الخميس، 14 مايو 2026

تسجيلات صدام حسين السرية ١٩ مقطع مع ‏رؤساء أثناء انعقاد ‏مؤتمر قمة بغداد دعم أفريقيا ونقل تكنلوجيا



 هذا التسجيل غير مؤرخ، لكن من مضمونه يمكن أن نستنتج أنه مقطع من تسجيل أثناء انعقاد مؤتمر قمة بغداد في أيار ١٩٩٠.

تخميني أن التسجيل في الأصل كان شريط فيديو، ثم جرى تحويله إلى تسجيل صوتي فقط في مركز توثيق وبحوث الصراع. يبدأ التسجيل بصوت الرئيس صدام مخاطبًا رئيس السودان عمر البشير، الذي طلب منه إضافة كلمة "الفعال" إلى إحدى الصفحات التي كانوا يناقشونها. ثم اقترح ياسر عرفات إضافة بند يتعلق بالقمة العربية الأفريقية المعطلة، وهو العمل بسرعة على عقد تلك القمة تعزيزًا للروابط العربية الأفريقية. وتحدث الشاذلي القليبي، الأمين العام للجامعة العربية، وأشار إلى أهمية العلاقات العربية الأفريقية وضرورة تطويرها. كما أيّد فكرة الاستثمار المالي العربي في الدول الأفريقية لتعزيز تلك العلاقات، وهو اقتراح تقدمت به الكويت. ثم علّق كل من حسني مبارك وعلي سالم البيض. وتحدث ياسر عرفات مرة أخرى، مطالبًا بدعم التعاون العربي الأفريقي لوقف التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا، من أجل الحصول على دعم الدول الأفريقية في الأمم المتحدة، كما طلب الإشارة إلى التعاون العربي الأفريقي. فردّ صدام بأن ذلك موجود في البيان الختامي، وعلّق بأن الوضع الاقتصادي للدول العربية نتيجة انخفاض أسعار البترول يؤثر على دعم الدول الأفريقية التي تتوقع ذلك من العرب، مما سيؤدي إلى تدهور العلاقة مع العرب. وأضاف أنه من غير المناسب ذكر التغلغل الإسرائيلي والدعم الأفريقي معًا في البيان الختامي، حتى لا يُفهم أن هذا هو السبب وراء رغبة العرب في التعاون مع الدول الأفريقية. فاقترح ياسر عرفات تقوية الفقرة في البيان السياسي، وأيّد صدام ذلك الاقتراح. ثم علّق معمر القذافي، مطالبًا بالاتصال بالدول الأفريقية، فطلب صدام من أمين الجامعة الاتصال بهم. وبعد أن علّق حسني مبارك على حساسية الدول الأفريقية، اقترح صدام عدم نشر ما يتعلق بالتغلغل الإسرائيلي في أفريقيا، مع الاستمرار بالعمل عليه. وعلّق عمر البشير، مطالبًا بتثبيت قلق الدول العربية من التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا، والإشارة إلى التعاون العربي الأفريقي في قرار منفصل. انقطع صوت التسجيل لحوالي خمس دقائق أثناء حديث الملك فهد، قبل أن يعود مرة أخرى. وفي النهاية اقترح صدام رفع هذه الورقة المتعلقة بالتغلغل الإسرائيلي من البيان الختامي للمؤتمر. ثم علّق محمد سياد بري، مطالبًا بعدم إزالة فقرة التضامن مع الصومال والسودان من البيان، فأكد صدام أن تلك الفقرة ستبقى في البيان الختامي. بعد ذلك انتقل صدام إلى الفقرة الثانية المتعلقة بحق الدول العربية في استخدام العلم والتكنولوجيا في التنمية. فعلّق رئيس وزراء المغرب بأنه لم يفهم تلك الفقرة، وأنها مبهمة، وطلب شرحها. فطلب صدام من طارق عزيز شرحها. فقال طارق عزيز إن حظر انتقال التكنولوجيا إلى الدول العربية يُعد عملًا عدائيًا، ويستهدف تهديد الأمن القومي العربي من خلال إبقاء الأمة العربية ضعيفة تكنولوجيًا. وأضاف أن العراق هو من اقترح تلك الفقرة، وأن العراق كان عرضة لإجراءات تعسفية من دول كانت تربطه بها علاقات تجارية، لكنها قررت، بدوافع سياسية مغرضة، تعطيل انتقال التكنولوجيا إليه. وذكر أن هناك عقودًا وُقعت مع دول أوروبية، لكن جرى إيقافها وحجزها في اللحظة الأخيرة بحجة أن العراق يعمل على بناء مدفع عملاق. واعتبر طارق عزيز أن ذلك عمل عدائي، ولذلك جرى إدراج تلك الفقرة في المؤتمر كي ترفض الأمة العربية مثل هذه السياسة. ثم قرأ طارق تلك الفقرة على الرؤساء العرب، وقال إنه طلب من الأمانة العامة إجراء دراسات حول كيفية تعامل دول أوروبا وأمريكا الشمالية واليابان مع مسألة نقل التكنولوجيا، وإذا أظهرت تلك الدراسات وجود تصميم تآمري يهدف إلى الإضرار بمصالح الدول العربية، فإن ذلك يتطلب مواقف جماعية من الدول العربية، وهذا هو المقصود. فعلّق صدام بأن صياغة الفقرة رديئة. ثم علّق حسني مبارك متسائلًا عن الإجراءات التي ستتخذها الدول العربية عند وقوع مثل هذه الحالات، وطلب حذف كلمة "تحذير" من الفقرة، فاقترح صدام استبدالها بكلمة "تنبيه". بعد ذلك علّق عزت الدوري على الصفحة الخامسة، الفقرة الرابعة، فقال صدام: "ما عدنا صفحة ٥". فرد عزت: "العفو، صفحة ٣"، وطلب حذف كلمة "المناسبة" من الفقرة، واقترح استبدال كلمات أخرى فيها. ثم قال صدام إنه سيعمل على نقل التكنولوجيا رغم الحظر. وأضاف أنه بعث رسائل إلى إيران، وصفها بأنها ناعمة رغم الحرب، وكان ملخصها أنه يريد السلام. كما أيّد ما قاله الأمير جابر عندما قال: "نصير ويه نفسنا ومحد يخاف من أحد نصير كبار". ثم قال إنه قادر على صنع المدفع العظيم. ما يلفت الانتباه في هذا المقطع هو نهايته، عندما قال صدام إنه يؤيد ما قاله أمير الكويت: "نصير ويه نفسنا ومحد يخاف من أحد نصير كبار". من الواضح أن أمير الكويت قال هذه العبارة في المؤتمر، لكن ليس من الواضح متى قالها بالضبط. هل قالها بعد حديث الرئيس صدام عن أن بعض الدول تعمل على خفض أسعار البترول، أم قبل ذلك؟ وإن كان قد قالها قبل ذلك، فما الذي دعاه إلى قولها؟ وهل كان ذلك تلميحًا لصدام بأنه يشعر بالخوف منه؟ ربما تعكس العبارة شعورًا لدى أمير الكويت بأن العلاقات العربية أصبحت محكومة بحالة من القلق وعدم الثقة، وأن بعض الدول الصغيرة باتت تشعر بضغط أو خوف من الدول الأكبر والأقوى عسكريًا. لذلك قد يكون قصده أن الدول العربية لا يمكن أن تصبح “كبيرة” أو مستقلة القرار ما دام الخوف المتبادل قائمًا بينها. وما يجعل العبارة لافتة أنه، بحسب الظاهر، لم يكن هناك توتر علني بين العراق والكويت عند انعقاد هذا المؤتمر، إذ إن الانفجار السياسي بين الطرفين جاء لاحقًا، بعد أن شبّه صدام انخفاض أسعار البترول بالحرب على العراق، واعتبره عملًا مقصودًا من الكويت والإمارات. وهذا يطرح تساؤلًا حول ما إذا كانت عبارة أمير الكويت تعكس مجرد حديث عام عن العلاقات العربية، أم أنها كانت تعبيرًا مبكرًا عن شعور بوجود مخاوف أو حساسيات كامنة لم تكن قد ظهرت إلى العلن بعد.

