفرج ولم تستجيب للنداءات الفلسطينية للتدخل لوقف هجوم القوات الأردنية ضدها فيما عرف بأحداث ايلول الأسود.ودار العراق ظهره لمنظمة التحرير بانشائه جبهة التحرير العربية التي قادها فلسطينيون يوالونه.
ودعمت بغداد صبري البنا أو أبو نضال والذي كان في البدء ممثلاً لفتح في العراق فتحول الى صلة الوصل الوحيدة بين الفلسطينين المقيمين في العراق والسلطة انذاك وحولوا لحسابه ماكانوا تعهدوه ل "فتح " من معونات واعطوه مزرعة واغدوا عليه أموالاً أخرى سمحت له أن يتحول الى التجارة والأستثمار.  في البداية كانت وظيفة صبري البنا أن يسهل انكار العراق لما حصل في الأردن بل يسر انتقال الحكم العراقي من موقع المتهم الى موقع المدعي ، حيث بدأ يهاجم من بغداد منظمة التحرير لتفريطها وجبنها في المعارك مع الجيش الأردني ,ثم تحول البنا الى بندقية استخدمها النظام ضد فتح.
ورعت بغداد محمد العباس المعروف حركياً ب أبو العباس والذي اشتهر بعملية سفينة اكيلي لارو  الأيطالية في عام ١٩٨٥ ، والذي انشق مبكراًعن الجبهة الشعبية - القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل وتأسيسه جبهة تحرير فلسطين.
ودعمت بغداد جورج حبش الذي أسس جبهة الرفض المناهضة لعرفات وسورية عام ١٩٧٤ وذلك في مؤتمر صحفي عقد في بغداد.  وفي تعهدها التصدي للعمليات "الأستسلامية والتصفوية" قامت جبهة الرفض بهجمات تولاها وديع حداد وكذلك صبري البنا .
وأغلق النظام مكاتب فتح في العراق ونكل بأعضائها واستملك الورشات الصغيرة التي كانت فتح تستعملها لصنع الذخيرة ولغيرها من الإحتياجات.
كان النظام  في العراق يدعم وينسق ويكتل "جبهة الرفض". وينسق مع صحف وأجهزة اعلام يدعمها ويغذيها بالمال. وكان يوصل الخيوط مع القوى المعادية للمقاومة في لبنان إبان الحرب الأهلية ويحوّل موقعه من بيروت الغربية الى بيروت الشرقية ـ الى جونيا، التي كانت تصلها اسلحة عراقية، مثلما كانت تصل الى "جبهة الرفض" لتواجه "جبهة القبول" وتواجه الجيش السوري الذي لعب دوراً هاما في التشكيلة المتناقضة للبنان إبّان تلك الحرب. في هذا الجو المتوتر الذي أحست فيه فتح بضربات نظام البعث العراقي وخاصة بعد اغتيال عدد من كوادرها مثل عزالدين قلق وسعيد حمامي وعلي ناصر ياسين وعدنان حماد ومهاجمة مكاتبها في باكستان، قامت عبر مجلتها المركزية "فلسطين الثورة" بحملة فضح لمواقف العراق المعادية للثورة الفلسطينية".
وكنتيجة لذلك ولتأديب الغيرة سزز "ياسرعرفات" كما ذكر حسن العلوي عن لسان صدام حسين قامت أجهزة المخابرات العراقية باغتيال العراقي عادل وصفي نائب سكرتير تحرير مجلة فلسطين الثورة والذي كان كغيره من المثقفين العراقيين من كتاب وشعراء ورفاق عانوا وتعذبوا بعد أن التحقوا بصفوف فتح.
لكن فتح  ،وبما اعتبر بمثابة طعنة خنجر في ظهر العراقيين الذين التحقوا بها، قامت بتسليم قتلة عادل وصفي بعد أن ألقت القبض عليهم الى النظام العراقي وعادت العلاقات مع فتح وعاد دعم العراق لها.
وربما كاعتراف بالجميل لدعم العراق لفتح انكفأ ياسر عرفات ليزيل سجادة من أمام صدام حسين ليمكنه من المرور أو الجلوس عند زيارته للحرم الشريف أثناء انعقاد المؤتمرالأسلامي في السعودية عام ١٩٨١.


الأربعاء، 12 فبراير 2014

محاولة الجبور


"المعارضة في بلدنا لم تعد معارضة محلية وانما هي معارضة دولية وهي تكون معرضة للاعدام ...بموجب القانون نحن نقول من يتعامل مع قوى خارجية يحكم بالاعدام "  صدام حسين ١٩٨١

في بداية كانون الثاني من عام ١٩٩٠ ألقي القبض على مجموعة  من ضباط  الحرس الجمهوري بتهمة محاولة قلب نظام الحكم، وقد تم إعدام جميع الذين تم اعتقالهم في شهر آب عام ١٩٩٠ وهو ما عرف بمحاولة الجبور لقلب نظام الحكم، وقادها النقيب (سطم غانم الجبوري، وشارك معه النقيب مضحي علي حسين الجبوري) .
ولد النقيب سطم غانم مجذاب في شهر تموز من عام ١٩٦٢  نشأ في قرية سديرة التابعة لقضاء الشرقاط محافظة نينوى وهي قرية ريفية على ضفاف نهر دجلة بمحاذاة جبل مكحول وكان الثالث في عائلة فلاحية من أربع أفراد. أكمل دراسته الابتدائية في مدرسة القرية والتحق بإعدادية قضاء الشرقاط حيث أكمل الفرع العلمي وتخرج منها سنة ١٩٧٨ التحق بكلية القوة الجوية لدراسة الطيران وبعد ستة اشهر ترك الكلية وعندما فتحت دورة خاصة لأبناء العشائر الجبور التحق بها ليكون ضابطاً  في الحرس الجمهوري وشارك ضمن اللواء المدرع الثاني للتصدي للقوات الإيرانية التي وصلت مشارف طريق العمارة وكان يشغل آمر رعيل استطلاع كتيبة دبابات المجد المدرع. وكرم من قبل آمره المقدم محمد عياش وتطور الأمر إلى تكليفه بواجبات خارج الحرس لاختيار ضباط لرفد الحرس الجمهوري .
نقل من اللواء الثاني حرس جمهوري إلى اللواء الثامن حرس جمهوري بعدها نقل إلى فوج تدريب جهاز المخابرات حيث كان مساعداً آمر فوج.
كانت كتيبته مشاركة في الاستعراض العسكري بعيد تأسيس الجيش العراقي
 وهنا لدت فكرة السادس من كانون  ١٩٩٠ كموعد لتنفيذ عملية الاغتيال والانقلاب على السلطة في الأحتفالات الكبري في بغداد. اعتقل نقيب سطم يوم ٢ كانون الثاني  ١٩٩٠ من كتيبة دبابات المجد واقتيد إلى منطقة الحاكمية في بغداد والخاصة بالمعارضين وأمن الدولة واعتقلت معه مجموعة كبيرة من الضباط والمثقفين ودار التحقيق قصي صدام حسين وسبعاوي إبراهيم الحسن.
ذكر أحد الضباط الجبور والذي أعتقل مع تلك المجموعة أن التحقيق  "جري عادة في وقت متأخر من الليل.والزنزانات ضيقة ومصبوغة باللون الأحمر وعلى الجدران أسماء بالإنكليزية والفارسية والعربية كلمات لرجال ونساء أحياناً واضحة لم أذكر أن هذه الأسماء قد مرت بي سابقاً. أعرف الليل من النهار من خلال التعداد الذي يجري كل يوم. وانه سمع " أصوات ضربات بالسياط وصراخ أنين وتوجعات لأشخاص" وبعد أربعين يوماً من الاعتقال تم استجوابي وسألني المحقق (بصفتي من أبناء عمومة النقيب سطم هل فاتحك النقيب عن ثورة في يوم ما تستهدف إسقاط السلطة) وكانت الإجابة بكلا. (فيما لو كان عرض عليك الفكرة هل كنت ستوافق).(ما هي الموضوعات التي كان يتحدث بها معك).(هل كان لديه طموح بالسلطة) (آخر لقاء لك معه)(هل كان يتعرض لشخص السيد الرئيس في كلامه)؟
عن كيفية اكتشاف تلك المحاولة ذكر مشعان الجبوري في جريدة الأتجاه الأخر أنه استفسر  من حسين وصدام كامل بعد أنشقاقهم عن سلطة الرئيس صدام.
" تحدث صدام كامل عن بداية اكتشاف الرئيس صدام حسين للمحاولة، قائلاً بأنهم كانوا في زيارة إلى مدينة الموصل، وكان يرافق الرئيس صدام حسين، وأثناء تواجدهم هناك، جاءتهم رسالة سرية باليد، مفادها، أن نائب الضابط (مساعد) أحد أفراد الحرس الرئاسي، جاء بنفسه وأبلغ جهاز الأمن الخاص من أنه عضو بمجموعة تخطط لضرب الرئيس صدام وقيادة الدولة خلال استعراض الجيش في ٦ كانون الثاني عام ١٩٩٠ وأن هذا النائب الضابط هو من عشيرة أخرى لكن له أخوان في عشيرة الجبور ويعيش معهم، لذلك وثقوا به وأشركوه معهم بالمحاولة . وكانت الخطة تقتضي تركيب أدوات الإطلاق في بعض الأسلحة الآلية المشاركة في هذا الاستعراض، وأن تقوم هذه المجموعة بإطلاق النار من الدبابات والرشاشات على منصة الرئاسة وقتل من فيها، حيث جرت العادة أن تحضر كل قيادة الحزب والدولة في هذه المناسبة، وأن هذا النائب الضابط ادعى أنه شعر بتأنيب الضمير وقرر الإبلاغ عن هذه المحاولة .
وكان قرار الرئيس صدام أن يستمر النائب الضابط الذي وشى بالمجموعة بالعمل معهم، إلى ما قبل الاستعراض بيوم واحد، وذلك لمعرفة أي شركاء محتملين أو أشخاص سيقدمون يد المساعدة لمجموعة المحاولة، على أن يلغى العرض فيما بعد نهائياً . وفي يوم ٥/ ١/ ١٩٩٠ ألقي القبض على جميع المشاركين في المحاولة، من ضمنهم ضباط استخبارات، ،ضباط أمن، وجميع المشاركين في تدقيق وتفتيش الأسلحة المشاركة في الاستعراض، وقد تمكن شخص آخر من الهروب وهو المرحوم هيجل شبيب الجبوري، وقد قامت السلطات العراقية باحتجاز جميع أفراد اسرته، من نساء وأطفال لإرغامه على تسليم نفسه، وقد تعهد الرئيس صدام لأحد أفراد أسرته (شقيقه الكبير) عبر مندوبين أنه سوف لن يعدم إذا ما سلم نفسه للجهات الأمنية، وكان المرحوم هيجل في طريقه إلى سورية، حيث لحق به شقيقه في أحدى قرى الموصل، وطلب منه العودة وتسليم نفسه من أجل إطلاق سراح العوائل، وصدق هيجل كما حدث لآخرين من قبله ومن بعده، بوعود الرئيس صدام إلا أنه أعدم أيضاً . "
بعد سقوط النظام اتهمت عوائل الضباط الذين أعدموا مشعان الجبوري بانه هو من وشى بهم لدى السلطة ، أما هو فقد أنكر بقيامه بابلاغ السلطة عنهم لكنه ذكر في جريدة الاتجاه الأخر أنهم فعلاً فاتحوه لكنه رد عليهم بحدة وفكر بالابلاغ عنهم لكنه لم يقم بذلك.
كنتيجة لتلك المحاولة اصدرت محكمة الثورة حكمها بتاريخ ٢١  / ٦  /١٩٩٠  على  " كل من هيجل حمد شبيب علي والنقيب سطم غانم مجذاب والنقيب صالح جاسم محمد جرو والملازم خيرالله حميدي محمد مطلق ون. ض حسن نايف عبدالله وحسن مطلك روكان عبد الكافي والنقيب صباح عبدالله حسن جاسم والنقيب ابراهيم أحمد عبدلله والنقيب محمود عبدالله محجوب والنقيب مضحي علي حسين والملازم أول خضر علي جاسم حاوي والملازم مصطفى حاوي عبدالله وفندي طالب سلامة حسين واحمد غربي حسن ون. ض قيس عسكر محمد برجس والنقيب جمال شعلان أحمد ون. ع ح ناصر محمود عمر حسين بالاعدام شنقاً حتى الموت وفق أحكام المادة ١٧٥ / ٢ من ق. ع ومصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة".
ابلغت محكمة الثورة ديوان الرئاسة بالحكم فكان رد الرئاسة بتوقيع أحمد حسين  بكتابها المرقم ٨٦٨ في ٣٠  / ٦ / ١٩٩٠  أنه " لا ملاحظة لنا بشأن الحكم الصادر بحق المجرمين هيجل حمد شبيب  وجماعته ".
المحاولة الثانية كانت في عام ١٩٩١ حيث ألقي القبض على ٤٠ فرداً من الضباط والمراتب وحكم على ٦ منهم بالاعدام رمياً بالرصاص في يوم ٩ كانون الأول ١٩٩١ وبالسجن الموبد على آخرين . أحد قادة هذه المجوعة كان النقيب محمود شرجي عبدالله الجبوري والذي ولد في عام ١٩٦١ في ناحية العلم التابعة لمحافظة تكريت حيث درس في مدارس الناحية ثم أكمل دراسته الأعدادية في تكريت والتحق بالمعهد الفني العالي في بغداد وفي عام ١٩٨٣ تخرج من كلية الضباط الاحتياط برتبة ملازم ونقل الى الفوج الخامس حرس خاص والذي كان مكلفاً بالحماية المباشرة على القصر الجمهوري . كانت الخطة قائمة على ضرب قاعة الاجتماعات عند اجتماع القيادة وكان النقيب محمود يمتلك المعلومات الكاملة حول مكان اجتماع القيادة وكانت له علاقة مع مساعد آمر فوج الطوارىء في القصر الجمهوري وتمت مفاتحته واوكلت اليه مهمة تعطيل أفواج الطوارىء في القصر الجمهوري وتغيير أوامرها الى ضرب أمكان تواجد القيادة وتولي امرة سرايا الأنذار ضباط من معارفهم.  أكتشفت السلطة الخطة  فالقي القبض على النقيب محمود شرجي والعقيد مزاحم صالح علاوي الجبوري ومجموعة أخرى من الضباط وطرد الجبور من الحرس الخاص والمواقع الرئاسية.
وذكر أحد الضباط أن النقيب محمود قاوم كل صنوف التعذيب وبذلك نجا كثيرون من قبضة الموت.
اتهمت سلطة الرئيس صدام معارضيها سواء كانوا حقيقين أو متخيلين بتهمة العمالة والخيانة للاجنبي فهو كما ذكر في أحدى اللقاءات  "المعارضة في بلدنا لم تعد معارضة محلية وانما هي معارضة دولية " وبالتالي يحكم عليهم بالاعدام . وفق ذلك المنطق أتهمت مجموعة من اليهود بالعمالة لاسرائيل  واتهم الأكراد بالعمالة لايران واسرائيل واتهم الشيعة بالعمالة لايران ولم يسلم البعثيون أنفسهم من تهمة العمالة حيث لصقت بهم تهمة العمالة لسوريا.
ويبدو أن مجموعة الضباط الجبور قد أتهمت بالعمالة للأجنبي أيضاً  فالفقرة ١٧٥ من قانون العقوبات العسكري تحكم بالاعدام للتخابر مع جهة أجنبية ، وهي تهمة كما في حالة اعدام أعضاء حزب البعث عام ١٩٧٩ يصعب تصديقها  لكن دافع تلك المحاولات لازال غامضاً ومدى وحجم العقوبات التي تعرضت لها عشيرة الجبوركنتيجة لتلك المحاولات غير معروف  لنقص الوثائق ويحتاج لدارسة معمقة أخرى عند توفرها.
------------------------------------
ملاحظة اشكر السيد مشعل الجبوري على الوثاثق وعلى المصدر وفكرة الموضوع.  
 

