الخميس، 7 أبريل، 2011

عن اعدام عائلة البكاء...فائق الشيخ علي..جريدة الرأي العام

لا أريد أن أتحدث ......عن أعداد الشهداء الذين قدمتهم هذه الأسرة، في طريق الخلاص من الديكتاتورية، بدءاً بوالدي الذي قتلته السلطة في 4/9/1996م، بعد أربعة اعتقالات متتالية له في مديرية أمن النجف الأشرف، بسببي, ولا عن وَلَدَي عمي أحمد (علاء ومازن) اللذين اعتقلتهما السلطة في عام 1980م في بغداد، وغيبتهما، حتى علمنا قبل شهر من الآن (في نوفمبر ــ تشرين الثاني ــ 2003م) بإعدامهما، ففجعت أمهما (حَرَم عمي) بهما وماتت على الفور، بعد سماعها بالخبر وطول انتظار لهما، امتد لـ (23) ثلاثة وعشرين عاماً.ولا عن ابن عمي كاظم (المرحوم الدكتور صاحب كاظم الشيخ علي) وهو طبيب أسنان معروف في مدينة الحلة العراقية, حيث اعتقلته أجهزة النظام الحاكم عام 1980م، بتهمة الانتماء الى حزب الدعوة الاسلامية وأعدمته، فترك زوجة (أرملة) وأولاداً وبنات يتامى، لا يحظون برعاية أحد.لا أريد أن أتحدث عن خالتي «رحمة حسن»، التي قتلها صدام في مدينة كربلاء المقدسة، خلال انتفاضة مارس عام 1991م. ولا عن وَلَدي خالتي «خديجة حسن» (جاسم ورحمن)، اللذين أعدمهما صدام عام 1980م، ليترك (جاسم) عائلة كبيرة من اليتامى من البنات وزوجة أرملة, ولا عن «أمير» ابن خالي عبد الرزاق, ولا عن «ليث» ابن خالي عبد المجيد عام 1991م. ولا عن (21) واحد وعشرين فرداً من أهلي, ولا عن,,, فالقائمة ستطول وتطول، لاسيّما إذا ذكرتُ والد زوجتي «نجاح أبو صيبع» الذي أعدمه صدام عام 1981م، وأعدَمَ أخاها «رحمن» عام 1984م، وأعدَمَ عمها «غفوري» عام 1991م، حيث دفنه حيّاً في الانتفاضة.لا أذكر كل هذا خشية أن تُسبب ازعاجاً ومللاً لقارئها، انما سأكتفي بالحديث فقط عن عائلة عمتي «صفية الشيخ علي»، ذلك لسببين، فضلاً عن الوثائق التي بحوزتنا.الأول: لكبر حجم الجريمة وجسامتها، ما يندر أن يحصل مع أي عائلة أخرى, حيث أقدم صدام على اعدام (8) ثمانية أفراد، أخوة وأخوات من عائلة واحدة فقط, أي بمعنى آخر، انهم كانوا يعيشون في بيت واحد، لأبٍ واحد وأُمٍّ واحدة، وليسوا في بيوت متفرقة!الثاني: لبشاعة الجريمة وغرابتها، ولعدم وجود سابقة لها, نَعَم,, لقد وَأَدَ صدام أطفالاً في أعمار الزهور، وهم يحتضنون لُعَبَهم وحاجاتهم البريئة، في مقابر جماعية جنوب العراق عام 1991م. نعم,, لقد خنقَ أطفالاً في أعمار الورود بالأسلحة الكيمياوية، في حلب.ة وكردستان العراق عام 1988م. لقد أطلق النار على أجنّة في بطون أمهاتهم، وهشَّم رؤوس أطفال، ردمها بين الأزقة والحياطين, لقد فعل صدام كل ما يخطر على بال انسان، وما لا يمكن أن تتصوره مخيلة انسان سويّ، أو شاذ حتى في خيالاته!