السبت، 2 مايو 2026

تسجيلات صدام حسين السرية ١٨. اجتماع مع عبدالمجيد الرافعي بعد هروب حسين كامل

 


هذا التسجيل غير مؤرخ، لكن من خلال مضمونه يمكن تخمين أنه يعود إلى ما بعد هروب حسين كامل عام ١٩٩٥ وقبل عودته إلى العراق. الاجتماع كان مع أعضاء حزب البعث من العرب، ومنهم عبد المجيد الرافعي من لبنان.
بعد ذلك، يسأل الرئيس عبد المجيد عن أخبار الرفاق في لبنان، ثم يعاتبه مرة أخرى، قائلًا إنه من الأصول أن يكون لديه علم إذا كان عبد المجيد أو غيره من أعضاء القيادة مسافرين، وذلك عبر قيام مدير مكتب الأمانة بإبلاغ اللواء عبد حمود بسفر أي عضو، ليكون الرئيس على اطلاع بتحركاتهم.
ثم يوجّه الرئيس حديثه لبقية الحاضرين، سائلًا إن كانت لديهم استفسارات حول “العملية الخيانية الأخيرة”، في إشارة إلى هروب حسين كامل. فيجيبه عبد المجيد: “يا جبل ما تهزك ريح”، مضيفًا أن القضية مزعجة ومقرفة. ويعلّق عزة بأنها فعلًا مقرفة، لكن يجب الفرح لأن الله أنجى الرئيس منهم، ويدعو إلى شكر الله وتهيئة الشعب والحزب لذلك.
ثم يتحدث أحمد شوتري من الجزائر، معبرًا عن استغرابه من وقوع الحدث في العراق دون غيره من الأنظمة، ويجيب بأن السبب هو أن الثورة في العراق تصطدم يوميًا بالأعداء في الداخل والخارج، وبالتالي فإن سقوط بعض الأشخاص أمر متوقع في الثورات. ووصف حسين كامل بأنه “خائن البيت”، وأضاف أنه لاحظ أن الناس مرتاحة رغم الألم.
وكرر أعضاء آخرون أن أهم شيء هو سلامة الرئيس لضمان استمرار المسيرة. ثم تساءل صدام: لماذا يحدث هذا في نظامنا؟ وأجاب بنفسه بأن نظامه لا يساوم على المبادئ، لذلك تظهر “هذه الفقاعات السرطانية”، على حد تعبيره.
وقارن ذلك بحركة ناظم كزار، وبما اعتبره خيانة خمسة من أعضاء القيادة عام ١٩٧٩، معتبرًا أن حركة ناظم كزار كانت نتيجة لتأميم النفط ومشاركة العراق في حرب ١٩٧٣، بينما ظهرت خيانة ١٩٧٩ بسبب التحول في حالة الاقتدار، تعبيرًا عن التمسك بالمبادئ، وأن من يقود المسيرة من الثوار لا يساوم عليها.
أما بخصوص حسين كامل، فقال إنه لو كان يعلم بوجود مساومة على القضايا المبدئية لما “انفجر”، ولو كان يدرك أنه سيصبح رئيس وزراء ثم رئيس دولة بتمهيد من صدام، لما قام بما فعل.
وذكر أن أحد السكرتيرين أشار إلى أن من أسباب استعجال حسين كامل في “الانفجار” أنه لم يحصل على عضوية القيادة في حزب البعث، وأن الرئيس لم يخبره بوجود مؤتمر. كما ذكر الرئيس أنه خلال اجتماع لمجلس الوزراء شدد على احترام القانون، وأن أي زيادة في الميزانية تتجاوز ١٠٪ ستؤدي إلى إحالة الوزير إلى المجلس الوطني للمحاسبة، وأن موارد الشركة يجب أن تذهب إلى البنك المركزي.
وأضاف أنه قال ذلك دون علمه بأن حسين كامل كان قد سحب أموالًا وكان ينوي الهرب، لكن حسين كامل ظن أن الرئيس علم بالأمر، فتوقف عن السحب وهرب.
وفي محاولة للتخفيف، قال الرئيس إن جميع الأنظمة العربية لديها أشخاص مثل حسين كامل أو أسوأ، لكنهم لا يظهرون بسبب وجود مهادنة للانحراف.
كما ذكر أنه يرى أنه من الأفضل ألا يكون أقاربه في السلطة، وإن اضطر لذلك فيجب أن يكون لفترة محددة، وأن حسين كامل ظن أن هذه التصريحات موجهة إليه.
وأشار صدام إلى اعتقاده بأن حسين كامل نسّق مع الملك حسين قبل هروبه، وأن الأمريكيين شجعوه على ذلك، وهو ما أيده طارق عزيز.
وخلاصة الأمر، بحسب الطرح في الاجتماع، أن حسين كامل أدرك أن العراق مقبل على مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة بسبب رفضه عمليات التفتيش، فقرر الهرب. وقبل هروبه أجرى اتصالات مع الأمريكيين والإسرائيليين، وطلب معلومات من حسام محمد أمين ودكتور مهدي حول الأسلحة. ورُجّح أنه بدأ التحضير في حزيران أو تموز.
كما ذُكر أنه أوهم بنات الرئيس بوجود ضربة قادمة على العراق عندما رافقنه في الهروب. وأشار طارق عزيز إلى أن هروب حسين كامل كان يجب أن يتم قبل نهاية شهر آب لتسليم المعلومات للأمريكيين.
ومن الأدلة التي ذُكرت أن الملك حسين اتصل بالرئيس كلينتون في نفس ليلة وصول حسين كامل. كما أعلن حسين كامل في مؤتمره الصحفي أنه يعمل ضد النظام، وكان يحرض على المواجهة مع الولايات المتحدة.
ومن بين التصورات التي طرحها طارق عزيز احتمال دخول قوات برية عبر الأردن بقيادة حسين كامل، وأن ذلك كان مخططًا له منذ فترة. وأضاف أن الولايات المتحدة تفضل تغيير النظام من الداخل، وتحديدًا من تكريت. نفت ابنة الرئيس، رغد، ما رواه الرئيس في هذا التسجيل، وأكدت أن حسين كامل لم يخدعهم، بل صارحها بنيته الهروب، وذكرت أنها وافقت على الخروج معه لتجنب وقوع مذبحة داخل العائلة. والمفارقة أن المذبحة حدثت لاحقًا بعد عودة حسين كامل.
وما يلفت الانتباه في هذا التسجيل هو عقلية المؤامرة التي كانت طاغية على تفكير النظام، إلى حد اتهام صهر الرئيس بالتعاون مع الأمريكيين والإسرائيليين قبل خروجه. ورغم ذلك الادعاء، أرى أن ما أشار إليه الرئيس في هذا التسجيل، كما ورد أيضًا في تسجيل اجتماعه مع الوزراء، هو أن سبب خروج حسين كامل يعود إلى عدم حصوله على منصب أعلى، كمنصب رئيس وزراء وعضو في القيادة القطرية، وأن تحجيم طموحه ودوره في السلطة كان السبب الذي أدى إلى انقلابه على الرئيس.
يبدأ التسجيل بالرئيس صدام موجّهًا الحديث إلى عبد المجيد الرافعي، معاتبًا إياه على سفره دون إبلاغه، فيجيبه عبد المجيد بأن ذلك واجب قومي. ثم يسأل الرئيس طارق عزيز عمّا إذا كان أكيوس، رئيس لجنة التفتيش عن أسلحة الدمار العراقية، قد حضر، فيجيبه بأنه يتوقع وصوله بين الساعة ١٢:٣٠ و١:٠٠.