الأحد، 10 نوفمبر 2013

حادث ومحكمة الدجيل...الجزء الثاني


"اليطلع مكسر واليطلع يلق بجراحو واللي...اللي يندفن ويخيس... ونحس بالألم لأي خسارة من صفوف الخيرين ..والا صفوف الأعداء واحد يموت بالتحقيق ماله قيمة"...صدام حسين
 

واجهت سلطة الاحتلال معضلة كيفية محاكمة القيادة العراقية التي وقعت بقبضتها، تلك القيادة التي كانت قد أتهمت بانتهاكات واتهامات عديدة أثناء فترة حكمها الطويلة.وحسب كتاب Enemy Of The State  ومؤلفاه قدما الاستشارة القانونية للطرف العراقي, كان هناك عدة أقتراحات لكيفية تقديم تلك القيادة للمحاكمة منها أن تكون محاكمتهم  دولية بمثولهم أمام محكمة مماثلة للمحكمة الجنائية الدولية خصوصاً أن جزء كبيراً من تلك التهم كانت تتعلق بالابادة الجماعية والجرائم ضد الأنسانية والتي لاتوجد نصوصاً  لها في القوانين العراقية ، الأقتراح الأخر أن تكون المحكمة عراقية بعد أستحداث نصوص وعقوبة خاصة بتلك التهم. ولكي تتجنب الولايات المتحدة مشكلة من أن عملية تشكيل محكمة دولية ستواجه معارضة من أعضاء مجلس الأمن الذين لم يؤيدوا عملية احتلال العراق كما أن المحكمة الدولية قد تكون طويلة للغاية كما حدث لمحكمة ميلوسوفتش والتي انتهت بوفاته قبل أن تنتهي تلك المحكمة ، فضلت الأختيار الثاني فتشكلت المحكمة الجنائية العراقية المختصة والتي تحولت فيما بعد الى المحكمة الجنائية العراقية العليا.المعضلة الأخرى بعد أن تأسست المحكمة كانت على أي شكل ستكون المحاكمة ، هل ستكون محاكمة كبرى توجه فيها كل التهم ضد القيادة العراقية السابقة أم على شكل محاكمات مصغرة توجه في كل واحدة منها تهمة خاصة بحادثة معينة.  في النهاية فضل الطرف العراقي الشكل الثاني أي أن تكون سلسلة من المحاكمات بدلا عن محاكمة كبرى توجه فيها كل التهم. فابتدات تلك المحاكمات بحادثة الدجيل.
وجهت لمحكمة الدجيل انتقادات عديدة سنستعرضها بعد أن أن نعرض خلاصة لاقوال المتهمين في دور التحقيق وخلاصة لجلسات المحكمة اعتماداً على ملف الحكم وعلى تسجيلات المحكمة.

جلسة لائحة التهم
 
كانت الجلسة قصيرة حيث دامت حوالي ٣٠ دقيقة، بدا خلالها صدام أضعف مما كان عليه في الصورة التي بثتها قوات التحالف السابقة في العراق عندما ألقت القبض عليه في كانون الأول ٢٠٠٣.
وبمثوله أمام الهيئة، سأله القاضي عن اسمه غير أنه لم يسمعه، وهو ما دعا القاضي إلى تغيير سؤاله بقوله "هل أنت صدام حسين.؟ 
فأجاب: أنا صدام حسين رئيس جمهورية العراق.
ثمّ سأله القاضي: أين تسكن؟ فأجابه "في كلّ بيت عراقي."
وسأل القاضي صدام حسين عمّا إذا كان يعرف حقوقه، فأجابه صدام بالقول بالسؤال عن شرعية المحكمة وعن الطرف الذي عينها.
وعندما طلب صدام حسين من القاضي مناداته بصفته "رئيس جمهورية العراق" قال القاضي "لقد تمّ تجريدك من هذه الصفة."
إثر ذلك، تلا القاضي لائحة تتضمن سبع تهم من ضمنها محاولة القتل باستعمال أسلحة كيميائية في حلبجة. ثانيا، محاولة قتل عدد كبير من البرزانيين عام ١٩٨٣. ثالثا، محاولة قتل أعضاء في أحزاب سياسية من دون محاكمات. رابعا، محاولة قتل العديد من المتدينين العراقيين. خامسا، محاولة قتل العديد من العراقيين في الأنفال من دون أدلة ضدّهم. والقضاء على انتفاضة الأكراد والشيعة عام ١٩٩١ التهمة السابعة ضدّ صدام حسين بصفته رئيس الدولة وقائد القوات المسلحة كانت غزو الكويت.
وعند سماعه تلك التهمة انتفض الرئيس صدام فأجاب بعصبية بعد أن كان هادئاً
قائلاً "القانون يحاكم صدام حسين لانه الكويتيون كالوا أنو العراقية راح أنخليها بعشر دنانير تنزل للشارع . ونزل بشرف العراقي يدافع عن العراق واحيا الحقوق التاريخية تجاه ذوله الكلاب "
وهو ما دفع القاضي إلى تحذيره من استعمال مثل هذه الألفاظ حيث أنه في جلسة قانونية فجاوبه الرئيس صدام " نحن في جلسة قانونية واتحمل مسؤوليته، صدام حسين هو أنه رئيس جمهورية العراق والقائد العام للقوات المسلحة ...والقوات المسلحة راحت للكويت ...تمام..أذن بصفة رسمية ،،فهل يجوز أن تثار تهم على صفة رسمية ويعامل صاحبها بعيداً عن الضمانات الرسمية اللي نص عليها الدستور والقانون"وأضاف صدام حسين "هذه تمثيلية، المجرم الحقيقي هو بوش" في إشارة إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش.
وبخصوص استعمال الغاز ضدّ الأكراد، قال صدام "لقد سمعت عن هذا بواسطة تقارير تلفزيونية تقول إنها حدثت إبان حكم الرئيس صدام حسين."
وأضاف صدام حسين "أنا رئيس منتخب من الشعب العراقي والاحتلال لا يمكن أن ينزع عنّي هذه الصفة."
وعندما سأل القاضي الرئيس العراقي السابق عمّا إذا كان بإمكانه أن يختار محاميا، أجاب صدّام قائلا "إنّه بإمكانه والأمريكيون يقولون إنّني أملك ملايين الدولارات خارج العراق." ورفض صدام حسين التوقيع على وثائق المحكمة قائلا "إنّه فهم ما حدث في المحكمة" وإنّه يفضّل أن يكون محاميه حاضرا.
الملاحظ على هذه الجلسة أن الرئيس صدام لم ينكر أستعمال الغاز ضد الأكراد عندما اثيرت هذه التهمة واكتفى بقوله أنه سمعها في الاذاعات ، ومن كل المبررات التي كانت السلطة السابقة قدمتها لغزو الكويت من مؤامرة نفطية الى التجاوز على الحدود من قبل الكويتيين الى دعم ثورة الكويت والذي كان هو المبرر الأول للغزو اختار كمبرر له أن الكويتيين قالوا أنهم سيجعلون العراقية بعشرة دنانير وهو قول يصعب تصديق أن الكويتيين قالوه ، فكما عرضنا في فصل غزو الكويت ، لم يذكر الرئيس من من الكويتيين قال ذلك وكيف ومتى سمع به  ، وصعوبة التصديق تنبع  من أن العراق كان باوج قوته العسكرية وكان الكويتيون يسعون لتهدئة العراق واقناعه من أنهم لا يتامرون عليه بالتلاعب باسعار النفط وهي تهمة العراق لهم قبل الغزو فكيف يجرؤ أي من المسؤولين الكويتيين على التصعيد بتوجيه هكذا اهانة للرئيس صدام والقوات العراقية كانت على الحدود؟ كما أن اتهام الكويتين بذلك التقول لم تذكره وسائل الأعلام قبل أو في الأيام الأولى للغزو بل ذكره الرئيس لاول مرة بعد احتلال الكويت وضمها بحوالي ٤ أشهر .
ملاحظة أخيرة هو أن الرئيس لمح للقاضي من أنه له حصانة قانونية ضد أي تهم توجه له حسب الدستور الذي تم وضعه في زمنه ورفض القاضي مناقشته في ذلك قائلاً أن معنى ذلك سيدخل في التحقيق في التهم وسنتطرق لمناقشة هذه النقطة أي حصانة الرئيس من أي اجراء قانوني ضده فيما بعد.
 
خلاصة أقوال المتهمين في مرحلة التحقيق
 
خلاصة أقوال صدام حسين
ذكر صدام حسين أنه أثناء زيارته لمدينة الدجيل تعرض الموكب الذي كان يستقل أحدى سياراته الى أطلاق عيارات نارية من بندقيتين تقريبا ولكنه غير متأكد من ذلك بسبب مضي المدة ، وانه أثناء أطلاق النار ترجل من سيارته وسار على قدميه  في المدينة حيث اعتلى  منصة كانت عبارة عن سطح أحد المنازل وتحدث مع المواطنين مرة أخرى ثم ركب في سيارة  وعاد الى بغداد ، كما أضاف أنه على حد علمه لم يتعرض أحد الى أي  جرح بالحادث  وانه لم يكن أحداً يعلم بموعد الزيارة مسبقاً.
وعندما سئل صدام حسين عن الجهة التي كانت تختص بالتحقيق في حادث  الدجيل أجاب أنه  كانت لدينا أجهزة مختلفة مثل المخابرات والامن والاستخبارات العسكرية ولها مراجعها ، وهي  تقوم بعملها  وفقاً للسياقات المتبعة ، ألا أني لم اطلب منهم اجراء أي تحقيق في الموضوع  وعندما تمت مواجهته  بأن برزان التكريتي الذي كان يشغل منصب رئيس جهاز المخابرات  في ذلك الوقت قال في افادته أثناء التحقيق بأنه زارك بعد الحادث مباشرة في موقع الرضوانية  وانت  طلبت اليه الأنتقال  الى الدجيل لغرض التحقيق في الموضوع أجاب بأن ما جاء باقوال  برزان لا أتذكره  بالتحديد ولكن  اذا قال برزان أني طلبت اليه الذهاب الى الدجيل بعد الحادث واجراء التحقيق  أو الاستطلاع فهو صادق.
وعندما سئل صدام عن قرار مجلس قيادة الثورة المرقم ٩٨٢ في  ٣١/ ٧ / ٩٨٢ الذي  تضمن منح عدد من منتسبي المخابرات قدماً لمدة سنة لمساهمتهم الفاعلة في القبض على من اتهموا  بحادث الدجيل ، وعن التوقيع الذي يعزى اليه على القرار أجاب أنه لا يتذكر ولكن اذا  كان التوقيع  الخاص بي وهو معروف يعود الي فانا اتحمل المسؤولية ، ثم بين بعد المضاهاة  أي توقيع  يثبت  أنه لي فهو لي. وكثيراً ما كان صدام حسين يجيب على اسئلة قضاة التحقيق  بأنه لا يتذكر وعندما  سئل عن أسباب ذاكرته الضعيفة وعدم تذكره أثناء التحقيق أجاب أنا أتذكر عندما  أريد أن أتذكر  ولا أتذكر عندما لا أريد أن أتذكر.













وجواباً على سؤال بأنه جاء باقوال طه ياسين رمضان في التحقيق أنك اتصلت  به هاتفياً  وطلبت اليه اللقاء بالاجهزة الأمنية المسؤولة عن التحقيق في اليوم التالي للحادث  والاطلاع على  مجريات العمل وتقديم النصح والمشورة وافهامهم بامور التحقيق في المدينة ، قال  أنه اذا كان الرفيق طه ياسين قد قال ذلك فهو صادق بقوله. وانكر صدام حسين علمه بالجهة التي أمرت باعتقال  وحجز عوائل باكملها مكونة من نساء  واطفال وشيوخ وشباب وحجزها في معتقل ليا في صحراء السماوة ، واجاب بأنه لا يعلم من أطلق  سراح هذه العوائل المحتجزة في معتقل ليا بتأريخ ١٢ / ٤ / ١٩٨٦  وعندما ذكر بالتقرير  الذي قدم اليه من قبل اللجنة التحقيقية  بتأريخ ٢ / ٧ / ١٩٨٧ حول ماجرى في الدجيل ، وان  العوائل  المذكورة قد  تم أطلاق سراحها واخلي سبيلهم من الحجز بمكرمة منك مما يعني أنك كنت على اطلاع  كامل على هذه القضية  وبمجريات التحقيق بدليل أنك قد اصدرت أمراً باخلاء سبيل المحجوزين في عام  ١٩٨٦  أجاب " أني كرمت المحجوزين واخليت سبيلهم ألا أني لا أتذكر أني تابعت الموضوع  في حينه ، ولكن  أعتقد كلفنا جهة ما لا أتذكرها بالموضوع ربما.














كما أجاب صدام حسين عندما سئل بأن الفقرة الخامسة من التقرير المذكور أعلاه تذكر  أن هناك  اعتقالات لاعداد كبيرة من أهالي الدجيل ، وان بعضهم قد ماتوا أثناء التحقيق  وكانت التحقيقات صورية وصدرت أحكام من محكمة الثورة على بعضهم على اوراق القضية  ودون أي محاكمة  حيث ورد في ذلك التقرير عبارة من دون مرافعة ولم تتخذ أي اجراء بهذا الشأن ،  حيث الهامش المنسوب اليك في أخر التقرير لا يشير الى اتخاذ أي اجراء بحق الاشخاص الذي تسببوا  في موت مواطنين  أثناء التحقيق أو أعضاء المحكمة الذين أقاموا محاكمات صورية على الورق  ودون مرافعات قانونية ، أجاب صدام أن وجود بعض التعليقات  التي تشير الى أنه لم يتخذ أي اجراء  بحق المخالفين لا يعني أنه لم يهتم للامر مني اذا كان قد أطلع على التقرير ولكن  يمكن أنه اتخذ  أي اجراء دون أن يثبت ذلك على التقرير.
وعندما سئل صدام هل أصدر أوامر الى  برزان بالتحقيق واعتقال أهالي الدجيل واصدار أوامر للقوات المسلحة باطلاق النار على السكان المدنيين في الدجيل أجاب أنا لم أصدر ولن أصدر أمراً بقتل سكان مدنيين كما أنكر اصداره أوامر الى طه ياسين رمضان بخصوص تجريف البساتين والاراضي الزراعية في الدجيل قائلاً أنه لا يتذكر ذلك.
كما أنكر صدام حسين التنظيم والتخطيط لكل ما ارتكب في الدجيل من اعتقالات لمواطنيها وحجز عوائلهم وتجريف الأراضي الزراعية واضطهاد السكان قائلاً أنه ليس
 لديه اجابة عن هذا السؤال. وعن قرار محكمة الثورة باعدام عدد كبير من مواطني الدجيل وعدم مراعاة القرار المذكور للضمانات القانونية للمتهمين ومصادقته رغم ذلك على ذلك القرار ، أجاب بأن القرار صدر وليس في دستور جمهورية العراق ما يشير الى أن من واجب رئيس الجمهورية التأكد من اجراءات المحاكم في عملها وواجباتها القضائية قبل المصادقة على الحكم بالأعدام.