بيد انه لم يحصل في التاريخ، لا القديم ولا الحديث ولا المستقبلي, لم ولن تشهد سجلات المحاكم، ولا أحكام القضاء، ولا قرارات النقض في محاكم الاستئناف، أو التمييز، أو العليا في العالم,, ان محكمة رسمية، فيها ثلاثة قضاة وادعاء عام ومحامي دفاع، تُصدر حكماً بالاعدام شنقاً حتى الموت، ليس على (8) ثمانية أشخاص تباعاً، وإنما على طفلة لم تبلغ سن الرشد, اعتُقِلت وهي في (11) الحادية عشرة من عمرها، وأُعدمت وهي في (13) الثالثة عشرة، بعد سنتين من التحقيق والتعذيب والاهانة والاستعباد والاعتداءات المتكررة! هذا ما حصل مع ابنة عمتي الطفلة «أنوار عبد الأمير محمود البكاء»، حيث تبدأ القصة باختصار:في مطلع الأربعينات، وبينما كانت الأمم تخوض صراعاً مسلحاً في حرب عالمية ثانية بين الحلفاء ودول المحور، كان ثمة صراع خفي من نوع آخر يدور في مدينة النجف الأشرف بالعراق على المرجعية الدينية، بين السيد «أبو الحسن الأصفهاني» ومَنْ انطوى تحت عباءته من جهة، وبين جدّنا وعدد من المراجع الكبار الآخرين من جهة أخرى, لعب فيه المال والاعلام (عن طريق وكلاء المراجع) دوراً جهنمياً في ترجيح كفة السيد الأصفهاني على الشيخ النجفي وغيره من المراجع الكبار.لا نجد وقفة تاريخية مدوِّنة لهذا الحدث بإسهاب، ذلك لصفات كان يتمتع بها جدّنا، ذَكَرَها بالتفصيل شيخ المحققين واستاذ المنقبين والمؤرخين، الاغا بزرگ الطهراني في كتابه «طبقات اعلام الشيعة» في جزء «نقباء البشر من اعلام القرن الرابع عشر»، من قدسية وتُقى وورع وابتعاد عن المظاهر وبساطة في العيش وانزواء، فضلاً عن الفقاهة والبراعة في الأعلمية، مشيراً الى كتب الشيخ ورسائله العلمية ومخطوطاته، في كتابه الأشهر «الذريعة الى تصانيف الشيعة».في ذلك التاريح تقدَّم السيد عبد الأمير محمود البكاء (رحمه الله) طالباً يد عمتي «صفية» من والدها المرجع الشهير, أراد جدُّنا أن يزوِّج أبناءه وبناته في حياته، أي قبل وفاته الى رحمة الله عام 1951م، اطمئناناً وحفاظاً عليهم, وقد تحقق له ما أراد، حيث زَوَّجَ جميع أبنائه وبناته، باستثناء عمي أحمد، ذلك لصغر سنه.تزوجت عمتي صفية من السيد البكاء وانتقلت الى دار زوجها الجديد, فآل البكاء من السادة العلويين الأشراف، وهم من الأُسر العلمية والأدبية المرموقة في النجف الأشرف، وغيرها من مدن العراق, وقد برز عدد منهم كقيادات سياسية في أحزاب عراقية، تحديداً في حزب الدعوة الاسلامية, انجبت له (11) أحد عشر ولداً وبنتاً، وهم بين أطباء ومهندسين ومدرسين وطلاب جامعات, تزوجت (3) ثلاثُ بنات من ذريتها، هُنَّ اللائي ما زلن على قيد الحياة, وهن كل من : 1 ــ الدكتورة فائزة البكاء (تعيش في البصرة الآن). 2ــ المدرِّسة نهضة البكاء (كانت في النجف الأشرف، وتعيش خارج العراق الآن). 3ــ الاستاذة رفاه البكاء (موظفة تسكن الكوفة).
ماتت عمتي صفية عام 1971م، سرعان ما لحقها زوجها السيد عبد الأمير في يوم أربعينها, دفنّاها الى جوار أبيها في مقبرة جدي الشيخ علي في «وادي السلام»، على مقربة من مرقد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام), سكن أولادها وبناتها (8) الثمانية الباقون في منزلهم ذي الرقم 40/1/16 حي البساتين في منطقة «سبع ابكار» التابعة لقضاء الأعظمية ببغداد، وهم كل من:

1 ــ فائز البكاء من مواليد 1946

2 ــ فاروق البكاء من مواليد 1950

3ــ فريدة البكاء من مواليد 1953

4ــ فرزدق البكاء من مواليد 1955

5ــ علاء البكاء من مواليد 1957

6ــ سندس البكاء من مواليد 1961

7ــ ذكريات البكاء من مواليد 1964

8ــ أنوار البكاء من مواليد 1968

في أحد صباحات أيام عام 1980م المشؤوم، طَوَّق جهاز «الأمن العام» بأسلحتهم وسياراتهم «اللاندگروزر» منزل أولاد وبنات عمتي في حي البساتين، وانقضّوا عليهم يجرجرونهم من دارهم, خرج الجيران ينظرون اليهم خلسة، ويتساءلون بخوف عن سرّ اعتقالهم.سمع أحد الضباط ابنة عمتي «فريدة» تهمس في أذن جارتها قائلة: بالله عليكِ ألا ما آويتِ اختي الصغيرة «أنوار» حينما تعود من المدرسة ظهراً,, أرجو أن تطعميها، حتى يُفرِّج الله عنّا! سألها الضابط على الفور بفضاضة: وأين هي الآن؟ ردَّت بهدوء: انها في المدرسة.حملت السيارات أبناء وبنات عمتي وانطلقت باتجاه المدرسة, أخرجوا «أنوار» من صفِّها الخامس الابتدائي، وهي تحمل حقيبتها الجميلة، بكتبها ودفاترها وأقلامها, أصعدوها في احدى سياراتهم، وتحركوا صوب «مديرية الأمن العامة» وسط بغداد.سنتان، أو ثلاث من الاعتقال الجهنمي والتعذيب الهمجي المستمر، الذي لم يتوقف في يوم من الأيام, لم يخرج كل مَنْ دخل من الناس الى هذه المديرية المقيتة المرعبة بتهمة ما، الاّ نفر قليل جداً، لحُسن الحظ، أو الصدفة, كلهم تحدثوا عن شتى صنوف التعذيب وأساليب امتهان الكرامة، التي يمارسها الجلادون والمُعذِّبون، أما بحقهم حيث يروونها كشهادات، أو بحق غيرهم، حيث يستمعون الى نداءات الاستغاثة وصرخات المُعذَّبين والمستغيثين، المتوسلين بربِّ السماوات والأرض,, وما من مجيب!لماذا مارس صدام وعناصر نظامه، من المتورطين معه في الانتماء الى أجهزته القمعية والارهابية، كل تلك الأساليب الإبادية والوحشية بحق الشعب العراقي؟! الجواب ببساطة: لأن هذا الشعب العظيم لم يوالِهِ يوماً, أبى أن يذعن له، ويكون عبداً ذليلاً تافهاً يُنَفِّذُ سياساته الخسيسة، ويمجّد أفعاله الدنيئة، ويردد أقواله الهزيلة المضحكة, لأن هذا الشعب يعرف حقيقة صدام، وكل مَنْ سانده من المأجورين والمرتزقة القتلة، من أنهم لا أصول لهم، ولا شرف عندهم، وانهم لم ينزلوا من أماكن ذات مكانة، أو مواقف مشهودة سجَّلَها التاريخ.,, لهذا كله أرادوا أن يمسخوا الانسان العراقي، ليثبتوا وجودهم ويتمسكوا بمواقعهم، التي استولوا عليها من غير حق, فمارسوا كل الأساليب الهمجية واللاانسانية بحق الأبرياء والشرفاء، من أجل انتزاع اعتراف منهم، ولو كان مُلفَّقاً، أو كاذباً لا أساس له, اختزلوا الوطن بفأر، قضّى عمره جباناً خائفاً مذعوراً حتى من ظلِّه، ليختفي بين الجحور,, عثروا عليه في حفرة، لا يعيش بها الاّ المشردون والهاربون من العدالة، الخائفون من شعوبهم.هذا الوضيع ومَنْ كان معه منهم أداة بيده، ينتزع من ضحاياه تحت سياط الجلاّدين اعترافات، هي في حقيقتها مخزية ووصمة عار في جبين صدام ونظامه من جهة، وهي وسام شرف وبطولة فذة تُعلَّق على صدور المعدومين والمحكومين بالموت المحقق من جهة أخرى.