الثلاثاء، 10 فبراير 2026

تسجيلات صدام حسين السرية ١٥... اجتماع مع وزراء بعد هروب حسين كامل..٢



هذا هو الجزء الثاني من اجتماع صدام حسين مع الوزراء بعد هروب حسين كامل، ويعود تاريخ هذا التسجيل إلى آب ١٩٩٥، أي بعد أيام من فرار حسين كامل إلى الأردن. في مستهل هذا الجزء، شكر الرئيس الوزراء على تحمّلهم حسين كامل، رغم مساوئه، بسبب صلته العائلية به.

وبحسب قوله، كان حسين كامل يطمح إلى الحصول على منصب رئاسة الوزراء تمهيدًا للوصول إلى كامل السلطة، أي منصب الرئاسة. وذكر أنه تعمّد عدم تعيين حسين كامل نائبًا لرئيس الوزراء، لمنعه من الوصول إلى المنصب الذي كان يطمح إليه، وهو رئاسة الوزراء. وأضاف أن حسين كامل، وكان صدام حسين يتحدث عن نفسه بصيغة الغائب، شعر بأن الرئيس أصبح قريبًا من فهم انحرافه واستغلاله، فاختار الهروب، لأنه أدرك أنه لن يحصل على ما يطمح إليه، ولن يترقّى إلى أكثر من منصب وزير. واعتبره مريضًا بالجاه والسلطة، ما أدى إلى انحرافه.