وعندما سئل عن مدى علمه بتحرك قوات عسكرية ومخابراتية وحزبية الى منطقة قريبة من بغداد وقيامها باجراءات أمنية على مدى ثلاثة أيام أو أكثر أجاب بأنه فيما يتعلق بحركة القوات باعتباري القائد العام للقوات المسلحة فأن القوات المسلحة لا تتحرك من مكان الى أخر ألا بأمر مني بشكل عام ، ولكن في حالات نادرة يمكن أن تتحرك من مكان الى أخر ضمن عمليات لاسباب أمنية.
كما يتيبن من خلاصة التحقيق فقد أنكر الرئيس اصداره الأمر الى اية جهة بالتحقيق في الحادث أو  أصداره أوامر باعتقال  أهالي الدجيل أو تجريف البساتين وانه لم يكن يتابع الموضوع وكان دوره هو  التصديق على قرارات محكمة كانت قد اجرت محاكمة وفق القانون  ومعنى ذلك أن مهمة الأدعاء العام كانت محاولة اثبات مسؤوليته القانونية على ماحل بالدجيل من اتهام بجرائم ضد الأنسانية، أما بالنسبة للدفاع فاعتقد كان من الممكن  أن يستغلها كاستتراتجية  للدفاع عنه أي أن الحادث وتبعاته كانت مسؤولية جهات أخرى لم يكلفها هو بذلك وان أي خرق للقانون تتحمله تلك الجهات لانها جرت من غير علمه ومن دون اصداره الأمر بذلك  ولكن كما اتضح من جلسات المحاكمة فقد أقتصرت أستتراتجية الدفاع  على التركيز على عدم شرعية المحكمة وتكذيب الشهود واعتبار الوثائق مزورة  وسنتطرق لذلك بالتفصيل فيما بعد.
خلاصة أقوال برزان التكريتي
ذكر برزان التكريتي في التحقيق معه حسب ما ورد في قرار الحكم " أنه في يوم الحادث انتقل الى منطقة الرضوانية حيث هنأ صدام حسين بسلامته من الحادث ثم انتقل بعد ذلك الى الدجيل ومعه سعدون شاكر وهناك استفسر من الموجودين عن الحادث فأبلغه بعض الأشخاص الذين لا يتذكرهم بأنه أثناء مرور موكب صدام حسين اطلقت عليه النار من قبل بعض الأشخاص الذين لايعرفونهم ، وان صدام حسين طلب منه الذهاب الى منطقة الدجيل لمعرفة أسباب الحادث واجراء التحقيق في المنطقة لمعرفة الاشخاص المشكوك بهم قائلاً بأن ذلك كان من واجبه لأنه كان مسؤولاً عن أمن الرئيس وعند ذهابه للدجيل وجد قوات من الجيش وكانت هذه القوات من الحرس الجمهوري وقوات من الأمن والشرطة وبعض منتسبي حزب البعث ، وذكر أنه شاهد تلك القطعات العسكرية وهي تطوق المنطقة وكانت كل جهة بامرة قيادتها " وورد أيضاً  في قرار الحكم " أن برزان ذكر أنه كان المسؤول الموجود في المنطقة حيث قضى نهار يوم الحادث وليلة في منطقة الدجيل الى نهار اليوم التالي ، وبعد أن علم بتفاصيل القضية طلب تطويق البساتين التي كانت مطوقة من قبل القوات العسكرية ، كما حلقت الطائرات المروحية في المنطقة وحدث تبادل لاطلاق النار بين الاشخاص المختفين بالبساتين والقوات العسكرية قتل على اثرها شخصين أو ثلاثة ، كما أعتقل ثلاثة أو أربعة أشخاص حيث أجري التحقيق معهم ، وسمع مجرد سمع أن مدير الأمن أعتقل بعض الأشخاص كانت اعدادهم كبيرة وكثيرة مع عوائلهم كما قام بقطع الأشجار والنخيل ، وقد ابلغت صدام حسين بأن هذا التصرف غير أصولي ومرفوض.
وذكر برزان أن الاشخاص الذين تم اعتقالهم بحضوري وامري وارسلوا الى حاكمية المخابرات في ذلك الوقت لغرض التحقيق معهم هم ثلاثة أو أربعة أشخاص لا أكثر ، وانه لا علم له بخصوص اعتقال المجاميع من العوائل والنساء والاطفال . كما أنكر علاقة جهاز المخابرات بارسال المحتجزين الى سجن أبي غريب ومجمع ليا الصحراوي.
وعندما سئل أن القضية التي احيلت على محكمة الثورة كانت من قبل المخابرات وبأمر من رئاسة الجمهورية وكان رقم القضية في المخابرات ٤٠  / ١٩٨٤ وان الدوائر التحقيقية في المخابرات هي التي كانت مسؤولة عن عملية التحقيق ذكر أن المخابرات ليس لها علم أو علاقة بالموضوع ، ممكن أن تكون القضية بعد تركه لرئاسة جهاز المخابرات عام ١٩٨٣ وكرر أنه ليس له علاقة بهذا الموضوع واكد أن احالة المتهمين على محكمة الثورة كما يعتقد قد حدث بعد مغادرته المنصب في المخابرات ، واكد على أن مديرية الأمن العامة في ذلك الوقت كانت تستغل أسم المخابرات في كثير من الأحيان.

خلاصة أقوال عواد حمد البندر

عواد حمد البندر ذكر أنه لم يفعل سوى مايفعله قاض أي محكمة مشكلة بموجب القانون عندما تتوفر الأدلة ضد المتهمين ، وانه باعتباره رئيس محكمة الثورة راعى جميع الأصول القانونية عند قيام تلك المحكمة بمحاكمة ١٤٨شخصاً احيلوا الى محكمته من دائرة السلامة الوطنية في ديوان رئاسة الجمهورية لاجراء محاكمتهم عن محاولة اغتيال الرئيس صدام وانه انتدب محام للدفاع عنهم، وبعد محاكمة استمرت اسبوعين توصلت المحكمة الى قرار باعدامهم جميعاً لثبوت شروعهم بقتل رئيس الدولة ولانتمائهم الى حزب الدعوة وان قراري الأدانة والحكم صدرا في ١٤/٦/١٩٨٤ وانه أعاد أوراق القضية الى ديوان رئيس الجمهورية الذي صادق على ذلك القرار ثم نفذ حكم الأعدام بالمدانين ، وبين أنه أجرى المحاكمة لجميع المتهمين وعددهم ١٤٨ شخصاً من أهالي الدجيل سوية بوضعهم في قفص الأتهام وخارجه. وانكر البندر قيامه باصدار حكم الأعدام على قاصرين من ضمن أولئك المتهمين الذين حاكمهم وأكد على أن المحاكمة كانت لمتهمين بلغوا سن الرشد حسب ظاهر حالهم، كما أكد على أنه حاكم جميع المتهمين ١٤٨ شخصاً وليس ٩٦ شخصاً .
لم يوجه للبندر سؤال أثناء التحقيق أو أثناء المحاكمة عن أسباب اختلاف الاسماء في قراري الادانة والحكم ولم اصدرت المحكمة حكم الأدانة ب ١٤٥ شخصاً في حين حكمت على ١٤٧ شخصاً ؟
 
خلاصة أقوال طه ياسين رمضان
ذكر بان صدام حسين طلب منه الذهاب الى مقر المجلس الوطني للقاء مسؤولي الأجهزة الأمنية وكان ذلك في يوم الجمعة وذهب فعلاً ووجد فاضل البراك وكان توجيه صدام حسين هو أن استمع الى ما يقوله مسؤولي الأجهزة الأمنية وابدي ملاحظاتي أن كانت لدي أي ملاحظات ولم أبدي أي ملاحظات في حينها ولم أصدر أي كتاب رسمي حول الموضوع ، وانما مجرد توجيه وانتهت علاقتي بالمسالة بهذا القدر. وقال أيضاً " لم أذهب الى المنطقة لا وقت الحادث ولا بعده ولم التقي برزان التكريتي في تلك الفترة وبعدها ولم أصدر أي أمر بقطع أو تجريف الأراضي الزراعية و لاعلم لي بالجهة التي قامت بذلك ولم يناقش هذا الامر في مجلس الوزراء وممكن أن تكون هناك أوامر صدرت بهذا الخصوص من جهات عليا ، وانه ليس لديه " صلاحية على مسؤولي الأجهزة الأمنية ، فقط استمعت اليهم وان تلك الأجهزة كانت تتلقى الأوامر بشكل مباشر من صدام حسين كونها مرتبطة برئاسة الجمهورية ، وان محاولة الأغتيال لم تسفر عن ضحايا. ولا علم له بمن قام بتجريف الأراضي وان الجهة المختصة بمثل حادثة الدجيل هي الأمن العامة ألا اذا أصدر أمر الى جهة أخرى.

خلاصة أقوال علي دايح علي
ورد ضمن أقوال علي دايح علي أنه من سكان الدجيل وكان يعمل في وزارة التربية وفي عام ١٩٨٢ كان متفرغاً للدراسات العليا ودرجته الحزبية  كانت عضو متدرب. عاد الى الدجيل عصر يوم الحادث فوجد المدينة مطوقة بالقوات المسلحة وجهاز المخابرات اضافة الى الجهاز الحزبي فذهب الى داره ثم التحق بالفرقة الحزبية حيث كان الجهاز الحزبي موجوداً باجمعه ومن ضمنهم المسؤول الحزبي في تلك الفترة أحمد ابراهيم حسون السامرائي  وكذلك كان معهم  عبدلله الرويد وولده مزهر وانه علم بوجود برزان الا أنه لم يلتقي به. في يوم ٨ / ٧ / ١٩٨٢ تم اعتقال مجموعة من العوائل من أهالي الدجيل باكملها وكانت العوائل مكونة من النساء والاطفال والرجال. وبعد اعتقالهم وايداعهم في الفرقة الحزبية في الدجيل كانت تأتي سيارات مضللة أشبه بالباصات وكان يتم اركاب هذه العوائل هذه السيارات ويتم نقلهم الى جهة يجهلها وان واجبه انذاك حماية الفرقة الحزبية وان الأوامر بنقل المعتقلين كانت تتم على أوامر برزان ابراهيم حسب اعتقاده. تم تعذيب مجموعة من الأشخاص والعوائل داخل الفرقة الحزبية وبالتحديد داخل الغرفة التي كان يشغلها برزان ابراهيم واحمد ابراهيم ومجموعة من القياديين وانه حسب ادعائه لم يشترك بالتعذيب.
ويستمر قائلاً أما بخصوص القاء القبض على الأشخاص والاشتراك في المفارز التي شكلت لغرض القاء القبض على العوائل من الدجيل فأني اشتركت مرتين أو أكثر في حملات تفتيش الدور بحثاً عن السلاح
وفي أحدى المرات ذهبت مع أحمد ابراهيم السامرائي الذي كان مسؤول المنطقة الحزبي انذاك الى منزل قرب دائرة البريد لغرض اعتقال أحد الأشخاص حيث لم يكن يعرف موقع الدار.
أما فيما يتعلق بتجريف الأراضي الزراعية وتهديم الدور فأني لم اشترك في هذه العمليات ولكن أعتقد أنها جرفت على أمر من طه ياسين رمضان حيث تمت مشاهدته من قبل بعض الأشخاص بالمنطقة.
 
خلاصة أقوال عبدالله كاظم رويد
ذكر أنه شاهد صدام حسين عند زيارته للدجيل عام ١٩٨٢ حيث شاهدته وهو قرب الجامع وتبعته كباقي الناس وعند وصولنا قرب المدرسة ألأبراهيمية سمعت أطلاق عيارات نارية فهربت أنا وباقي الناس وذكر أن عدد الاطلاقات التي اطلقت والتي سمعتها كانت متقطعة ولا تزيد عن عشرة أو اثني عشر طلقة  وبعد أطلاق النار عدت الى الفرقة الحزبية وبقيت فيها وكان ولدي مزهر من الموجودين. وبعد ذلك بفترة من الوقت حضرت قوات كبيرة من بغداد منها قوات عسكرية قامت بتطويق المدينة وحضر عدد من جهاز المخابرات كما حضر برزان ابراهيم الذي شاهدته موجوداً في الفرقة الحزبية ، وحضر عدد آخر من أعضاء القيادة وبدء أطلاق النار من قبل الطائرات
العمودية على البساتين. وبقيت في الفرقة الحزبية في وقتها واني لم أشاهد عوائل عندما تم اعتقالهم لكني أعرف أنه تم اعتقال هذه العوائل من قبل الأجهزة الأمنية واتذكر منهم عائلة ال حتو وال كاظم جعفر وعوائل أخرى كثيرة أجهل عددها.
أن أحد الأشخاص رفض أن يسلم نفسه الى السلطات الا بحضوري وفعلاً ذهبت أنا مع السلطات الأمنية حيث كنت ممثل الجمعيات الفلاحية والحزب وصديقاً لهم وناديته من خلف الباب وهو يدعى يعقوب مجيد أو يعقوب محمد الخربطلي وطلبت من الأمن بعد أن أخذوه أن لا يؤذوه.

وبعد أن تم اعتقال هولاء الأشخاص وسمعت أنه كان كان من ضمنهم نساء واطفال وسمعت أن هناك رجال شيوخ وقد أرسلوهم الى جهة اجهلها وان الأوامر بالإعتقال لم تكن بناءا على مذكرات قبض صادرة من جهة رسمية ولا أعلم آلية الأعتقال في تلك الفترة ولكن بطبيعة الحال ليس لهم علاقة بالحادث ولا أعلم سبب اعتقالهم. أما بالنسبة لي فأني لم اشترك بالإعتقال باستثناء ما ذكرته عن يعقوب الخربطلي.
وذكر أنه تم تكريمي بسيارة نوع اولدزموبيل رصاصية اللون كوني شيخ عشيرة كما تم تنظيم عقد زراعي لأرض زراعية لي ولعائلتي وتبلغ حوالي ٢٤ دونم وكان ذلك قبل فترة بعيدة جداً.
أني كنت في تلك الفترة في الجيش الشعبي / قاطع أسامة وكنت متمتع باجازة دورية لمدة سبعة أيام خلال شهر تموز عام ١٩٨٢ حيث صادف حضور صدام حسين الى منطقة الدجيل وحدث ماحدث في تلك الفترة ولكوني بعثي قديم فقد التحقت الى الفرقة الحزبية.
 
خلاصة أقوال مزهر عبدالله كاظم 
يوم الحادث حضر صدام حسين الى المنطقة وكنت وقتها في الحي وسمعت اطلاق نار حيث كنت وا قفاً بجوار الفرقة الحزبية وكان عدد الاطلاقات ستة أو سبعة وبعد ذلك صدرت اطلاقات من جانب حماية صدام حسين وسمعت أن صدام حسين قد غادر الى المستوصف وانا بقيت في الفرقة الحزبية وفي هذه الأثناء أو بعد ساعة أو أقل حضرت قوة من الجيش وقامت بتطويق المنطقة كما قامت طائرات مروحية باطلاق النار على
منطقة البساتين وبقيت في هذه الفترة في الفرقة الحزبية ثم جلبت جثث الأشخاص الذين قتلوا في منطقة البساتين وكنت واقفاً في بناية الفرقة حيث حاولت النظر للتعرف عليهم الا أني لم أستطيع ولا أعرف الى أين ارسلوا بعد ذلك. في هذه الأثناء شاهدت قوة من الأجهزة الأمنية يستقلون سيارة تجاه منطقة البساتين وكان من ضمنهم برزان ابراهيم الذي كان يشغل منصب رئيس جهاز المخابرات. لم اشترك في عمليات الأعتقال الخاصة باهالي الدجيل. في مسألة تجريف الأراضي وقطع الأشجار تم تكليفي من قبل الجهاز الحزبي وامر برزان والمبلغ الينا من خلال الحزب بأن نرافق الشفلات لغرض تجريف الأراضي الزراعية والبساتين وفعلاً ذهبت مع الشفلات.  تم توجيه الأمر لي من مسؤولي الحزبي حسب التوجيهات من الجهات العليا حيث نفذت هذا الأمر تجريف البساتين لأني كنت أخشى من عدم التنفيذ على الرغم من أني أعلم أن الأمر مخالف للقانون ولكني نفذته لأني خشيت على نفسي من العقاب. وذكر أني لا أعلم حجم العوائل ومقدارها التي تم القاء القبض عليها ولكني أتذكر من ضمن العوائل التي اعتقلت هي عائلة حسن الحاج محمد ومحمود مجيد يعقوب الخربطلي وكاظم الجعفر وحجي جاسم الحتو وعباس حسون وهولاء الأشخاص الذين أعلم بأعتقالهم وليس لي علم بغيرهم ثم علمت بأن لطيف سعد وحكمت عبد أعتقلوا أيضاً أما بالنسبة للأطفال والنساء فليس لي علم باعتقالهم. 
 