فتأليب المواطنين ضد ما يُسمى بـ «قيادة الحزب والثورة» وتوزيع المنشورات على الشعب، والاشتراك في انتفاضة رجب عام 1979م ضد النظام الحاكم، ومحاولة اغتيال رئيس المحكمة التي حكمتهم بالاعدام، وغيرها من الاعترافات، ما هي الاّ بطولات يستحق أولاد وبنات عمتي المعدومون أن يخلَّدوا عليها, أما جَعْلُها في خانة «المساس باستقلال البلاد ووحدتها وسلامة أراضيها»، فما هي الاّ محاولة مخزية من قبل صدام ونظامه لتبرير اعدامهم, ستبقى لطمة عار في صفحات حكم التكارتة والعفالقة البعثيين، لأن صدام لم يكن في يوم من الأيام رمزاً لاستقلال العراق ووحدته، انما كان وسيبقى رمزاً للديكتاتورية ولتجزئة العراق وإثارة الفتن الطائفية والجُبن والخِسَّة والنذالة.أُعدم أولاد وبنات عمتي الثمانية على مرحلتين، بقرار صادر من شخص «صدام حسين» نفسه حسب الوثائق المنشورة, الأولى في زمن ما يسمى برئيس محكمة الثورة «مسلم هادي موسى الجبوري» وعضوية كل من «العقيد داود سلمان شهاب», و«المقدم ياسين عباس أحمد», الثانية في زمن ما يُسمى برئيس محكمة الثورة «عواد حمد بندر السعدون» وعضوية كل من «العقيد داود سلمان شهاب» أيضاً و«المقدم طارق هادي شكر».لم يكتفِ صدام بكل هذه الاعدامات، انما حكم عليهم أيضاً (بعد اعدامهم) بمصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة, فصادر أموالهم ورواتبهم ومدخراتهم وسياراتهم وحلي البنات ومصوغاتهن، وصادر حتى ذكرياتهم، من صور ورسائل,, لهذا فإننا عانينا كثيراً، وبقينا نبحث طويلاً عن صور لهم، عند الأقرباء والمعارف ومَنْ بقي من العائلة، ولم نعثر على هذه الرسوم، الاّ بعد جهد مضنٍ.لعله من المضحكات المبكيات، انه صادر بيتهم أيضاً في «سبع أبكار» وقدَّمه هدية الى أحد ضبّاط الأمن برتبة نقيب، ممن ساهم هو وأمثاله في قتلهم وقَتْلِ غيرهم من الأبرياء، ويدعى «طارق عبد مهدي العزاوي», فبعد سقوط نظام صدام في 9 ابريل 2003م، ذهب اليه بعض مَنْ أُرسل من قبل بنات عمتي، يسأله عن البيت الذي يسكنه, أجاب: انه هدية من الرئيس القائد (حفطه الله ورعاه) وانه سيبقى فيه ما دام حيّاً.لا يعلم هذا المجرم الأمني الصغير ما ينتظره من عقاب، وفقاً لأحكام القانون، وتحقيقاً لمبادئ العدالة، ليس فقط من خلال دعوى استرداد البيت، التي ستقيمها بنات عمتي عليه، ولا حتى المطالبة بالتعويض والإيجارات المستحقة طوال (20) عشرين عاماً من استغلاله العقار، وانما دعوى كونه أحد المجرمين، ممن كان أداة بيد الطاغوت!منذ شهر ابريل والى الآن نبحث عن قبور الشهداء ممَّنْ أُعدِموا، فلا نجد لهم أثراً ولا ذكراً، سوى في سجلات ووثائق السلطة المنهارة,, ألا هل مَنْ يدلنا على قبورهم؟!اليوم تتعالى في أرجاء العراق وخارجه، أصوات تدعو الى التسامح والمصالحة الوطنية، والتسامي على الجراح، وطيِّ صفحة الماضي الأسود,, لِمَ لا؟ فنحن أبناء بلد واحد,, ولكن ليس قبل أن يُحاكَمَ مَنْ قتل أبناء وبنات عمتي الثمانية الأبرياء، ويدلنا على قبورهم. (لندن في الأحد 14/12/2003م) "جريدة الرأي العام 1-1-2004