وأشار إلى أنه سبق أن شرح لحسين كامل، عند تقديمه استقالته عام ١٩٩٢، أنه مريض، موضحًا أن مرضه هو «مرض بعنوان صدام حسين»، أي طموحه للوصول إلى منصب الرئاسة. وقال إنه حذّره حينها بقوله: «أنبهك أن هذا خطير، خطير عليك، وخطير أن تتصور مثل هذا التصور». وبرّر هذا التحذير بأن حزب البعث لا يؤمن بالنظام الملكي، وأن صدام حسين يؤمن بالنظام الجمهوري. كما ذكر أنه قبل استقالة حسين كامل من وزارة الدفاع في ذلك الوقت التزامًا بمبدأ سار عليه، كما حصل مع أشقائه عندما قدّموا استقالاتهم. وأضاف أن أغلب أقربائه أصبحوا في مواقع السلطة بعد ما وصفه بـ«صفحة الغدر والخيانة»، لأنهم «جرّدوا سيوفهم» حسب تعبيره. كذلك أشار إلى أنه لم يسمح بصعود حسين كامل إلى قيادة قُطر العراق في المؤتمر الأخير لحزب البعث، الأمر الذي أصاب حسين كامل بخيبة أمل كبيرة. وأوضح صدام أنه أصبح واضحًا لحسين كامل أن الطريق إلى منصب أعلى بات مسدودًا، ولا سيما بعد أن تولّى صدام منصب رئاسة الوزراء. وذكر أن أقرباءه، إذا مُنحوا أكثر من استحقاقهم، سيتآمرون، لأنهم سيسعون للتمتع بما يملكون من أموال، ثم يعملون على التخلص من الرئيس. ولهذا السبب دعا وزراءه إلى عدم منح أي امتيازات غير قانونية لأقربائه أو للموظفين العاملين معه، وخاطبهم قائلاً: «إذا أردتم ألّا يتكرر الانحراف، فلا تعطوا أحدًا أكثر من استحقاقه». وتحدث طارق عزيز موضحًا أن حسين كامل لم يكن يمثّل الرئيس في كل شيء، ولم يكن له دور في اختيار الوزراء أو إعفائهم من مناصبهم. فعقّب الرئيس بأن قرار تعيين الوزراء أو إعفائهم هو قرار يختص به وحده. وتساءل وزير التعليم العالي، همام عبد الخالق، عمّا إذا كانت العملية الجراحية التي أُجريت لحسين كامل لاستئصال ورم من دماغه قد أثّرت في قدراته الذهنية وطريقة تفكيره. وذكر أن قريبًا له مرّ بحالة مشابهة، وتغيّرت طباعه بعد نمو الورم، وأن الطبيب المعالج، عبد الهادي الخليلي، أخبره بأن السلوك المتغيّر سيستمر حتى بعد إجراء العملية. واقترح الوزير على الرئيس الاستفسار من الأطباء عن الحالة الصحية لحسين كامل. وأضاف همام أن حسين كامل كان يناصبه العداء دون سبب واضح، ولا يجد تفسيرًا لذلك سوى تأثير الورم، كما عبّر عن اعتقاده بأن حسين كامل قد يُقدم على الانتحار. وأيّد وزير الصحة، الدكتور أوميد مدحت ، ما ذكره وزير التعليم العالي، موضحًا أن هذه حالة معروفة طبيًا، إذ إن الأورام الدماغية في الفص الأمامي تؤثر في الذاكرة والأخلاق والطباع. وأشار إلى أنه لاحظ أن تصرفات حسين كامل ومناوشاته كانت غير اعتيادية إلى حد مخيف، وكان يرتجف بطريقة غير مألوفة. وأضاف أن ما حدث لاحقًا كان نتيجة مباشرة لورم الدماغ. وذكر أن أحد أطباء الأردن قدّم له تفاصيل كاملة عن عملية حسين كامل، وأن الطبيب الأجنبي الذي أجرى العملية ركّز جهده على استئصال الورم، الذي لم يكن خبيثًا، إلا أن موقعه كان حساسًا لارتباطه بالبصر والسلوك والطباع. وبعد العملية، أُصيب حسين كامل أحيانًا بحالات اكتئاب، ما دفعه إلى سؤال الطبيب الأردني عن دلالة ذلك، فأجابه بأن هذه الحالة قد تستمر حتى لو كان حجم الورم صغيرًا، وأن نوبات الصرع التي أصيب بها تستوجب تناول الدواء مدى الحياة، وأن الاكتئاب أو نوبات الهوس قد تكون من أوائل الأعراض. وذكر أوميد أن حسين كامل حاول تغيير نظام شراء وتوزيع الأدوية بشكل لافت، إذ اقترح إضافتها إلى البطاقة التموينية وبيعها للمواطنين بصورة مستمرة، لكن هذه الفكرة قوبلت بالرفض. وأشار إلى أن حسين كامل كرر المحاولة قبل أسبوعين من هروبه، كما سعى إلى رفع أسعار الأدوية. ما يلفت الانتباه في هذا التسجيل هو قول الرئيس إنه شعر بأن طموح حسين كامل لم يقتصر على رئاسة الوزراء، بل امتد إلى السيطرة على السلطة، وهو ما يفسر تحذيره له بقوله: «أنبهك أن هذا خطير، خطير عليك، وخطير أن تتصور مثل هذا التصور». فقد كان صدام يعتبر مجرد الحلم بالرئاسة نوعًا من المرض. كما أن العقلية التآمرية لصدام لم تكن لتسمح لأي شخص بالاقتراب من منصب الرئاسة أو السير على الخطى نفسها التي سار عليها هو عندما كان نائبًا والرجل الثاني في الدولة. ففي عهده، لم يُسمح بوجود «رجل ثانٍ» حقيقي، وكانت المسافة بين الرئيس ومن يليه، حتى لو حمل منصب النائب، مسافة واسعة، ولم يُتح لأحد امتلاك قوة قد تمكّنه من الإطاحة به. ويبدو أن هذا هو السبب الذي دفع صدام حسين إلى تقليص دور حسين كامل، وعدم منحه منصب رئاسة الوزراء، بل وعدم تعيينه حتى نائبًا لرئيس الوزراء. أما النقطة الأخرى اللافتة في العقلية التآمرية للرئيس، فهي قوله إن سبب عدم فتح المجال أمام أقربائه هو خشية تآمرهم عليه. وقد توقفت عند هذه النقطة من التسجيل، إذ إن التبرير المتوقع من السياسيين عادةً لعدم منح الأقرباء امتيازات هو الحرص على المال العام وحماية أموال الدولة ومنع الفساد. إلا أن صدام حسين، وفق طريقة تفكيره التآمرية الصِرفة، كان يمنعهم من الاستيلاء على المال العام لا بدافع الحرص عليه، بل لأنه كان يعتقد أنهم، إذا استولوا عليه، سيسعون للتخلص منه من أجل التمتع بما حصلوا عليه، وليس بدافع الحفاظ على المال العام أو مكافحة الفساد.

الأحد، 1 فبراير 2026

تسجيلات صدام حسين السرية ١٤... اجتماع مع وزراء بعد هروب حسين كامل..١

 