الجلسة الاولى: الاربعاء ١٩ تشرين الاول ٢٠٠٥














ترأس القاضي رزكار محمد أمين الجلسة الأولى لمحكمة الدجيل ، تعامل القاضي مع تحدي الرئيس لسلطته ورفضه الأجابة عن الأسئلة التي وجهها لها ، بهدوء وبتسامح ومن غير انفعال. وافتتح القاضي الجلسة بالطلب بازالة القيود من المتهمين عند دخولهم لقاعة المحكمة. وحضر صدام حسين الى قاعة المحكمة مرتديا بزة قاتمة بدون ربطة عنق وحاملا في يديه نسخة من القرآن، وقد بدا عليه الاعياء، وكان يرافقه حارسان اشار لهما بيديه ليخففا من سرعتهما.  وحضر قبله المتهمون السبعة من كبار مساعديه والمتهمين بقضية الدجيل. وجلس صدام داخل قفص قبالة القاضي امين وجلس الى جانبه عواد حمد البندر الذي كان يشغل منصب رئيس محكمة الثورة بينما جلس في القفص الخلفي لصدام نائبه طه ياسين رمضان وجلس الى جانبه عبد الله كاظم رويد وابنه مزهر عبد الله رويد وهما من اعضاء حزب البعث وجلس برزان في قفص اخر خلف رمضان وجلس الى جانبه محمد عزاوي وعلي دايح علي وهم من اعضاء حزب البعث ومن سكنة الدجيل. وفور جلوسه بادر معاونوه السبعة الذين يحاكمون معه ووصلوا قبله الى تحيته بالقول «الله بالخير سيدي» فالتفت الى الوراء لرد التحية.
وعند بدء الجلسة طلب القاضي من الرئيس تعريف نفسه ومهنته ، وهي كليشة متبعة في القضاء العراقي .
فدار هذا الحوار "سيد صدام الرجاء التعريف بنفسك، اسمك الكامل......
صدام حسين: أولا من أنت وماذا تمثل، هل انتم قضاة ؟
أنا هنا منذ الساعة منذ الساعة الثامنة صباحا.
القاضي: يرجى الجلوس سيد صدام، سنأخذ المعلومات التفصيلية للمتهمين الآخرين لاحقا لنبدأ بصدام حسين.
صدام حسين: انا ارتدي هذه الملابس منذ الساعة التاسعة صباحا.
القاضي: حسنا يمكنك الجلوس والاسترخاء... عرف عن نفسك واسترح في مكانك.
 صدام حسين :أنت تعرفني.
القاضي: هذه إجراءات رسمية يجب أن نسمع منك تعريفك بنفسك، هذه إجراءات رسمية لذا الرجاء التعريف بنفسك.
صدام حسين: أنا لست ضد احد منكم لكن التزاما مني بالحقيقة واحتراما للشعب العراقي العظيم الذي اختارني رئيسا أقول: لا اعترف بهذه المحكمة ومع احترامي لجميع الحضور احتفظ بحقوقي الدستورية كرئيس للعراق.
القاضي: هذه الامور يمكننا مناقشتها لاحقا والمحكمة غير معنية بهذه الأمور.
صدام حسين: انا لا اعترف بالجهة التي خولتك بسلطة محاكمتي ولا بالاحتلال، فكل ما بني على باطل هو باطل.
جلس صدام حسين اخيرا" فنادى عليه القاضي باسم صدام حسين رئيس العراق السابق" فرد صدام حسين عليه أنا رئيس العراق الحالي ولست الرئيس السابق.
وبعدها امر رئيس المحكمة من المتهم الثاني عواد البندر بالوقوف والتعريف بهويته فامتنع هو الاخر متذرعا بان هويته هي عقاله وان الحراس اخذوا عقاله منه قبل ادخاله الى القفص الامر الذي حدا برئيس المحكمة الى الايعاز للحراس باسترجاع عقال الراس له ولبقية المتهمين ثم رفعت الجلسة لدقائق نظرا لوجود خلل في الصوت داخل المحكمة.
وبعدما استؤنفت الجلسة رفض طه ياسين رمضان تقديم هويته قائلا "اكرر ماتقدم به الرئيس صدام حسين حسب تعبيره .
وبعد ذلك عرف كل من عبد الله كاظم الرويد ومزهر عبد الله الرويد عن هويتيهما واسميهما ومقر عملهما سابقا ومكان سكنهما.
ثم رد القاضي على صدام ورمضان قائلا «لدي اسمكما وعنوانكما».
ثم استوضح رئيس المحكمة من صدام عن اسماء المحامين الذين وكلهم للدفاع عنه فاجاب بانه قام بتوكيل خليل الدليمي.
ثم واصل رئيس المحكمة التحقيق مع بقية المتهمين حيث دون هوية  محمد عزاوي علي الذي عرف عن اسمه ومحل عمله سابقا وعمره ومكان سكنه في الدجيل قبل اعتقاله وطلب من رئيس المحكمة مواجهة محاميه في وقت لاحق ووعده رئيس المحكمة بتلبية طلبه.
اما برزان التكريتي، الاخ غير الشقيق لصدام، فقال موجها كلامه للقاضي لدى سؤاله عن اسمه «انت رجل قانون لذلك لن اتطرق الى شيء فاسمي وعنواني موجود في الاستمارات التي بحوزتك». واعلن رئيس المحكمة احالة الرئيس العراقي السابق ورفاقه الى المحكمة الجنائية للنظر في قضية الدجيل.
وكلف رئيس المحكمة احد المحامين الذين انتدبتهم المحكمة بالدفاع عن برزان التكريتي لعدم تمكنه لغاية الان من توكيل محامي خاص به.
ودفع صدام حسين ببراءته واجاب بانه «بريء» ردا على سؤال القاضي امين «هل انت مذنب ام بريء؟»، وكرر القاضي السؤال للمتهمين الاخرين فأجابوا كلهم «بريء». بعد ذلك شرح القاضي للمتهمين حقوقهم لدى المحكمة. وقال لهم أن المحكمة ستكون مشابهة من ناحية اجراءاتها لمحكمة يوغسلافيا وراوندا.














وبعد انتهاء الاجراءات الاؤلية الخاصة بالتعريف بالمتهمين وتعريفهم بالتهمة الموجهة اليهم ومعرفة موكليهم من المحامين قدم ممثل الادعاء العام جعفر الموسوي في مرافعته  الاولى التي قال فيها «ان هذا يوم تاريخي انتظره الشعب العراقي والضمير الانساني بفارغ الصبر ليشهد حكمكم العادل على من اقترف هذه الجرائم البشعة ضد الانسانية من قتل وسفك للدماء وتشريد وتجويع وتعذيب وسلب ونهب ومصادرة للاموال وهتك للاعراض واغتصاب للنساء ومصادرة للحريات وتغيير للعرق وتهجير ونقل قسري... واذلال للانسان واعتقال... وغير ذلك من الجرائم اللااخلاقية».
واضاف ممثل الادعاء العام ان الشعب العراقي قتل منه اثناء فترة حكم الرئيس العراقي السابق «ما يزيد على مليوني انسان سواء عن طريق الحروب ام لمجرد الاتهام بالانتماء الى احزاب معادية للنظام المنحل او بتهمة التآمر على السلطة او التهجم على الحكومة المنحلة».
وهنا  اعترض محامو الدفاع على ممثل الادعاء العام بابتعاده عن محور قضية المحكمة وطلبوا من القاضي ان يقتصر التحقيق على القضية التي تبحثها المحكمة.  فوافق القاضي على اعتراض الدفاع.
فأنتقل المدعي العام الى قضية الدجيل وابتدأ بقراءة مطالعته التي ورد فيها

"اليوم تنظر محكمتكم الموقرة في جريمة أحداث الدجيل والمتهمون صدام حسين وبرزان ابراهيم وطه ياسين رمضان وعواد حمد البندر وعبدالله رويد ومزهر عبدالله رويد، وعلي دايح ومحمد عزاوي لاجراء محكامتهم وفق المادة ١٢ من قانون المحكمة واستناداً لاجراءات التحقيق القضائي والشهادات والوثائق أنه في الساعة العاشرة من صباح يوم الخميس الموافق  ٨  /٧ / ١٩٨٢ قدم المتهم صدام حسين  الذي كان يشغل منصب رئيس الجمهورية ، قدم الى قرية الدجيل  الواقعة ٦٠ كيلومترا شمال بغداد وخلال ذلك تعرض موكبه الى اطلاقات نار من بندقية كلاشنكوف  ، تراوح عدد الاطلاقات مابين ١٢-١٤ اطلاقة قادمة من أحدى البساتين ،  ذكرت تقارير المخابرات  أن الاطلاقات وان الظروف الفارغة  وجدت داخل البستان وذكر في ذلك التقرير  أن الاطلاقات كانت  داخل البستان  فلو كانت البندقية باتجاه الموكب لتوجب على الرامي رفع البندقية فوق السياج  وتسقط الظروف الفارغة  خارج السياج بعد ذلك  ألقى المتهم صدام كلمة  ذكر فيها أن هذا  الفاعلون  عددهم  ثلاثة أو أربعة  ولايزيدون على عشرة وسوف يجلبون  ويعترفون أنهم عملاء . وقد تم اعتقال أربعة أشخاص من أهالي الدجيل  وتم احضارهم أمام  المتهم صدام حسين  ساعة الحادث وتم التحقيق معهم  من قبله شخصياً  وامر حراسه  بأن يفرقوا هولاء  كل منهم عن الأخر  وهنا قرص ممكن أن نعرضه وتشاهده المحكمة "..
وهنا نفى الرئيس وجود هكذا قرص ..فطلب المدعي العام عرض القرص قائلاً
 "موجود القرص  وابين للحضور هذا الكلام...وين التكنولجيا..."
ولم يعرض الفلم في تلك الجلسة ..ثم استمر في مطالعته "بعد ساعات قليلة من مغادرته  حضرت أعداد غفيرة من  قوات الحرس الجمهوري  والاجهزة الأمنية  والمخابرات  والجهاز الحزبي  وقامت بتطويق المنطقة  وطائرات مروحية  وقصفت البساتين  فقتل أعداد من المدنيين . وعند عودة المتهم صدام حسين الى بغداد  اتصل هاتفياً بالأجهزة الأمنية وامرهم بالحضور  في تمام الساعة السادسة مساءاً  في بناية المجلس الوطني ..وامر المتهم طه ياسين رمضان  بترأس اجتماع "

 ثم ذكر المدعي العام الإتهامات التي سيسعى الأدعاء أثباتها في هذه المحكمة. وذكر أن جزء من الأدلة في القضية هي أوامر بخط الرئيس صدام ، وهي عقوبات أنتقامية بحق أهالي الدجيل.
ثم طلب ممثل الادعاء من القاضي بتغيير عدد ضحايا قضية الدجيل من ١٤٣ الى ١٤٨ وقال ممثل الادعاء «ان قرار الاحالة غير صحيح وقد يكون الرقم ١٤٣ قد ورد خطأ وقد يكون نتيجة خطا مطبعي». بعد ثلاثة ساعات انتهت الجلسة الأولى على أن تعقد الجلسة الثانية بعد أربعين يوماً ، لكي يعطى فريق الدفاع فرصة كافية لدراسة القضية ، ولكي يمر الوقت الكافي لنشر قانون المحكمة الجنائية العليا المعدل في الوقائع العراقية.
الملاحظ  على هذه الجلسة أن استراتجية  دفاع الرئيس عن نفسه , وكانت كذلك أستراتيجية  فريق محامي الدفاع  في الجلسات التي تلتها , كانت قائمة على أساس عدم شرعية المحكمة لانها تشكلت من قبل  سلطة أحتلال غير شرعي وبالتالي
فالتهم باطلة ، أما الملاحظة الثانية هي ماذكره المدعي العام من أن الاطلاقات وجدت داخل البستان لا خارجه ومعنى ذلك أن البندقية كانت موجهة الى الأعلى لا باتجاه الموكب حسب قوله وهو هنا يلمح الى أنه لم تكن هناك محاولة اغتيال للرئيس ويتفق بمطالعته تلك مع ما ذكره بعض الشهود من أنه  برأيهم لم يكن هناك محاولة اغتيال ولكن ما حدث أن بعض رجال الجيش الشعبي اطلقوا  النار في الهواء من داخل بساتين الدجيل ابتهاجاً بزيارة الرئيس وافراد الحماية تصوروا أنه كان هناك أطلاق نار على الرئيس فابتدوأ  باطلاق النار على البساتين وحدث ما حدث ، ومن الجدير بالذكر  بأن فريقاً أخر من شهود الدجيل ذهبوا باعتقادهم بعيداً حيث اعتقدوا من أن العملية برمتها كانت من تدبير السلطة ولم يكن أيضاً محاولة اغتيال وغاية السلطة هي توجيه عقوبة لاهالي الدجيل لكون السلطة تشك في ولائهم لها وسنرى ذلك في خلاصة الجلسات التالية.
من الممكن أن نعزي دوافع تلك الاعتقادات  لدى بعض أهالي الدجيل الى عدة عوامل منها كانت محاولة الأغتيال صغيرة بحجمها ولم يصاب أي شخص في الحادث كما ذكر الرئيس بنفسه ولقسوة اجراءات السلطة تجاه أهالي المدينة ولتكتم السلطة واعلامها على الحادث ولسيادة مناخ الأعتقاد بنظرية المؤامرة كلها كانت عوامل للدفع بتلك الاعتقادات، لكن من غير المفهوم أن يعتقد المدعي العام بها وخصوصاً بعد أن أطلع على وثائق السلطة وكلها تشير الى وقوع محاولة اغتيال صغيرة بحجمها اعقبها رد فعل أنتقامي من قبل السلطة لا يتناسب مع تلك المحاولة الفاشلة.

وكذلك كان الاصح أن يذكر المدعي العام أن الرئيس في القرص الذي بحوزته أمر بالاستمرار بالتحقيق وليس القيام بالتحقيق بنفسه.
كما أن ما ذكره المدعي العام  من أن تقارير المخابرات اشارت الى أن الاطلاقات كانت داخل البساتين لم يكن دقيقاً أيضاً  والاصح أن شهادة وضاح الشيخ في دور التحقيق ورد فيها ذلك حيث لم يعثر على التقرير الذي ذكر وضاح أنه كتبه في حينها.
 من غير الواضح أيضاً تجاهل المدعي العام للعقوبات التي طالت مدينة بلد في ذلك العام ، فكما عرضنا في الجزء الاول من هذه السلسلة ,وثائق الدولة تشير الى أن أهالي المدينة تعرضوا الى عقوبات مشابهة لاهالي الدجيل فمثلاً  ورد في محضر اللجنة الأمنية المشكلة من رئاسة المخابرات ومديرية الأمن العامة كما ورد في كتاب المكتب الخاص لوزارة الداخلية المرقم ١٥٢٢ بتأريخ ٢٨/٨/١٩٨٢ أن "عدد العوائل المحجوزة "من أهالي بلد" في محافظة المثنى ٨٨ عائلة ويبلغ مجموع المحجوزين ٦٢٩ فرد" وهو نفس الكتاب الذي تطرق الى المحجوزين من أهالي الدجيل في أبي غريب ، كذلك قرار مجلس قيادة الثورة المرقم ١٢٨٣ في ١٤/١٠/١٩٨٢ 
والذي صادر بساتين الدجيل تضمن مصادرة بساتين مدينة بلد ، كما أن تسجيل المكالمة التي جرت مابين الرئيس صدام و طه ياسين رمضان أشار الى أن تجريف بساتين بلد والدجيل.
أما بالنسبة للدفاع فالمفارقة أنهم طلبوا من المدعي العام  الالتزام بقضية الدجيل ، وهو طلب صحيح ، لكنهم في الجلسات التي اعقبتها كانوا هم الخارجين عن الألتزام بقضية الدجيل ، النقطة الأخرى كما سنرى في جلسات أخرى بدا أنهم ،وربما لأن قانون المحكمة كان حديثاً ، لا يعرفوا ماهي وظيفة المدعي العام ومن يمثل حيث قال احدهم أنه بدا له أثناء مطالعته خصم لهم باستغراب ، مع العلم أنها بالضبط وظيفته فهي قائمة على الخصومة ما بينه وبينهم وضد موكلهم، ولأنهم لم يفهوا ذلك سنرى في جلسة لاحقة يطالبون المحكمة بتنحيته لأنه برأيهم كان منحازاً ضد موكليهم.
الجلسة الثانية : الاثنين ٢٨ تشرين الثاني  ٢٠٠٥
في الجلسة الثانية كان الرئيس صدام أخر الداخلين وقد دخل وهو يحمل مصحفا في يده.
ولدى دخوله الى القاعة متأخرا حوالي ٨ دقائق، ومرتديا قميصا وسترة، قال صدام للقاضي رزكار محمد أمين الذي يرأس الجلسة: "انت عراقي"، واضاف قائلا للحراس: "انتم غزاة ومحتلون".
وقال صدام ان التأخير في حضوره الى قاعة المحكمة سببه "المصعد وتكبيل يديه حيث لم يسمح له بالامساك باوراقه".
واحتج صدام حسين امام القاضي بعدما سحب الحراس قلمه واوراقه منه، فرد القاضي بأنه "سينبههم لهذا الأمر"، فقال صدام "لا أريدك أن تنبههم، أريدك أن تأمرهم فأنت عراقي وهم غزاة محتلين".




وطالب القاضي باصدار اوامره للقوات الامريكية التي تحتجزه من اجل تحسين ظروف احتجازه.وقال عواد حمد البندر،  قاض محكمة الثورة في عهد صدام "إن هناك شخصا في قاعة المحكمة هدده بالقتل، كما أن حياة صدام حسين أيضا مهددة". وفي غضون ذلك، شكا برزان إبراهيم الحسن،  من انه لم يتلق علاجا ملائما من السرطان بعد تشخيص إصابته بالمرض.
 ثم ابتدأ القاضي رزكار الجلسة الثانية باعلان اسف المحكمة لاغتيال اثنين من محامي الدفاع ، وهما المحامي سعدون الجنابي والمحامي عادل محمد الزبيدي وكانا محامي عواد حمد البندر وطه ياسين رمضان. بعد ذلك طلب كل من نجيب النعيمي ورامزي كلارك الحديث عن أهلية المحكمة وشرعيتها حيث قال النعيمي " نحتفظ بحقنا بعدم الأستماع الى الشهود أو القيام بأي عمل قبل أن تجيب المحكمة على مدى شرعيتها للنظر في القضايا الجنائية حسب القانون الدولي والقانون المحلي".فكان رد القاضي " سنرد على ما ورد في مطالعتكم كتابة في الوقت المناسب".
 بعد ذلك عرض الادعاء العام تسجيلاً لزيارة الرئيس صدام للدجيل حيث ظهر في الشريط الرئيس صدام  بعد أن عاد لزيارة الدجيل بعد محاولة الاغتيال حيث قال "ما راح يكدرون يجاوبون ألا أنهم عملاء على عدد الأصابع ما يطلعون أكثر من اثنين ثلاثة ، أربعة ، خمسة عشرة لكن يظلون أبناء الدجيل ..تسعة وثلاثين ألف نسمة ،،هذوله كلهم مخلصين وكلهم مع الثورة "





 
وفي لقطة أخرى يظهر فيها الرئيس مع عدد من الأشخاص الذين القي القبض عليهم حيث قال له احدهم
 "أني صايم
 
صدام : يله حتى الخميني هم يصوم شخص آخر ألقي القبض عليه : على بختك أروح لك فدوه...جيش شعبي..أروح لك فدوه
صدام : فرقوهم كل واحد وحد واستمر بالتحقيق". 
 كانت الغاية من عرض التسجيل هي توضيح  مدى مساهمته ومعرفته بما حدث لاهالي الدجيل بعد الحادث. ففي جلسة التحقيق مع القاضي جوحي أعلاه أنكر الرئيس معرفته الشخصية واصادره أوامر للتحقيق حيث قال أن الأجهزة المختصة تولت ذلك، اضافة الى ذلك عند مشاهدة الشريط يتضح من حديث الرئيس بعد عودته الى الدجيل يتضح من حديثه أن عدد المساهمين في المحاولة أيضاً قليل فعدد العملاء حسب قوله "لايتجاوز عدد الأصابع"  ولا يتناسب مع العدد ١٤٨ الذي أعدم لاتهامهم بالاشتراك بتلك المحاولة.
 
 
 
 
 






ثم قرأ القاضي الشهادة التي ادلى بها  وضاح الشيخ ، وهو ضابط مخابرات عراقي سابق حقق في محاولة اغتيال صدام حسين عام ١٩٨٢  وقال القاضي ان المحكمة انتقلت الى المستشفى قبل وفاة الشيخ من اجل الاستماع لشهادته. ورد في تلك الشهادة " بتأريخ الحادث ٨/ ٧/ ١٩٨٢ كنت مديراً للتحقيق والتحري في جهاز المخابرات الذي كان يرأسه برزان آنذاك ، وقد أخبرني بتعرض موكب صدام حسين الى أطلاق نار في منطقة الدجيل أثناء زيارته هناك كرئيس للجمهورية آنذاك ، وتوجهت الى الدجيل بصحبة عدد من المدراء في الجهاز المذكور ومن بينهم علي محمود وحسين محسن ومحمد سبعاوي ومانع عبد الرشيد ، حيث وصلنا الفرقة الحزبية هناك وكان المسؤول الحزبي هو أحمد ابراهيم المعروف أبو نبيل ، وقد بدأت التحقيقات في الحادث حيث ذهبت الى الموقع وكان قريباً من المحكمة في الدجيل ، وهو عبارة عن حائط من الطين ، وبأعتقادي أن الأشخاص الذين اطلقوا النار من وراء الحائط يتراوح عددهم من ٧ الى ١٢ شخصاً ، أستنتجت ذلك من خلال الآثار التي تركتها مخازن بنادقهم على الحائط الذي كان بعلو معين بحيث يفترض بالشخص أن يرفع رأسه واقفاً من خلفه ليتمكن من رؤية ما وراء الحائط ولدى ذهابي  شاهدت أن قوات حكومية أخرى من الجيش والحزب والطوارى والتي يقدر عدد كل فرقة منها مابين مائة ومائة وخمسون شخصاً موجودة في الدجيل مع لواء من الحرس الجمهوري ، قوات خاصة وشملت فرق الطواري الأمن ، الأستخبارات والجهاز الحزبي وبعد فترة من وصولي وفي نفس يوم الحادث حضر برزان الى مقر الفرقة الحزبية ومعه وزير الداخلية الأسبق سعدون شاكر الذي كان دوره مجرد الحضور حيث كان ساكتاً. وتلقت القوات الموجودة هناك أمراً من برزان ، بعد تزويدها بمعلومات من الأجهزة الأمنية والحزبية ، بالإنتشار على شكل مفارز في مختلف مناطق المدينة وبدأت بالقبض على المواطنين دون التركيز على طائفة معينة ، وكان القبض عليهم رجالاً ونساء من اعمار مختلفة ، ومنهم عائلات كاملة من النساء والشيوخ والشباب ، وكان منهم عدد من الهاربين من الخدمة العسكرية، وكان عدد هولاء بحدود ٤٠٠ شخص تم حجزهم في مقر الفرقة الحزبية ومقرات الأمن في الدجيل ، حيث لم يكن هناك في الدجيل مقر للمخابرات. عرفت أثناء ذلك أن بعض الأشخاص قد قتلوا قبل وصولي الى الدجيل ، كان بينهم من واحد الى ثلاثة قتلوا في البساتين وحسبما سمعت أنهم قتلوا من قبل أفراد حماية الموكب بعد حادث أطلاق النار ، ثم نقل المحتجزين الى مبنى حاكمية المخابرات الكائن في بغداد بواسطة سيارات من نوع مرسيدس سعة ٥٠ راكباً تعود الى المخابرات وفي اليوم التالي للحادث قدمت تقريراً الى برزان تضمن التفاصيل الأولية للحادث والمعلومات عن أهالي الدجيل ، وعندما قدمت التقرير الى برزان وقع عليه ثم أعاده لي لأقدمه الى حسين كامل الذي كان المرافق الشخصي لصدام حسين في ذلك الوقت والذي أتى الى الدجيل في اليوم التالي للحادث.
ثم يستمر الشاهد وضاح الشيخ قائلاً أجرى التحقيق مع المحتجزين في الحاكمية من قبل ضباطنا التالية أسماءهم فيصل شاهين ، حكمت عبد الوهاب ، كامل حسين ، جبار شهاب، داود سالم، اياد هادي وقاضي التحقيق صادق سالم الذي كان دوره ينحصر في الأشراف على هولاء الضباط. قمت أيضاً بمقابلة المحتجزين عندما كنت اتفقد الموقع. في اليوم التالي للحادث تم نقل العائلات ومنهم المدنيين المزارعين واخرين الى القسم المخصص للمخابرات بسجن أبو غريب.  في كانون الثاني ٩٨٣ طلب مني برزان الذي كان لحد ذلك الوقت رئيساً للمخابرات نقل المحتجزين الى محافظة المثنى حيث تم تسليمهم الى أفراد من مديرية أمن المثنى ولا أعرف ماذا حدث لهم بعد ذلك . بقيت بمنصبي كمدير للتحري حتى نهاية كانون الثاني من عام ١٩٨٤.
ثم بين الشاهد وضاح الشيخ قائلاً " أنه خلال الفترة التي قضيتها بالمخابرات لا أحد من المحتجزين تم تقديمه الى المحاكمة وقد سلمت كل شيء الى الحاكمية وذلك مثبت في سجل التسليم والأستلام "
ورداً على سؤال تم توجيهه من المحكمة " لا أحد من المحتجزين قد مات عندما كنت موجوداً هناك ولم الاحظ أن أحداً منهم قد تعرض للتعذيب الجسدي ، واذا كان هناك سلوك شخصي فلم أكن على علم به ولم يكن على بناء أوامر مني ولم اتلقى أية أوامر من برزان أو أي شخص أخر لتعذيب المحتجزين .
كان هناك أثنان من الضباط هما عبد شريف وشهاب لا أتذكر أسم أبيه لاحظت انهما يعاملان المحتجزين معاملة سيئة ويوجهون الأهانات لهم لذلك طلبت نقلهما الى مديرية الأقامة" . وأكد الشاهد وضاح الشيخ أنه نتيجة للكشف الذي اجراه على مكان الحادث فأن الأشخاص الذين شاركوا في أطلاق النار لا يزيدون على ١٢ شخصاً وقال " لقد أكدت على ذلك في تقريري الذي قدمته الى المتهم برزان، ولا أعرف لماذا تم اعتقال هذا العدد الكبير من المواطنين".
ورداً على سؤال من المدعي العام أجاب أن عدداً من ضباط المخابرات كوفئوا من قبل رئيس الجمهورية السابق صدام حسين في ذلك الوقت بمنحهم قدماً ممتازاً لمدة سنة تقديراً لجهودهم المبذولة في التحقيق بحادثة الدجيل وقد كنت أحد هولاء".
ورداً على سؤال آخر من الأدعاء العام أجاب برزان أصدر الينا الأوامر مباشرة بخصوص التحريات التي اجريت كما ذكرت سابقاً، وعلى الأرجح فأن تفتيش البساتين وانتشار القوات في المنطقة كان بناءاً على أوامر من برزان وقال أيضاً " أني سمعت من القاضي عبد العزيز داود الذي كان يشغل منصب قاضي القصر الرئاسي في ذلك الوقت أن صدام حسين قد أصدر قراراً باحالة كل من يقدر على حمل السلاح في وقت الحادث الى المحكمة برزان طلب مني أرسل كل من كان يحمل السلاح في وقت الحادث الى المحكمة  وكذلك كل من له علاقة بالحادث كل هذا تم بالتنسيق مع الحزب والأمن، ولكني لا أتذكر التفاصيل المتعلقة بمشروع اللجنة التي كان يرأسها طه ياسين رمضان علمت أخيراً أن العائلات المحتجزة التي ارسلت الى محافظة المثنى قد أطلق سراحهم بعد ثلاث سنوات أو أكثر لأني كنت مسجوناً في ذلك الوقت وجواباً عن الذين تم اعدامهم قال أنهم اعدموا رغم برائتهم. ثم قال أنه سلم مسؤولية الحاكمية بعد نقله الى دائرة أمن المخابرات الى ضابط المخابرات خليل ابراهيم محمود في ٢٨ / ١ / ١٩٨٤ . وبخصوص الكتب التي أشار اليها المدعي العام والتي كانت عام ٩٨٧ والتي توضح أن عدداً من المحتجزين ماتوا أثناء التحقيق قال " أن التوتر في العلاقة بين برزان وبين فاضل البراك الذي كان مديراً للأمن في ذلك الوقت كانت السبب في كتابته تلك المعلومات التي وردت في تلك التقارير وأني أشك في مصداقيتها لانه في فترة وجودي لم يتم تعذيب أحد"  
ورداً على سؤال من المحكمة أجاب " يوم الحادث أو اليوم التالي قمنا بالقبض على شخص مصاب في البساتين وكان من الذين شاركوا باطلاق النار على موكب السيارات وكان أسمه حسين حسن الحاج محمد وهو من الدجيل ، عند القبض عليه اعترف أنه جمع أفراداً لا يعرفهم ما عدا شخص كان يعرفه هو أحد أبناء كاظم جعفر لاطلاق النار على الموكب " ثم بين الشاهد وضاح الشيخ أن طائرة هليوكوبتر غير عسكرية تعرضت لاطلاق النار من البساتين وتمت أصابة الطيار " وجواباً على سؤال أخر قال " أن معظم الذين قدموا الى محكمة الثورة أنكروا  اية علاقة تربطهم بأطلاق النار أو حتى الأمداد بالأسلحة ولا أعلم لماذا جاءوا بهم الى المحكمة".
ثم أعلن القاضي رزكار أمين بعد رفع الجلسة ساعة واحدة عن تأجيل المرافعة إلى جلسة مقبلة موعدها الخامس من كانون الأول لتمكين طه ياسين رمضان من تعيين محام جديد بعد أن رفض محامياً عينته له المحكمة، وتم رفض طلب محامي الدفاع خليل الدليمي بتأجيل المرافعة ٣٠ يوماً.
ماورد في شهادة وضاح الشيخ أكد ما عرضناه من وثائق في الجزء الأول وهو أن أهالي الدجيل تعرضوا لعقوبات جماعية لا تتناسب مع صغر حجم المحاولة ، أما بخصوص ما أنكره من تعرض أهالي الدجيل للتعذيب فقد ورد في قرار الحكم "  فقد كانت الغاية منه واضحة وهي التخلص من  المسوولية ، وللمحكمة الحق أن تأخذ بجزء من الشاهدة اذا أقتنعت به وتطرح ، تهمل. الجزء  الذي لا تقتنع به وذلك استناداً الى المادة ٢١٥ من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم ٢٣  لسنة ١٩٧١."
أتهم برزان واخرون وضاح الشيخ بالكذب لكن المحكمة في قرار حكمها لم تعتمد على شهادة أقوال وضاح الشيخ فقط حيث اعتمدت على  الوثائق التي عرضت أمامها اضافة الى أقوال المشتكين الأخرين.
الجلسة الثالثة الأثنين ٥ كانون الأول ٢٠٠٥
في البدء طلب المدعي العام جعفر الموسوي باخراج المحامين الأجانب من القاعة لأنّ "القوانين تسمح فقط بتمثيل المتهمين من قبل محامين عراقيين."
رفض القاضي ذلك الطلب مستندا على أن قانون المحكمة قانون خاص يسمح بتوكيل محامين اجانب.
بعد ذلك نشب جدال بين فريق الدفاع والقاضي حيث طلب خليل الدليمي من القاضي السماح لرامزي كلارك بالحديث عن شرعية المحكمة وعن توفير الحماية للمحامين  ودخل النقاش نجيب النعيمي كان رأي القاضي أن المحكمة شرعية مشكلة من حكومة منتخبة وان كان للدفاع اعتراض عليها فعليهم تقديم مطالعة مكتوبة وسترد المحكمة على ذلك تحريرياً وان القضاة تم تعيينهم استناداً الى القانون ، فكان جواب النعيمي أن تم تقديم الأعتراض الى محكمة التمييز فعلى المحكمة أن توقف اجراءتها الى أن تفتي محكمة التمييز , فرفض القاضي ايقاف المحاكمة قائلاً " من الممكن فتح ملف منفصل عن هذا الموضوع ، أي شرعية المحكمة ، وتستمر هذه المحكمة في أجراءتها لحين صدور قرار محكمة التمييز".
واستمر الجدال حيث القاضي يقول أن المحكمة شرعية والمحامي خليل الدليمي يقول أنها غير شرعية فدخل الرئيس صدام النقاش " كيف أنها شرعية وشكلت تحت الاحتلال؟"
ثم ذكر الدليمي هذا هو طلبنا الشفهي وسنقدم طلباً تحريرياً لكن نريد أن يقوم النعيمي بتقديم مرافعة شفهية عن هذا الموضوع ؟
فرد القاضي عليه أن يقدم طلبه من خلالك ثم تقدمه لنا هذا هو رأي المحكمة.
ثم طلب المحامي خليل الدليمي ايقاف اجراءات المحكمة فرفض القاضي ذلك.
دخل برزان التكريتي النقاش طالباً أن تستجيب المحكمة لطلب الدفاع بإيقاف أجراءتها فرفض القاضي ذلك أيضاً فاجابه برزان وعلى وجه الانزعاج " انتو رايديها أرنب ..أرنب ..غزال.. أرنب".
وعلى ضوء ذلك ولعدم سماح القاضي لرامزي كلارك بالحديث ولطلبه أن تتم تقديم طلبات المحامين الأجانب من خلال المحامي خليل الدليمي قرر فريق الدفاع الانسحاب من الجلسة، فقال القاضي " من حقكم لكن المحكمة ستعين فريق للدفاع عن موكليكم وستستمر في الجلسة"
فقال صدام  راح تفرض علينا المحامين هي مفروضة راح تفرض علينا المحامين"
"نحن نرفض السماح لموظفين بالدفاع عنّا هؤلاء عينتهم أمريكا وليست لهم شرعية العراق."
تتعالى أصوات داخل القاعة "يحيى العراق يحيى البعث " ينهض صدام ويهتف يحيا العراق والقاضي يطلب الهدوء .
نفذ فريق الدفاع تهديده وانسحب من الجلسة ، رفعت الجلسة لمدة عشر دقائق حيث طلب أحد المحامين المعينين من قبل المحكمة السماح له بالحديث الى فريق الدفاع لمحاولة اقناعهم للعودة.
أخر شي قاله برزان عند نهوض القاضي  " سيادة القاضي ليش ما تحكومنا بالإعدام وخلّصونا."
استأنفت الجلسة ، وهذه المرة رضخ القاضي لطلب فريق الدفاع فاعطى ٥ دقائق لرامزي كلارك كي يقدم مرافعته و ١٦  دقيقة لنجيب النعيمي.
خلاصة ماذكره كلارك أهمية توفير الحماية للمحامين وان عدالة المحكمة مرهونة بتوفير الحماية لجميع الأطراف وان محامي الدفاع لا تتوفر لهم الحماية التي تتوفر للأدعاء العام ويجب توفير الحماية لهم ولعائلتهم  وان المحامين سينسحبون اذا لم يتم توفير الحماية الكافية.