يعود تاريخ هذا التسجيل إلى آب ١٩٩٥، بعد أيام من هروب حسين كامل إلى الأردن. طلب الرئيس من الوزراء إبداء ملاحظاتهم بشأن هروب حسين كامل، وقال أنه ليس لديه مقدمة لأنه قد شرح ذلك في رسالته، ويقصد الرسالة التي نُشرت في وسائل الإعلام وكان عنوانها «لماذا يخون الخائنون».
ابتدأ وزير العدل شبيب المالكي حديثه بقوله إن هروب الخائن المرتد جنّبهم شرًّا كبيرًا، لكونه إنسانًا شريرًا، وإن الناس يتعاطفون مع الرئيس. وأن الخونة، يقصد المعارضة، يستخفّون بحسين كامل ودعوا إلى محاكمته. وخاطب الرئيس واصفًا إياه بأنه جبلٌ تتكسر عليه كل السهام، وأن حسين كامل سيأخذ جزاءه، وأن المسيرة ستستمر بقيادة الرئيس.
تلاه وزير المالية أحمد حسين، وذكر أنه يؤيد ما ذكره وزير العدل، وأنها ستكون فاتحة خير على العراق، ووصف حسين كامل بأنه دمبلة (قيح) على العراق ستزول. و أن العرب استنكروا موقف حسين كامل، وأن حسين كامل في الآونة الأخيرة صعّد من محاربته لكثير من الأشخاص، وقص حادثة أدت إلى محاربة حسين كامل له. واضاف أنه بعد هروب حسين كامل بدأ يفكر أن «جبل العراق»، ويقصد صدام، لن يثق بنا بعدها.
أما طارق عزيز، فقال إن ظاهرة حسين كامل لم تأخذ مداها لولا المجاملات من قبل بعض الحاضرين في الاجتماع، ووصف حسين كامل بأنه كان سوطًا لصدام حسين ضد من لا يجامل حسين كامل. وذكر أن التآمر حصل من أشخاص نالوا أكثر من استحقاقهم وأُعطوا صلاحيات استثنائية.
انقطع التسجيل أثناء كلام طارق عزيز، ليبدأ مرة أخرى بمتحدث آخر هو وزير النفط عامر محمد رشيد، الذي قال إن حسين كامل حاول نقله من القوات المسلحة إلى هيئة التصنيع العسكري لكنه لم ينجح، ثم التحق الفريق عامر بهيئة البحث والتطوير العسكري مع عدنان خير الله. وحسب تعبير الفريق عامر، تخبّل حسين كامل في النهاية، وبعد أن تحدث إلى الرئيس صدام ضغط على عدنان خير الله، فنُقل الفريق عامر مع حسين كامل، وعمل على احتواء سلبيات حسين كامل.
وذكر أن حسين كامل كانت لديه قابلية على إرهاب المقابلين وتحطيمهم نفسيًا، ومثالًا كان تحطيم حسين كامل نفسية سامال مجيد، وزير التخطيط، بعد أن وقف سامال ضد طلبٍ لحسين كامل، فتوعده حسين كامل بأنه سيحطمه نفسيًا. فقال للفريق عامر أن يصمم جسرًا يمرّ في بيت سامال، وأرسل شفلات تبدأ بالحفر. وذكر أن المهندسين حاولوا خداع سامال، الذي طلب اللقاء بهم لمحاولة تغيير موقع الجسر، بتوجيه من حسين كامل، وقال أن حسين كامل كان يشعر بأنه سلطة مطلقة.
كان ذلك ديدن حسين كامل، حسب الفريق عامر؛ يذلّ الشخص الذي يقف عقبة في طريقه ثم يُصعّده. واعتقد أن الانحراف حصل في نهاية عام ١٩٩٣، عندما تم تعيين حسين كامل وزيرًا للصناعة، في حين كان يشرف على ثلاث وزارات. وكان يطمح إلى أن يكون رئيسًا للوزراء، وكان يعمل على التنكيل ببقية الوزراء، وبعضهم كان يتملق له.
وأنه كان يتوقع أنه إن لم يحصل حسين كامل على منصب نائب رئيس الوزراء أو عضو قيادة، فسوف يثير ذلك مشكلة. وأن حسين كامل في نهاية ١٩٩٣ أو بداية ١٩٩٤ بدأ بالتفرد بالجانب المالي، وكان يطلب من وزارة التجارة معرفة عدد أسهم الشركات التي يمتلكها أقارب المسؤولين، وهي مهمة صعبة التنفيذ، وكان يستعملها للتنكيل بالأشخاص عند رفعها إلى الرئيس. ووصفه بأنه كان داهية في التنكيل بالأشخاص.
وفي بعض الأحيان كان يدعو الوزراء إلى احتفالات كي يسير امامهم لأنه لم يحصل على منصب نائب رئيس الوزراء، وفي أحيان أخرى لا يدعو بعضهم. وأن حسين كامل كان يكنّ عداءً لحامد يوسف حمادي عندما كان سكرتيرًا للرئيس. وذكر الفريق عامر أنه كان يعمل على تقليل شر حسين كامل وزيادة إيجابياته، في حين كان حسين كامل يعمل على تقليل تخصيصات وزارة الإعلام لكراهيته لحامد يوسف حمادي وزير الإعلام.
وذكر أن حسين كامل كان مقهورًا عندما عُيّن وزيرًا للصناعة، فبدأ الانحراف المالي وبناء البيوت والمضايف، فبنى مضيفًا بكلفة ١٥٨ مليون دينار لمنشأة الفاو، وبدأ بتقريب أشخاص اعتبرهم الفريق عامر تافهين، ووصف أحدهم بأنه قذر، وقد هرب قبل أسبوع من هروب حسين كامل بتوجيه منه. وذكر أن بعض الأشخاص ما زالوا يخشون حسين كامل حتى بعد هروبه.
قال صدام أنه بدأ يعرف بسوء تصرف حسين كامل قبل هروبه، وأشار إلى أنه قال ذلك في اجتماعات مجلس الوزراء، وأنه قال إن من يتجاوز التخصيصات المالية بنسبة ١٠٪ سيحاكمه أمام المجلس الوطني. وقال الفريق عامر أن حسين كامل بدأ يشعر بأن الطوق يضيق عليه بعد أن لمح صدام في الاجتماع الذي سبق هروبه إلى أن الأموال تصل من البنك المركزي إلى جهات معينة، وعلّق صدام بأن ذلك كان أحد أسباب هروب حسين كامل، ووصفه بأنه كان خبيثًا جدًا.
وذكر عامر أن حسين كامل قال: «لا يصح إلا الخطأ»، و أن حسين كامل أمر بسحب الأموال التي كانت في عمّان وفي المصارف العراقية قبل ١٥ آب، وهدد من لم ينفذ أو من يسرّب ذلك بالإعدام. وكانت الأموال تُخزَّن ليلًا في غرفة مكتب حسين كامل، وكان المبلغ تسعة ملايين دولار. وعلّق صدام بأن حسين كامل أخذ الأموال معه.
وقال عامر أن الرائد عز الدين، الذي هرب مع حسين كامل، كانت لديه شركات تبرعت لهيئة التصنيع بمبلغ ٢٥٠ ألف دولار، وأن حسين كامل بعد أشهر أمر ببيع السكائر بالدولار لشركة عز الدين بسعر أقل من سعر السوق، وأن احتكار السكائر من قبل شركة عز الدين أدى إلى ارتفاع أسعارها. وكانت الشركة تربح يوميًا ١٢٠ ألف دولار ربحًا صافيًا. وذكر أن بعض التجار عرضوا شراء السكائر بسعر أعلى، لكن حسين كامل كان يرفض ذلك.
وأضاف أن حسين كامل كانت له عشرات العلاقات غير الشرعية مع نساء، وأنه كان يحمل دفترًا في حقيبته يتضمن أسماء وأرقام هواتف نساء. وقال أيضًا إن حسين كامل اتصل ببعض الأشخاص للحصول على معلومات عن أسلحة الدمار الشامل.