تحدث بعد ذلك النعيمي فعرض ثلاثة أسباب من وجهة نظره لعدم شرعية اجراءات المحكمة الأول " حسب القانون الدولي ، تعتبر المحكمة غير شرعية أن شكلت تحت الأحتلال" ثم قرأ فقرة من أتفاقية جنيف الرابعة ونصت " على قوة الأحتلال أن لا تعمل على تغيير موظفي الدولة أو القضاة في البلد المحتل" وان قانون البلد يكون هو المعمول به ، وان قوة الأحتلال لا يحق لها محاكمة لافعال حدثت قبل وقوع الأحتلال.
الثاني ، حسب القانون الدولي لايمكن أن تشكيل محاكم خاصة. وحسب وجهة نظره أن المحكمة الجنائية العليا غير مستقلة وخاضعة لتاثير مسؤولي الحكومة.
واخيراً المحكمة الجنائية العليا لا يحق لها محاكمة الرئيس بصورة رجعية لافعال حدثت في الثمانينات في حين القي القبض عليه عام ٢٠٠٣ والمحكمة لم تشكل ألا عام ٢٠٠٥.
وان المحكمة الجنائية الدولية هي التي تختص بمحاكمة التهم الموجهة الى الرئيس صدام.













لم يرد القاضي على ما ورد في مرافعة النعيمي ، ولم تقدم المحكمة رداً أو دفاعاً قانونياً ، الا بعد صدور قرار الحكم وانتهائها، على ما ورد وتكرر من قبل الدفاع من التشكيك في شرعيتها وهي نقطة تحسب ضدها وسنتطرق لهذه النقطة فيما بعد. بعد ذلك نادى القاضي على المشتكي أحمد حسن محمد وحدث جدال في البدء ما بين المشتكي  وبرزان التكريتي بعد أن أظهر المشتكي صورة مراهق عمره ١٤ سنة كان قد أعدم في حادثة الدجيل حيث قال برزان " الى جهنم" طلب القاضي والادعاء من برزان التزام الهدوء لحين اكمال المشتكي شهادته.
فذكر المشتكي "بعد خروج صدام حسين  من دار ردام الحاتم بعشرة دقائق سمع مع الأخرين صوت أطلاق عيارات نارية ثم شاهد طائرات  تقوم بقصف البساتين ثم فرض حظر التجوال في المنطقة حيث اصيبت ابنه شقيقته أمنة جبار مصطفى جراء الرمي العشوائي وحدثت اعتقالات جماعية حيث قاموا باعتقال المواطنين بشكل جماعي وعشوائي ومنهم رجل كبير السن كان عمره ٦٥ سنة وفي اليوم التالي للحادث استمرت الأعتقالات حيث قامت عناصر من جهاز المخابرات باعتقالهم بما في ذلك النساء والاطفال وذلك في مقر الفرقة الحزبية ، وانه شاهد هناك تسعة جثث لاشخاص ذكر اسماهم.
كما ذكر أنه شاهد في اليوم الثاني  برزان الذي كان يرتدي بنطلون جينز وحذاء أحمر اللون ويضع نظارة شمسية وكان ملتحياً ( سكسوكه) ويرتدي درع. كما شاهد عدد من المسؤولين الأمنين والحزبين ومنهم سعدون شاكر وسمير عبد الوهاب الشيخلي وطه ياسين رمضان وانه في عصر يوم ٩ / ٧/ ١٩٨٢ تم وضعه في السيارة مع خمسين معتقلاً وتم نقلهم الى حاكمية المخابرات في بغداد ، حيث أنزلوهم في كراج البناية وهم ينادونهم خونة ويضربون الرجال والنساء واصبح عدد المعتقلين هناك بحدود خمسمائة معتقل بما في ذلك النساء والاطفال.
وذكر أنه كان في القاعة التي تم حجزه فيها والده واشقائه محمد وسالم ومحمود ومحسن وعلي وجواد وابراهيم وكذلك والدته مجودة شاكر محمود وشقيقاته كل من نجدية وسعاد وزينب واسماء وليلى. ويستمر المشتكي بوصف أنواع التعذيب الذي كان يتعرض له المعتقلين ومنهم النساء وانواع الطعام السيء والقليل الذي كان يقدم لهم ، ويذكر أسماء المحجوزين الذين تعرضوا للتعذيب ومنهم قاسم عبد علي العبيدي وقاسم علي أسد كما ذكر أسماء الأشخاص الذين قتلوا أثناء التعذيب ومنهم جاسم محمد لطيف وحسين يعقوب مجيد الذين كسروا يديه ورجليه وقد أحضروا صالح محمد جاسم
وهو معلم من مواليد ١٩٥٠ وقاموا باطلاق النار عليه فاصيبت ساقه وذلك أثناء التحقيق كما قاموا بتعذيب قاسم عبد علي العبيدي حيث كانوا يحرقون الصوندة ويقومون بصبها على جسمه . وتوفي أيضاً جاسم محمد لطيف أثناء التعذيب لانه كان هارباً من الخدمة العسكرية كما  أطلقوا النار على قاسم علي أسد واصيب أثناء التحقيق وكذلك قاموا بتعذيب حسين يعقوب مجيد وكسروا ذراعيه ورجليه.













وكان المعتقلون يقولون للمحققين نحن مستعدون للتوقيع على أي شيء في سبيل ترك نسائهم أو شقيقاتهم.
بعد حوالي سبعين يوماً من بقائنا في المخابرات ارسلونا الى سجن أبي غريب وكان الوضع هناك أقل سوءاً من المخابرات ولكن مع ذلك كان الحراس يقومون بضربنا دائماً وكانوا في الليل يرسلوننا الى العلاج جبراً وكنا نقف على شكل طوابير وعندما يشكوا أحدنا ألماً في منطقة من جسمه كرأسه مثلاً يضربون هذا المكان تحديداً .

وفي سجن أبي غريب ذكر أنه شاهد مجبل حسن عزيز المرسومي حيث كان محتجزاً معهم عندما قام الحرس بضربه على رأسه وتوفي مباشرة من الضربة وعمره انذاك ٦٥ سنة ولم يعرف مصير جثته. وذكر  أن حراس سجن أبي غريب كانوا يعذبوهم أمام النساء وكان الحراس يطلقون العيارات النارية في الليل لتخويفهم وكانوا يضعون الأطفال في المحجر . وذكر وفاة الطفل هشام فخري صبري أسد وهو من مواليد ٦ / ٦ / ١٩٨٢ الذي طلبت والدته الحليب من حرس السجن لكي لا يموت فقال لها الحرس اذا مات ناوليني اياه من الشباك وفعلاً عندما مات أعطته الى الحارس الذي رماه في سلة المهملات وذكر الشاهد عن حالات ولادة والإسقاط للنساء الحوامل في تلك الظروف السيئة في سجن أبي غريب وكان الحراس يسمحون للمحجوزين بالنوم من الساعة الثالثة بعد منتصف الليل ولغاية الساعة السادسة صباحاً ( ثلاث ساعات).
وذكر بعد سؤاله عن الجهة التي قامت بتجريف البساتين والبيوت بأن طه ياسين رمضان هو الذي قام بذلك بنفسه ، حيث أشرف على عمليات التجريف ولدينا خمس بساتين تم تجريفها أيضاً. وطلب التعويض المادي والمعنوي. كذلك عند سؤاله من من قبل وكيل طه ياسين حول كيفية وصوله الى المنطقة التي يوجد فيها الكثير من العسكريين ويوجد فيها مسؤول بهذه الدرجة الكبيرة ؟ وكيف تمت اجراءات قطع الأشجار في نفس الوقت الذي جرت فيه الأحدات ؟وكيف وصلت المعدات والبلدوزرات في اليوم الثاني وقامت بهدم البيوت وتجريف البساتين ؟
فأجاب بأنه كان في السجن ولم يشاهد ذلك ولكن وجود طه ياسين كان مشهوراً في المنطقة وقد حدث التجريف بعد أربعة أشهر من اعتقالنا وليس في اليوم الثاني من الحادث كما ذكر المحامي .
وذكر بأنه شاهد طه ياسين رمضان ضمن عدد من المسؤولين عند اعتقاله في اليوم الثاني للحدث. 
 واستمر المشتكي بسرد تفاصيل التعذيب والقتل والاوضاع السيئة في سجن أبي غريب وفي القسم الخاص في ذلك السجن وذكر أن هناك شخص محمد ياسين جلب واعتقل مع أهالي الدجيل رغم أنه كان معتقلاً لسبب أخر وهو تبرعه بدينار ونصف لشراء ثلاجة لحسينية الدجيل ثم أعدم بعد ذلك.ثم ذكر أنهم نقلوا الى معتقل ليا الصحراوي في ١٨/ ٦ /١٩٨٤ وذكر أنه لم يكن يعلم مصير اشقائه السبعة ولا يعرف مكان قبورهم الى الآن، ألا أنه عرف بعد سقوط النظام أنهم اعدموا وذلك من خلال وثيقة عثر عليها في جمعية السجناء الأحرار.ثم طلب المشتكي  التعويض المادي والمعنوي من عدة أشخاص من ضمنهم صدام حسين.
  

 بعد فترة استراحة قليلة شكك فريق الدفاع بشهادة أحمد حسن  فقدم  ١١ نقطة ضد مصداقية الشاهد وتعتبره "تدرّب جيدا على دوره."
وتدخل رمضان قائلاً "لم أزر الدجيل ولو كلّفني صدام بالذهاب إلى الدجيل لكان ذلك شرفا لي لأنّ أي أمر يصيب سيدي الرئيس يشرفني التصدي إليه."
وشكك برزان التكريتي في تلك الشهادة حيث طالب بحضور الشهود الذين "ادعى المشتكي وجودهم."
وقال أيضاً "لماذا لم يجرّب الشاهد حظّه في السينما حيث أن له طاقات جيدة في التمثيل."
وذكر إنّ المشتكي اشتكى من عدم رؤيته شقيقه "طيلة فترة الاعتقال لمدة أربع سنوات، وأنا موقوف منذ ثلاث سنوات وتمّ اعتقال ابني ولم أره."
ثم قال أن "محاولة اغتيال السيد الرئيس صدام حسين عرضت أمن البلاد إلى الخطر."
وكذلك أنه "مستعدّ للقسم على أنّ نائب الرئيس (السابق) طه ياسين رمضان لم يكن حاضرا في الدجيل." ووصف المشتكي "بالصعلوك"
وقال إنّ "القفص الذي أقف فيه شرف" ثمّ تلاسن مع الدجيلي قائلا له "خذ كلابا واذهب إلى عملك." وقال إنّ الوفيات أمر بيد الله وذلك ردا على اتهامات المشتكي بمقتل عدد من المعتقلين من أبناء الدجيل. وذكّر بأنّ عدة معتقلين من المسؤولين العراقيين توفوا أو أصيبوا بالسرطان أثناء اعتقالهم.
أما الرئيس صدام فقد اعترض في البدء على الوقت المخصص للشاهد وقال " أنا لا أخاف الأعدام وأنا أخوك وأخ للعراق"
 ودار جدل بين القاضي وصدام الذي قال "من المؤسف أن أتواجه مع واحد من أبنائي."
وطلب من القاضي قائلاً"أعطني مجالا ولا تقاطعني. لقد خدمتكم ثلاثين سنة وأنا أدافع عنكم."  وخاطبه "نريدكم رماحا في وجه الأعداء" وطالب بعرض المشتكي على لجنة طبية لتقويم حالته العقلية. واضاف "إذا تأكدتم من أنني ضربت بيدي هذه عراقيا واحدا فكلام الشاهد صحيح."

 












ثم سأل القاضي ما إذا كان يعرف تواريخ ميلاد أي شخص آخر ليس من عائلته. وقال إنّ "المشتكي يحفظ تواريخ عدة أشخاص لا علاقة أسرية له بهم ولذلك فالأمر مرتّب إذن." كان جواب الشاهد على هذا السؤال إنه حفظ التواريخ من كثرة عمليات إحصاء المعتقلين، وينفي أن يكون مريضا عقليا.
المشتكي الثاني كان جواد عبد العزيز جواد الذي ذكر أنه بعد وصول موكب صدام حسين الى المدرسة الأبراهيمية لاحظت أطلاقات نارية وبكافة الأتجاهات وكان أفراد الحماية مدججين بالسلاح وشاهدت حضور سيارات محملة بالمدافع الرشاشة بدأت باطلاق النار على الناس وقد تم حضر التجوال في المنطقة وكان الوقت عصراً وبدأ الجيش يحضر الى المنطقة بكثافة وقاموا بهجوم واسع وشاهدت طائرات سمتية تقوم بقصف المنطقة وقد قتل الكثير من المواطينين ومنهم عقيل علي الخياط المكدمي وجميل المرسومي حيث قتلوا جراء القصف بالطائرات وكانوا من المنتمين لحزب البعث واعتبروا في وقتها شهداء وهذا دليل على الرمي العشوائي. واستمر القصف على مدى أربعة أيام بالطائرات السمتية وقد شاهدت الجيش يطلقون النار بكل الأتجاهات من أعلى حيطان البساتين وشاهدت اعتقال العديد من الشباب.
وبسؤال من المدعي العام أنه المشتكي ذكر بافادته في التحقيق الأبتدائي أنه شاهد برزان وبيده قناص ويطلق النار بصورة عشوائية هل شاهدت ذلك ؟ أجاب أن والدي هو الذي شاهده وليس أنا. وذكر المشتكي أن ثلاثة من اشقائه هم فارس وناصر وقيس قد تم اعدامهم على الرغم من أنهم لا علاقة لهم بالحدث ولم يكونوا منتمين الى اية جهة سياسية.


 
وذكر جواد بأنه في الشهر العاشر من عام١٩٨٢ قامت عشرات البلدوزرات بتجريف البساتين وبدأوا من الجهة الغربية وفي الشهر الحادي عشر تم تجريف خمسة بساتين عائدة لنا مع طمر ثلاثة مضخات مع آبارها واتلاف محصول ثلاثة أشهر وهدم أربعة دور لنا مسجلة باسماء اشقائي وقد شاهدت طه ياسين حيث كنت أنا ووالدي في أرض مزروعة صغيرة ونادى علينا بعض رجال الجيش الشعبي فتكلم والدي مع طه ياسين حيث قال الاخير له ما هذه فقال والدي هذه حديقة وليست بستان وهي عائدة لي والاخرى لشقيقي وهو ضابط في الجيش وجريح فقال طه ياسين اتركوا هذه الحديقة وكان يتكىء على عكازة ولكن بعد خمسة أشهر تم تجريفها أيضاً.
ذكر أيضاً بأن أفراد من الجيش الشعبي هم الذين اطلقوا النار فرحاً وابتهاجاً بزيارة صدام الى الدجيل.طلب الشكوى ضد طه ياسين والتعويض المادي والمعنوي عنا الاضرار التي لحقت به.
وعند سؤاله من قبل المحامي خليل الدليمي كيف استطعت تشخيص طه ياسين وعمرك كان ١٠ سنوات ؟ قال لقد شاهدته واني كنت أعرفه جيداً لأني كنت أشاهده في التلفزيون كذلك انهم ابلغوا والدي بأن طه الجزراوي يريدك وشاهدته بنفسي.
هذه الجلسة كانت بداية لتكتيك استعمله الدفاع وهو الأنسحاب من جلسات المحكمة لعدم تنفيذها أو تاجيلها النظر في طلب لهم و في هذه الحالة نجح الدفاع عندما أستخدم هذا التكتيك لارغام القاضي للاستماع الى مطالعة النعيمي ورامزي كلارك لكن هذا النجاح كان النجاح الوحيد لهذا التكتيك ولم ينجحوا  في الحصول على مطالب أخرى لهم في الجلسات الأخرى رغم أنسحابهم الفعلي وهي نقطة تحسب ضدهم لكونها أضرت بموكليهم بتخليهم عنهم  كما سنتطرق لذلك فيما بعد.
في هذه الجلسة ذكر الشاهد جواد اعتقاده بعدم وجود محاولة اغتيال للرئيس ، وهو مجرد أعتقاد لم يكن قائماً على مشاهدة عيانية أو معرفة حيث أعتقد أن كل ما حصل هو مجرد أطلاق نار ابتهاجاً بزيارة الرئيس من قبل رجال الجيش الشعبي في البساتين تصور كنتيجة له رجال حماية الرئيس أنهم هوجموا  فحصل ما حصل .
معنى ذلك أن الدجيل تعرضت لما تعرضت لا لقيام بعض أهالي الدجيل للتصدي لرأس النظام بل لأسباب لا علاقة لها بذلك  بل هو ينفي وجود هكذا محاولة من اساسها
، وهنا وقع من أعتقد بذلك فيما بدا فيما بعد على أنه تناقض عن شهادته في المحكمة
لانهم في هذه الحالة ينفون وجود  " ابطال من مدينتهم " كما وصوفوا فيما بعد. لكن عندما اجريت مقابلات معهم عما حدث بدوا وكانهم غيروا أقوالهم أو ناقضوا أقولاهم.
وهو ما حصل عندما عرض الدفاع تسجيل لشاهد آخر وردت شاهدته في جلسة أخرى ذكر فيها  حصول محاولة الأغتيال بعد أن نفاها في المحكمة كما سنعرض فيما بعد.
أميل الى الأعتقاد أنهم فعلاً أعتقدوا بعدم وجود محاولة اغتيال لكنهم غير قادرين على قول ذلك عند الاحتفال بتكريم ضحايا الدجيل أو عند اجراء مقابلات معهم للحديث عن ما حصل في الدجيل . ومن الناحية القانونية أعتقادهم بعدم وجود محاولة اغتيال لم تأخذ به المحكمة وما أخذت به المحكمة هو ما تعرض له أهالي الدجيل  من عملية اعتقال و تهجير وحجز وتعذيب كما ورد في قرار الحكم.


الجلسة الرابعة ٦ كانون الاول ٢٠٠٥
في بداية الجلسة، نودي على المتهمين ال ٨ وعلى رأسهم صدام حسين. الذي دخل حاملا المصحف الشريف، ثم سلم على الجالسين بقوله: "السلام على أهل الهدى والحق".
وأعلن القاضي أنه تقرر عدم الإفصاح عن أسماء الشهود لحمايتهم، على أن يُكتفى بالإشارة إليهم بالحروف، الأمر الذي انتقده صدام قائلا: "هل سنناقش حروفا؟". فيما طلب المدعون حماية الشهود من الألفاظ النابية التي وُجهت إليهم في جلسة أول من أمس.













وطلب المدعي العام من رئيس المحكمة السهر على الا يقوم المتهمون بمقاطعة الشهود كما حصل البارحة "خصوصا ان الشهود من النساء اللواتي يمكن ان ترهبهن المقاطعة".
واعترض ممثل الادعاء العام جعفر الموسوي على مناداة برزان التكريتي له بالرفيق، وهي كلمة تدل على عضوية الموسوي في حزب البعث المنحل. فرد برزان بقوله إن كلمة الرفيق شريفة. مضيفا: "إننا أناس أخلاقيون وسنحترم الشاهدات اللواتي سيدلين بشهادتهن، لأنهن مثل أخواتنا".
ثم شرعت الشاهدة الأولى في الإدلاء بأقوالها من وراء ستار، وقرر القاضي قطع الصوت عن الصحفيين أثناء الشهادة. وأشار القاضي إلى الشاهدة برمز "أ"، كما قرر تغيير صوتها بطريقة فنية حتى لا يمكن التعرف عليها.

فذكرت " في يوم الحادث عندما كنا صائمين في شهر رمضان سمعنا ضجة وعلمنا بأن صدام قد حضر الى الدجيل فخرجنا لمشاهدته بعد فترة قصيرة شاهدنا قوة عسكرية والطائرات تقصف المنطقة وقد هرب المواطنون جراء ذلك.
وقامت القوات الأمنية باعتقال المواطنين الذين نقلوا بسيارات مضللة وانه قد تم اعتقالهم ومعهم امراة كبيرة السن واقتادوهم الى الفرقة الحزبية برفقة المسوول الحزبي أبو نبيل وقد امتلأت الفرقة الحزبية بالعوائل ثم جاءت سيارات ذات اقفاص واخذوهم الى المخابرات واوقفوهم باتجاه الحائط ثم قاموا بحجزهم في القاعة رقم ٥٨ وكانوا حوالي خمسة وثمانون عائلة وكان المكان مزدحماً وينامون بالتناوب والماء حار جداً والوقت كان شهر تموز وتذكر اخذوا والدتي للتحقيق ووضعوا شقيقي أمامها وكن عمرها ستون سنة وكان شقيقي مصاب براسه من شدة التعذيب ثم انزلوني أنا الى التحقيق وكانوا يعذبوني بالكهرباء."

واضطر رئيس المحكمة القاضي رزكار محمد أمين بعد مرور مدة قليلة من بدء الجلسة إلى رفعها لمعالجة صوت الشاهدة الذي بدا وكأنه صوت لشخصين، استجابة لطلب المحامين، الذين طالبوا أيضا بمقابلة الشهود، فقررت المحكمة إسدال الستار على المكان المخصص للإعلاميين وجمهور المحكمة، لتوفير فرصة توجيه أسئلة المحامين إلى الشاهدة التي أدلت بتفاصيل ما جرى لها أثناء اعتقالها مع أفراد من عائلتها. 
وكانت هيئة الدفاع تدخلت موضحة أنه في الظروف العادية تجري مواجهة مباشرة ما بين الشهود وهيئة المحكمة.فرد القاضي قائلا: "إذا أردتم واحدا واحدا أدخلوا إلى خلف الستارة للتعرف على الشاهدة". 

بعد ذلك تستمر الشاهدة بذكر تفاصيل التعذيب و ألاهانات والأساءات ومنها اجبارها على خلع ملابسها وتعليقها من يديها واستخدام الكهرباء في التعذيب ورفع رجليها لضربها ووضعها في غرفة  حمراء .وذكرت أنه قد تم فيما بعد نقل كبار السن والاطفال الى سجن أبي غريب وابقوا الشابات في المخابرات لحين انتهاء التحقيق ثم أرسلوهم بعد ذلك الى سجن أبي غريب وهناك استمرت المعاناة حيث كان المكان قذراً وامتلئت رووسهم واجسامهم بالقمل ، وكان الماء بارداً جداً في الشتاء ، وكانوا يعذبون الرجال أمام النساء ولايسمحون لهم بالبقاء في دورات المياه أكثر من خمسة دقائق ، كما تعرضت شقيقتها للضرب بالانابيب المطاطية ، ثم تذكر بعد ذلك أنهم نقلوا الى دائرة الأمن في السماوة ومن ثم الى صحراء ليا حيث علمت أن خالتها قد توفيت هناك. وقالت امام المحكمة كيف أنها كانت تحسد الحيوانات على حريتها، مضيفة: أقسم بالله اني رأيت حمارا في الطريق وحسدته على حريته.
وقالت إنها تعرضت ونساء من قرية الدجيل لتعذيب وضرب مبرح على أيدي أعوان صدام، وتخللت الشهادة نوبات من البكاء من جانب المرأة. التي قالت ساخرة: "أنا الماجدة العراقية التي يباهي بها صدام". وقطعت الشاهدة الاولى كلامها مرارا لتجهش بالبكاء وهي تقول: الله اكبر يا اسلام، الله  اكبر يا مسلمين، أهكذا تعامل الماجدة العراقية؟.

واكتفى صدام بتدوين ملاحظات على دفتر كان بحوزته محافظا على هدوئه.
وحتى عندما وجهت الشاهدة الكلام له قائلة: اهكذا تعامل الماجدة العراقية ؟ لم ينفعل مع العلم ان صدام كان يطلق تعبير الماجدات على النساء العراقيات تقديرا لهن.
وذكرت عند سؤالها من المحكمة أنها لاتعرف من الذي قام بضربها لانها كانت معصوبة العينين . ثم أضافت أن إحدى السيدات كانت تعاني من مخاض الولادة وحين سقط طفلها رفض الحرس مساعدتها وذكرت أنه تم اعدام أربعة من أشقائها. وسألها القاضي رزكار في نهاية إفادتها عن الجهة التي توجه اليها شكواها قالت "ضد صدام حسين ومن عاونه" متهمة الرئيس المخلوع بانه كان "رئيس الجمهورية وحامي الشعب ومع ذلك وضع كل هؤلاء الناس في السجون، وقد تعرضوا لكل ما تعرضوا اليه من تعذيب بامر من صدام حسين".
وبعد أن أنهت الشاهدة إفادتها سألها أحد محامي الدفاع ما إذا كان قد تم تصويرها خلال اعتقالها في سجن أبو غريب في عهد صدام حسين على غرار ما فعله الأمريكيون أخيرا مع محتجزين عراقيين في السجن نفسه، فردت بالقول "كلا لم يصورنا أحد".














ثم طلب محامو الدفاع رؤيتها فتم انزال الستار الذي يمنع الصحافيين من رؤية ما يجري لجهة القاضي وقطع الصوت. وفاجأ القاضي الحضور حين قال إن الأمور التي ذكرتها الشاهدة خلال المحاكمة تختلف عن تلك التي ذكرتها في إفادتها في مرحلة التحقيق الابتدائية.
أما الشاهدة الثانية فقد نودي عليها باسم "الشاهدة باء" ووقفت أيضا خلف الستار. وقالت إنها من مواليد ١٩٣٧من الدجيل وعندما بدأت تدلي بإفادتها كان الصوت رديئا جدا فقررت الكلام بعيدا عن الميكرفون مما دفع محامي الدفاع إلى الاحتجاج لأن الصوت كان ضعيفا وغير مفهوم.
وهنا أيضا قرر القاضي إنزال الستارة وقطع الصوت لمنع الصحفيين من مشاهدة أو سماع ما يدور داخل القاعة وذلك لتمكين الشاهدة من الخروج من وراء الستار والكلام مباشرة أمام محامي الدفاع والمتهمين الثمانية.
وذكرت المشتكية ب  أنه في اليوم الثاني لحادث الدجيل اعتقلت هي وعائلتها المكونة من زوجها وبناتها الأربعة واولادهم الستة ، وبعدها " تم نقلنا الى المخابرات وتم حجزنا في قاعة وقد شاهدت بقية أقاربي كلهم محجوزين في القاعة وكانوا يعطوننا ماء حار جداً وكان من السخان وكانوا يأخذون النساء الشابات الى التحقيق ويقومون بضربهن واهانتهن ....وبقينا في المخابرات حوالي شهر واحد وبعدها نقلونا الى سجن أبي غريب ووضعونا مع معتقلين آخرين وكنا حوالي ثلاثين شخصاً في غرفة صغيرة جداً وكان طولها حوالي ثلاثة أمتار وعرضها متر واحد وكان مجموعنا أربعة عوائل وكانت الغرفة تضيق بنا وكانت البنات الضغيرة ينامون في المرافق الصحية..وبقينا  في سجن أبي غريب لمدة سنة واحدة وبعدها تم نقلنا الى الصحراء قرب السعودية وقد بقينا هناك ثلاثة سنوات وكان المعتقل يقع في محافظة السماوة وكان معي من أفراد عائلتي بناتي الأربعة أما زوجي واولادي الستة فلم يكونوا معنى ولا أعرف مصيرهم من أن نقلونا من المخابرات الى سجن أبي غريب واني اطلب الشكوى ضد صدام حسين وبرزان ابراهيم وضد ضابط أمن الدجيل المدعو أبو أحمد وضد مجيد حميد ناصر وعمران حسن عمران حيث قام هولاء باعتقالنا.

وذكر المشتكي ج أنه أعتقل مع عائلته والده  ووالدته وشقيقاته في اليوم التالي للحادث واخذوهم الى الفرقة الحزبية في الدجيل وبقوا هناك لمدة ساعة تقريباً وكان معهم معتقلين آخرين ثم احضروا سيارات ونقلوهم الى حاكمية المخابرات  وشرح أنواع  التعذيب الذي تعرض له وشقيقته ، ومنها أستخدام الصعق بالتيار الكهربائي وذلك على الرغم من أن عمره كان ١٢ سنة وكذلك شقيقته كانت صغيرة السن واستمرار التحقيق معهم من الساعة الحادية عشر صباحاً حتى الثانية بعد منتصف الليل ونقص الطعام وبعد بقاءهم ١٩ يوماً في المخابرات تم نقلهم الى سجن أبي غريب حيث بقوا ١١ شهراً كانوا خلالها يعذبونهم وكان معهم هناك نساء واطفال ورجال. وكانوا يقومون بالطلب من الرجال النباح كالكلاب أمام انظار النساء ويضربوهم بالانابيب المطاطية.
وذكر أنه شاهد الحراس وهم يضربون عامر دحام السلطان على رأسه حيث أصيب بالصرع جراء الضرب بالكيبل وان ذلك حدث أمامه وشاهده بعينه، وانهم قاموا بتعذيب  أخر يدعى ابراهيم صالح كاظم وقد فقد عقله جراء التعذيب وكانوا يخرجون الأطفال أمام أمهاتهم ويقومون بتعذيبهم ، وكانوا يجبروهم على الاستيقاظ في الصباح الباكر والنوم في الساعة الثالثة بعد منتصف الليل ، ويذكر أن أطفالاً قد توفوا جراء سوء التغذية وعدم وجود الدواء ، وان نساء حوامل قد اجهضن كما ذكر أن والده قد قتل في سجن أبي غريب جراء الضرب والتعذيب وانه علم بذلك في صحراء ليا من عدة أشخاص جلبوا لاحقاً من سجن أبي غريب الى صحراء ليا وانه قد تم جلب أخوه العسكري من وحدته العسكرية واخذوا يعذبوه على الرغم من أنه لم يكن موجوداً في الدجيل يوم الحادث وانما كان بوحدته العسكرية .