الأحد، 11 يناير 2026

تسجيلات صدام حسين السرية.. ١٣: اجتماع بعد نجاح الثورة الأيرانية, تحدث عن ايران والثورة الأريترية




يعود تاريخ هذا التسجيل إلى ٢٠ شباط ١٩٧٩، وهو اجتماع النائب صدام حسين مع مجموعة من الدبلوماسيين. يبدأ التسجيل بصدام وهو يقول نحن قادرون « نكسر ضلوع من دون غرور وبحسابات علمية، ولكننا لن نسيء الى أي طرف يحترم سيادتنا وسياستنا إطلاقًا».
وذكر أن «ايران كانت تتخبط بدمائها لمدة سنة وكنا من الناحية العملية قادرين أن نثأر ل ١٦ الف شهيد وجريح من خلال هذا الوضع، بس لا يمكن لا يمكن» واعتبر أن الإيرانيين ارتكبوا خطأً، قاصدًا دعم الأكراد في الشمال، ثم قال إن هذا الخطأ «صُحِّح في اتفاقية آذار»، في إشارة إلى اتفاقية الجزائر، و«خلص» حسب تعبيره. كما أكد أنه لن يفضّل أي طرف إيراني على آخر، لأن ذلك شأن يخص الشعب الإيراني نفسه، وأنه لا ينظر بحساسية إلى أي طرف من الأطراف. وذكر أنه قلق من عدم استقرار إيران، وتوقع أن الوضع السياسي فيها سيحتاج إلى سنين من الصراع قبل الوصول إلى الاستقرار. وأضاف أن استقرار إيران ووحدتها يمثلان حالة إيجابية عندما تكون إيران غير معادية للأمة العربية، وإذا كانت حليفة لها فذلك يُعد كسبًا كبيرًا ومهمًا. ثم قال إن الخميني “ضال على خاطره”، يقصد أن الخميني كان، ولا يزال، مستاءً من طلب العراق منه مغادرة أراضيه بضغط من شاه إيران. وأضاف أن الخميني، لكبر سنه، سيتعامل مع المسألة بصورة شخصية، أما كيفية تصرفه فـ«يتركها له».وأن منهجنا يقوم على احترام من يتصرف في سياسته من دون إيذائنا، وإيذاء من يتصرف لإيذائنا، بغضّ النظر عن من يكون. ووجّه أحد الحاضرين سؤالًا عن احتمال أن تؤدي فوضى الوضع في إيران إلى ظهور بوادر اضطراب في كردستان الإيرانية، وما أثر ذلك على وضع كردستان العراق. فأجاب صدام بأن الوضع في إيران غير واضح، ويحتمل عشرات الاحتمالات، وأن القوى السياسية تبدو متساوية لعدم وجود شخصية دولة محل إجماع كقائد، مع إقراره بأن الخميني يحظى بأكبر تأييد جماهيري. وأضاف، استنادًا إلى تجاربه، أن رمز الصفحة الأولى قد يكون مختلفًا في الصفحات اللاحقة، معبرًا عن عدم تأكده من نجاح الخميني أو فشله في «بقية الصفحات»، في إشارة إلى مراحل الثورة. ورأى أن الأطراف السياسية الإيرانية تمتلك أهدافًا مختلفة قد تؤدي إلى انقسامها، وأن صبر الشعب الإيراني سينفد إذا لم تُلبَّ مطالبه بتحسين أوضاعه الاجتماعية. وأكد مجددًا قلقه من مآلات الوضع في إيران، مشددًا على أنه يريد إيران موحدة، مزدهرة، مستقرة، وغير معادية للعرب، لكنه غير واثق مما ستكون عليه مستقبلًا. وسأل شخص آخر عما إذا كانت هناك إيضاحات بشأن الثورة الإريترية والتواجد العسكري السوفيتي والكوبي في المنطقة. فأجاب صدام بأنه لا يتوقع انتصارًا حاسمًا للثورة الإريترية ولا انسحابًا كاملًا في المدى القصير، مشيرًا إلى أن المعادلات الدولية باتت متداخلة، وأن اهتمام السوفييت بإيران أكبر من اهتمامهم بإريتريا. وأضاف أنه يدعم الإريتريين بالسلاح والأموال، إضافة إلى الدعم السياسي. واستمر الاجتماع بعد ذلك في الحديث عن إريتريا. يبدو أن فكرة المواجهة مع إيران لم تكن قد نضجت وقت عقد ذلك الاجتماع، بسبب عدم وضوح المشهد الإيراني آنذاك. لكن بعد سبعة أشهر، وحسب ما ذكر صلاح عمر العلي في مقابلته مع غسان شربل في كتاب «صدام مرّ من هنا»، بعد أن التقى صدام والعلي بوزير خارجية إيران في أيلول ١٩٧٩ على هامش قمة عدم الانحياز في كوبا، واشار العلي الى أهمية الحل السلمي والمفاوضات واللقاءات، وأن الحرب ليست الطريق لحل المشكلات، قال صدام: «هذا الكلام عن حل سلمي وحل إنساني وتصفية المشاكل مع إيران لا أريد أن يتكرر على لسانك إطلاقًا. حضّر نفسك في الأمم المتحدة. اسمع ما أقوله لك: سأكسر رؤوس الإيرانيين وأُرجع كل شبر من المحمرة إلى شط العرب»

الخميس، 1 يناير 2026

تسجيلات صدام حسين السرية ١٢.. اجتماع مناقشة رسالة إتهام الامارات والكويت باضرار العراق

 

بمناسبة ١٧ تموز في عام ١٩٩٠ ألقى الرئيس صدام حسين خطاباً ورد فيه ما يشير الى أن هناك أزمة ما بين العراق ودول عربية لم يسميها ولوح في خطابه ما يمكن أن يفسر على أنه تهديد باستخدام القوة حيث ورد في خطابه " ‏إن العراقيين الذين اصابهم هذا الظلم المتعمد مؤمنون بما فيه الكفاية بحق الدفاع عن حقوقهم وعن النفس فإنهم لن ينسوا القول الماثور قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق.... وإذا ما عجز الكلام عن أن يقدم لأهله ما يحميهم فلابد من فعل مؤثر يعيد الأمور إلى مجاريها الطبيعية ويعود الحقوق المغتصبة إلى أهلها" بعد يوم من الخطاب اذيع رسميا في بغداد نص ‫ رسالة بعث بها وزير خارجية العراق طارق عزيز الى الأمين العام للجامعة العربية الشاذلي القليبي، اتضح منها من كان المقصود بالتهديد بـ«الفعل المؤثّر»، وتضمّنت ثلاثة اتهامات رئيسية:

الأولى - قضية الحدود وفي صددها قالت الرسالة أن حكومة الكويت استغلت انشغال العراق، كما استغلت مبادئه القومية الأصيلة، ونهجه النبيل في التعامل مع الأشقاء، وفي القضايا القومية، لكي تنفذ مخططاً في تصعيد وتيرة الزحف التدريجي،والمبرمج، باتجاه أرض العراق؛ فصارت تقيم المنشآت العسكرية والمخافر، والمنشآت النفطية، والمزارع، على أرض العراق. وقد سكتنا على كل ذلك، واكتفينا بالتلميح والإشارات، علّها تكفي، في إطار مفاهيم الأخوّة، التي كنا نعتقد، أن الجميع يؤمنون بها. لكن تلك الإجراءات، استمرت، بأساليب ماكرة، وإصرار يؤكد التعمد والتخطيط. الثانية- اشتركت حكومة الإمارات العربية المتحدة مع حكومة الكويت في "عملية مدبَّرة، لإغراق سوق النفط بمزيد من الإنتاج، خارج حصتهما المقررة في الأوبك، بمبررات واهية، لا تستند إلى أي أساس من المنطق أو العدالة أو الإنصاف، وبذرائع لم يشاركهما فيها أي من الأشقاء، من الدول المنتجة. وقد أدت هذه السياسة المدبَّرة، إلى تدهور أسعار النفط تدهوراً خطيراً. وإن تدهور الأسعار، في الفترة الواقعة بين ١٩٨١ ـ ١٩٩٠، أدى إلى خسارة الدول العربية بحدود ٥٠٠ مليار دولار، كانت حصة العراق منها ٨٩ مليار دولار". والثالثة كانت نصبت حكومة الكويت "منذ عام ١٩٨٠، وخاصة في ظروف الحرب، منشآت نفطية، على الجزء الجنوبي من حقل الرميلة العراقي، وصارت تسحب النفط منه. والاخطر مما ورد في نص الرسالة بانها اعتبرت مافعلته حكومتا الكويت والامارات عدوانا على العراق أما بالنسبة لحكومة الكويت، فإن اعتداءها على العراق، هو اعتداء مزدوج. فمن ناحية، تعتدي عليه، وعلى حقوقه، بالتجاوز على أراضينا وحقولنا النفطية، وسرقة ثروتنا الوطنية؛ وإن مثل هذا التصرف، هو بمثابة عدوان عسكري. ومن ناحية أخرى، تتعمد حكومة الكويت تحقيق انهيار في الاقتصاد العراقي، في هذه المرحلة، التي يتعرض فيها إلى التهديد الإمبريالي الصهيوني، الشرس، وهو عدوان لا يقلّ في تأثيره عن العدوان العسكري. هذا التسجيل يعود تأريخه الى ١٩٩٠/٧/١٤ ،نوقشت فيه تلك الرسالة .طلب صدام، بعد أن ذكر للمجتمعين رواية عن حادثة في تكريت اعتبر فيها حكمة ، مناقشة الرسالة الموجهة للجامعة العربية، وذكر الرئيس أن طارق عزيز سياخذ الرسالة الى الجامعة العربية ويوزع نسخها على الحضور. ثم ذكر صدام بعد ذلك سيقوم العراق بنشر الرسالة. اقترح طه محي الدين أرسالها الى مجلس التعاون العربي فرفض صدام ذلك قائلاً أنهم سيثنوننا عنها. ثم ذكر صدام أن هذه الرسالة ستنشر بعد خطابه في ١٧ تموز. طلب علي حسن المجيد عدم اثارة قضية اطفاء ديون العراق في الرسالة، وهو ما لم يؤيده لطيف نصيف جاسم. أما محمد حمزة الزبيدي فذكر أن يخشى أن تصر الكويت على موقفها وتضع حواجز مانعة للعراق ممثلة ببعض الدول العربية ، واقترح تهديد الكويت مباشرة، وان العراق يقول لهم أنه سيضربهم ويستولي على ابار النفط التي أتهم العراق الكويت باقامتها على الجزء الجنوبي من حقل الرميلة العراقي، و تسحب النفط منه. وبدلاً عن الرسالة اقترح الزبيدي أرسال مندوب مباشرة للكويت لتهديدها. فطلب منه صدام توضيح فكرته ، لان فكرة تهديد الكويت مباشرة مشابه للمذكرة ، فاجاب الزبيدي أنه يخشى أن تطلب الكويت من جيوش عربية أن تاتي للكويت. ثم طلب صدام من الزبيدي أن يوضح فكرته أكثر ، فاقترح أن يقوم العراق باجراء قبل الرسالة يتمثل باسترجاع الأراضي التي اعتبرها عراقية ويتوقف ثم يشرح موقفه لباقي الدول العربية. لم يوافق طه معروف على أقتراح الزبيدي لانه سيقود الى أدانة العراق دوليا وعربياً واعتباره معتدياً قبل نشر هذه الرسالة وضرورة اشراك الجامعة العربية واخبارها . وان الكويت بعد هذه الرسالة ستطلب التقرب من العراق لمصالحته. وقد أيد كل من عزت إبراهيم ومزبان خضر هادي إرسال الرسالة. بعد الأستماع الى هذا التسجيل يمكن الاستنتاج أن أعضاء في القيادة العراقية، أن لم يكن جميعهم من الذين حضروا هذا الأجتماع، والذي عقد ١٨ يوماً قبل الغزو، لم يكنوا على علم بنية الرئيس احتلال الكويت ، فمحمد حمزة الزبيدي اقترح احتلال أو استرجاع الأراضي العراقية والابار الحدودية، في حين أعتبر طه محيي الدين القيام بهكذا عمل، وهو عمل عسكري محدود، سيؤدي الى ادانة العراق دولياً وعربياً ورفض الفكرة ولم يؤيد أحد ممن تحدث فكرة الزبيدي باستخدام القوة. يبدو، في ضوء ذلك، أن الرئيس كتم نيته الحقيقية حتى عن أقرب مساعديه، فالحرس الجمهوري ، كما ورد في مذكرات رعد الحمداني، «حتى لا يغادرنا التاريخ»، بدأ تحركه في اليوم التالي، ١٩٩٠/٧/١٥ باتجاه الكويت. كما يذكر الحمداني أنه استُدعي في ١٩ تموز، أي بعد خمسة أيام، قائلاً: ‏"حال دخولي على القائد في دائرته المتنقلة (كرفان)، وجدتُ مصحفًا موضوعًا على طاولته بشكل بارز، على غير العادة. وبعد حديث قصير عن عمليات إكمال التحشد، طلب مني أن أقف للقسم على كتمان مشروع يحمل الرقم ١٧، ويتعلق بتحرير الكويت!" هذه الفترة القصيرة ما بين هذا الأجتماع، وتحرك الحرس، ثم إبلاغ قادة الحرس بنية احتلال الكويت، يعزّز استنتاج إن الرئيس أخفى نياته الحقيقية تجاه الكويت حتى عن أقرب مساعديه.