ذكر برزان في هذه الجلسة  أن هولاء الناس يقصد الشهود لا يعلمون ووصفهم بالجهلة ، فطلب القاضي منه أن يوجه أسئلته للشاهد من دون أهانته ، كان سؤأل برزان للشاهد ج  من هم الذين قاموا باعتقاله؟  فذكره القاضي بما قاله الشاهد ، فاستفسر برزان عن علاقة هولاء بالمخابرات ؟  فذكر أنهم كانوا من أمن الدجيل  
فقال برزان  أن من اعتقله كان من الأمن ويتكلم هو عن المخابرات  ثم قال "  أن مدير الأمن العام  قام بقطع الأشجار  وراح وعمل معسكر هناك  وهم يعرفوها  وكل أهل الدجيل يعرفوها ...يعرفون أن مدير الأمن العام كان يوم الحادث  استلم المسؤولية  وذهب الى الدجيل واقام معسكر  هناك وكرفانات  وانا عندي معلومات تفصيلية من مصادر شعبية ورسمية  وقام بقص الأشجار كلها  لا أستاذ طه الجرزاوي راح ولا برزان  التكريتي راح ...هو من اختصاصه سيادة القاضي ..هاي الأحزاب العراقية  والاشخاص العراقيين  وكل شيء عراقي  يقع من مسؤولية الأمن العام .. المخابرات مالها علاقة ياسيدي  بأي شيء عراقي ..وحضرتك تعرفها  ومسؤوليات المخابرات وساحات المخابرات عن الأمن عن الأستخبارات  العسكرية محددة بقانون ...لكن همه اكو من حرضهم ضدي  رسمياً وشعبياً ...ليش ما أعرف"
















كانت فرصة لم يتم استغلالها من قبل المدعي العام أو القاضي لمعرفة معلومات برزان عما حصل في الدجيل فهو هنا لاينفي ما حصل بل أقر ضمنياً أن هناك جهة رسمية وهي الأمن العام التي استلمت المسؤولية وقامت بتجريف البساتين
وبسؤال من برزان للمشتكي أنه قضى فترة طويلة في السجن فهل شاهدني ؟
أجاب نعم شاهدته في الدجيل ولكن في المخابرات كانت عيوننا معصوبة وقد شهادته في الدجيل في اليوم الثاني من الحادث في مقر الحزب.
 فطلب برزان أن يوجه السؤال الى محمد عزاوي عما عمله في مقر الحزب في الدجيل فذكره القاضي أنه سيكون لديه مجال في جلسة أخرى لشهود النفي  فالجلسة ألان مخصصة للاستماع الى المشتكين  فسال برزان المشتكي مستحلفاً آياه بعد أن أقر أنه كان موجود في مقر الحزب  في الدجيل " بشرفك مو طلعت آني حوالي فوك السبعين  ثمانين واحد  من قاعة الأجتماعات وصافحتهم واحد  واحد واعتذرت  منهم  وامسحت على كتوفهم " فقال الشاهد أنه لم يشاهد ذلك فقال برزان أذن يوم اعتقالك كان في يوم آخر  واني أكدر أجيبلك خمسين وواحد منهم هو هذا مؤشراً على محمد عزاوي ثم وجه برزان سؤال الى القاضي بما أن هولاء كانوا صغار السن فهل يسمح قانون العقوبات باستماع أقواله أو شكواه لكونه أقل من  ١٨ سنة ؟ فقال القاضي ألان هو بالغ  والافادة والشهادة تقديرها متروك للمحكمة.
هنا أقر برزان من خلال أسترساله في الحديث بحدوث اعتقلات عديدة في الذجيل فأن كان عدد الاشخاص الذين قام باطلاق سراحهم يتجاوز ٠   ٨٠    شخصاً فكم كان عدد المعتقلين أذن ؟
النقطة الأخرى هو أقر بصورة غير مباشرة وجوده بصفة مسؤول باطلاقه سراح هذا العدد من الأشخاص .
ثم جاء دور خليل الدليمي لتوجيه الأسئلة ويبدو أنه لم يكن منتبهاً لاقوال المشتكي حيث قال هل من المعقول أن يقوم رئيس المخابرات بالتحقيق بنفسه؟
فجاوبه القاضي هو لم يقل ذلك بل قال أنه شاهد برزان يتمشى فذكر الدليمي أن هناك تلقين حيث يستهدفون أشخاص معينين .
















ثم خاطب صدام القاضي قائلا: سيادة القاضي، انت لم تسالني وانا رئيس الدولة صدام حسين هل عذبت ام ضربت، علما ان هذا من واجبك، سيادة القاضي، لا تقبل الاساءة الى العراق والاساءة الى صدام حسين. وقال متحدثا عن نفسه ان" الامريكيين والاسرائيليين يريدون اعدام صدام حسين، أنا محال للاعدام ٣ مرات  وهذه ليست المرة الاولى، في اشارة الى إمكان الحكم عليه بعقوبة الاعدام. واستطرد قائلا: لا صدام ولا رفاقه يخافون الاعدام، خارقا الصمت الذي التزمه خلال الجلسة. وقال صدام: لم أقابل أحدا خلف الطاولة  ولا اعمل دعاية انتخابية لنفسي مثلما يفعل الآخرون، ما يهمني هو رضا الله والانسانية وان تعرف الشعوب الامريكية اي جريمة ارتكب حكامها ضد الامة. وتابع صدام متوجها الى رئيس المحكمة: لن نقول الا الحقيقة حتى لو صهرونا فنحن لا نضعف، هذه الشهادات يا حضرة القاضي فيها اساءة لتاريخ عمره ٣٥ عاما بنينا فيه العراق بدمع العين. وقال: اسميك القاضي الاول تقديرا لك شخصيا رغم عدم اعترافي بالمحكمة، انا لاأحتاج اليك لتساعدني ليس استصغارا بك ولكن لانني رئيسك لمدة ثلاثين عاما.
هنا طلب القاضي أن كان لدى الرئيس سؤال ليوجهه للمشتكي .فطلب الرئيس من الشاهد أن يصف من اعتقله في الحاكمية ثم طلب من القاضي أن يرى مكان اعتقاله.
ثم نودي على المشتكي د الذي ذكر أنه كان عسكريا وعند عودته للدجيل خرج لمشاهدة الرئيس مع عائلته وشاهد وجود قوات عسكرية كثيرة وبعد حوالي ١٥ دقيقة من خروجه واثناء انتظاره لقدوم الرئيس حدث أطلاق نار  كثيف  فقام أفراد عسكريين بضربهم فاسرعوا الى دارهم ...وقد القي القبض على ولده مؤيد سالم مجيد مواليد ٦٦ في ذلك اليوم  ولم يعرف مصيره الا بعد السقوط حيث كان أسمه ضمن المحكومين بالاعدام وذكر أسم من قام باعتقاله كان من المنظمة الحزبية في الدجيل.
ثم قام النعيمي بتوجيه اسئلة أن كان قد راى ابادة جماعية أمامه فسأله القاضي أن راى قتل أمامه فاجاب بالنفي ،  هل رأيت جرائم حرب أمام عينيك فاجاب بالنفي
فقال النعيمي أذن لايوجد شيء أنه قام بجرائم ضد الأنسانية  
فجاوبه القاضي  أن جرائم الحرب أو جرائم ضد الأنسانية مسائل قانونية الشخص العادي لا يعرفها
سؤال آخر من أحد المحامين كم كان عمره وقت زواجه ؟
القاضي وهو يبتسم سؤال شخصي..
خليل الدليمي لا نريد نعرف..
المشتكي..تزوجت تقريباً عمري ١٤ سنة
خليل الدليمي ... نطلب عقد الزواج
القاضي القصد من السؤال.. حتى نفهم
المحامي أستاذ هو مواليد ١٩٥٠ وابنه مواليد ١٩٦٦ ..
القاضي يعني تريد تطعن في عقد زواجه أو تريد أن  تنكر " يقصد المعدوم" غير مولود من هذا الشخص
المحامي مو أنكر هذا لكن العلاقة غير طبيعية  يعني بيها شك
القاضي يعني هذا ليس ابنه ..يعني حتى يكون السؤال منتج ...يعني هذه في أثبات النسب...هذا سؤال شخصي وغير منتج.
خليل الدليمي متى حضرت القوات
الشاهد مااكدر أكلك نصف ساعة ساعة بس السمتيات أتت بسرعة
خليل الدليمي لا هو عسكري  عندي سؤال محدد يعني أريد جواب محدد ..
هذا الجواب كان نفس جواب المشتكين الأخرين...ونكدر نجزم ملقنين بهذا.... يعني ما مكن رئيس دولة يطلع يزور مدن بلده وياخذ وياه مدافع  وياخذ وياه طيارات 
ثم دار جدال ما بين خليل الدليمي وجعفر الموسوي عن الفلم الذي عرضه في الجلسة الثانية عن زيارة الرئيس للدجيل والذي قال المدعي العام أن الغاية من عرضه كانت للتوضيح أن صدام حسين أمر في التحقيق..وهو هنا صحح ماقاله في الجلسة الاولى من أنه حقق بنفسه..
أما خليل الدليمي فقد عاد وكرر ما قاله أحد المحامين أن المدعي العام ليس خصماً بل هو يمثل الحق العام وهو كما أشرنا أعلاه يعكس عدم فهم المحامين لقانون المحكمة ودور المدعي العام فيها.
ثم ذكر أنهم قد زودوا  باكثر من ٨٣٤ وثيقة  وهي مستنسخة عن وثيقة واحدة  وهو يوكد أنها مزورة... وهو يطعن في شهادات الوفاة..وهو قادر حسب قوله أن يستطيع أن يجلب آلاف الشهادات المزورة..
رغم أن المدعي العام لم يعرض بعد الوثائق لكن المحامي قفز الى موضوع الوثائق واعتبرها مزورة..وكما سنعرض فيما بعد كان موقف المتهمين من موضوع الوثائق متذبذب فاقروا بصحة بعض ما جاء في بعضها من خلال أقوالهم لما جرى من أحداث وعادوا وانكروا صحتها فيما بعد.
وعلق الرئيس مرة أخرى عن موضوع القرص حيث ذكر من أن المدعي العام ذكر أن صدام حسين حقق بنفسه مع ٤ أشخاص وقال أنه لم يحقق مع أحد
أما المشتكي ه  وهو والد كريم كاظم جعفر الذي حسب التقرير المرفع من برزان التكريتي الى الرئيس صدام بعد حادث الدجيل كان أحد الذين قاموا بمحاولة الأغتيال ، فابتدا بذكر بأنه قد أعتقل وضرب كذا مرة من قبل الأمن قبل الحادث وان ولده كريم " رادوه أنهزهم ...ما عاد يواجه لا اللي ولا الحكومة".
من صار حادث الدجيل  أتوا واخذوا عائلته كلها  بينما تخفى هو في بيت أحد أقاربه  ثم سلم نفسه بعد ذلك .ذهبوا به الى مركز الشرطة ثم من هناك الى المخابرات  لمدة ٢٠ يوم ثم أبو غريب لمدة سنتين وتحدث عن تعذيبه هناك ثم من هناك الى ليا ولم يعرف ما حصل لابنائه وهم صباح  الذي أعتقل قبل الحادث ثم ناجي وكان عسكرياً في كيلان غرب واعتقل بعد شهر من حادث الدجيل وخميس وكريم الذي قتل في الحادث ألا بعد السقوط حيث عرف باعدام  أولاده. وذكر والد كريم كذلك أعتقاده بعدم وجود محاولة اغتيال
وفي ختام الجلسة الرابعة هدد صدام حسين المحكمة بألا يحضر جلسات محاكمته مستقبلا قائلا انها غير نزيهة وصاح بالقاضي رزكار أمين بأن ""يذهب الى الجحيم".
 الجلسة الخامسة ٧ كانون الاول ٢٠٠٥
نفذ الرئيس صدام تهديده وغاب عن هذه الجلسة لكن قيل أنه كان يتابع اجراءتها في دائرة تلفزيونية مغلقة.
وكالمعتاد، تأخر بث وقائع الجلسة الخامسة لمحاكمة صدام عن الزمن الفعلي
٢٠ دقيقة.
في هذه الجلسة شهد المشتكي  "واو" بأنه تم القبض عليه وكان عمره ١٥ سنة بعد فشل محاولة الأغتيال واخذ الى مقر الحزب في الدجيل. وذكر أنه تم احتجازه في غرفة حمراء لمدة يومين أو ثلاثة في سجن الحاكمية في المخابرات وذلك  قبل حجزه في غرفة أخرى بها خمسة أو ستة أشخاص مكبلي الأيدي وبدون ماء لقضاء حاجتهم لمدة أربعة أو خمسة أيام ، بعدها تم نقله الى الحجرة ٦٩ داخل مقر الحاكمية التابعة للمخابرات وهو المكان الذي تم تعذيبه فيه باستمرار لمدة سبعين يوماً قبل ارساله الى سجن أبو غريب ، وشهد أنه عندما كان يطلب أحد المحتجزين الطعام كان يضرب ويركل أضاف المشتكي أنه في سجن أبي غريب احتجزوفيه تم  ارغامه على عدم النوم أو الجلوس لعدة أيام واذا سقط احدهم نائماً كانوا يضربونه. والشاهد يذكر أنه هو وآخرون كانوا يعذبون ويضربون في سجن أبي غريب وقد تم وضعهم في قسم الخاصة والغرفة فيه مساحتها ١٫٥ X ٢  م ولايوجد فيها مرافق صحية وكانوا يضعون كل خمس معتقلين في هذه الغرفة.وانه في أحد الأيام زودوا بالطعام وبعد ساعتين أصيب جميع المعتقلين بالأسهال وانهم عندما طلبوا أخراجهم الى المرافق الصحية مما اضطر بعضهم الى قضاء حاجته في نفس الغرفة. ثم تم نقلهم فيما بعد الى مجمع ليا الصحراوي قرب الحدود السعودية.  وذكر أنه لم يشاهد برزان في المخابرات ولكنه سمع صوته وعند استفساره عنه قالوا أنه برزان.
 قام نجيب النعيمي باستجواب المشتكي، ركز على دقته في تذكر التفاصيل، وسأله عما كان يرتديه يوم سجن، ولون ردائه في نفس ذلك اليوم.













ضحك القاضي رزكار أمين وأجابه بالقول: "إن هذه الأسئلة لا تأتي بنتيجة."
 ورفض القاضي أن يصرح الشاهد عن أسماء أي شهود آخرين بشكل علني.
 اشتكى الشاهد على كل من صدام حسين وبرزان التكريتي باعتبارهما مسؤولين عن  الدجيل. ونفى مشاهدة التكريتي وهو يرتكب أي أعمال قتل، ولكنه قال إنه سمع ذلك.  
في هذه الجلسة من المحاكمة، تحدث طه ياسين رمضان وانكر أي علاقة له بموضوع الدجيل. واحتج برزان التكريتي على فريق الادعاء، وبخاصة على حركة قام بها بيده تطلب منه الجلوس، مشيراً إلى أنها طريقة غير مقبولة في التعامل معه.واحتج أيضاً أمام المحكمة على طريقة معاملة السجناء من قبل سجانيهم، ولجوئهم للعقاب.