الخميس، 25 ديسمبر 2025

تسجيلات صدام حسين السرية ١١ . اجتماع مع القيادة القومية بعد حركة ناظم كزار

 



يعود تاريخ هذا التسجيل إلى عام ١٩٧٣، وقد عُقد بعد فترة قصيرة من حركة ناظم كزار ضد النظام. وهو اجتماع جمع النائب صدام حسين مع القيادة القومية، وقد ورد خلاله ذكر اسمين هما شبلي العيسمي وعلي غنام.

يبدأ التسجيل بصوت النائب صدام حسين، وقد بدا منفعلاً، إذ استعرض عددًا من الأحداث التي عدّها انتصارات لـ«الثورة» ضد الاستعمار، واعتبر حركة ناظم كزار طعنة غادرة من الخلف استهدفت «الثورة» والحزب، ثم أعلن أنه سيجيب عن الأسئلة من دون رتوش. في بداية التسجيل، حمّل صدام حسين ناظم كزار مسؤولية عدد من الحوادث التي وقعت في السبعينات، من بينها: تفجيرات في المنطقة الشمالية، إرسال أسلحة إلى باكستان، حيث قامت السلطات هناك باقتحام السفارة العراقية ومصادرة الأسلحة، محاولة اغتيال مجموعة من المعارضين في القاهرة عبر إرسال ٢٩ عنصرًا من الأمن، ألقت السلطات المصرية القبض عليهم، قتل عدد من اليهود، اختفاء بعض الأشخاص من قبائل الكاكائية في خانقين. وذكر صدام أن أجهزة أمنية أخرى تشير إلى أن ناظم كزار هو من نفّذ تلك الأعمال. وللمرة الأولى، أقرّ مسؤول في الدولة، ممثلًا بصدام حسين، بأن جهة حكومية، هي جهاز الأمن، قامت بقتل يهود من دون توجيه تهمة محددة لهم. وأُرجّح أن حالات اختفاء يهود في السبعينات، الذين لم تعرف عائلاتهم مصيرهم، مثل المحامي يعقوب عبد العزيز، كانت نتيجة تصفيات نفّذها جهاز الأمن. وأضاف النائب أنه، ورغم كل هذه الحوادث، لم يُتخذ قرار بإقصاء ناظم كزار من منصبه، وهو ما اعتبره الدافع الأساسي لقيامه بحركته. التسجيل طويل (نحو ساعة ونصف)، ولتسهيل الأمر على المستمع، فإن ما ذكره نائب مجلس قيادة الثورة عن حادثة ناظم كزار يتطابق تقريبًا مع ما ورد في البيان الرسمي الصادر آنذاك، والذي شرح تفاصيل تلك الحركة. وباختصار، قال صدام حسين إن ناظم كزار استدرج كلاً من: سعدون غيدان (وزير الداخلية آنذاك)، حماد شهاب (وزير الدفاع)، عدنان شريف ( قائد الحرس الجمهوري)، إلى مقرّ كان خاضعًا لسيطرة مدير الأمن العام ناظم كزار. كما أرسل مجموعة أمنية لاغتيال الرئيس أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين، اللذين كانا متوجهين إلى المطار مع عدد من الوزراء لاستقبال الرئيس عند عودته من بلغاريا، إلا أن تأخر طائرة الرئيس حال دون تنفيذ العملية. وذكر صدام أنه بعد اكتشاف اختفاء وزيري الداخلية والدفاع وعدنان شريف، تم إصدار برقية بإلقاء القبض على ناظم كزار، وأخرى تطالب الحزب بالنزول إلى الشارع، إضافة إلى تبليغ القطعات العسكرية ببرقية منفصلة. وحسب ما ورد على لسان صدام حسين والناطق الرسمي، فإن محمد فاضل كان على علم بالحادث، وقد أخبر عبد الخالق السامرائي بذلك. ووفق الروايتين، كان محمد فاضل مشتركًا في التخطيط مع ناظم كزار ويعلم بكامل تفاصيل العملية، في حين علم عبد الخالق السامرائي بها عند وقوعها لكنه لم يبلغ القيادة. ومن هنا، يُخيَّل لي أن صدام حسين هو من كتب البيان الرسمي، نظرًا للتطابق التام بين الروايتين. وبرّر صدام حسين قيام ناظم كزار بالعملية بشعوره بأنه سيفقد منصبه. كما ذكر أن ما سُمّي بـ«اللجنة التحقيقية الثانية» التابعة للأمن ضمّت شعبة أسسها ناظم كزار، جلب لها أشخاصًا من الشقاوات وأصحاب السوابق، من بينهم شخص كان متعاونًا مع لجنة عمار علوش التي قامت بتعذيب الشيوعيين عام ١٩٦٣. لا يكشف هذا الشريط شيئًا جديدًا عن حركة ناظم كزار، كونه تسجيلًا لاجتماع مع القيادة القومية، ومن غير المتوقع أن يفصح فيه صدام حسين عمّا قد يسيء إليه. توجد رأيان في تفسير تلك الحادثة: الأول، أنها كانت بالفعل من تخطيط ناظم كزار. والثاني، عبّر عنه كل من تايه عبد الكريم وطالب الحمداني في لقائهما مع الدكتور حميد عبد الله، حيث حملا صدام حسين ‏مسؤولية حركة ناظم كزار . ذكر تايه عبد الكريم أنه بعد إلقاء القبض على ناظم كزار وجلبه إلى القصر الجمهوري، قال الرئيس أحمد حسن البكر للحرس: «خذوه إلى عمه»، في إشارة إلى صدام حسين، واعتبر ذلك دليلاً على أن البكر كان يشك في وقوف صدام خلف العملية. كما ذكر طالب الحمداني أنه قبل أيام من الحادثة، حضر كل من ناظم كزار ومحمد فاضل وصدام حسين إلى ديالى، ما جعله يشك في تعاونهم معًا لتنفيذ العملية. وبرأيهم، كان هناك صراع على السلطة والنفوذ بين أحمد حسن البكر وصدام حسين، وأن صدام حاول التخلص من البكر، لكن العملية فشلت. للأسف، لا يجيب الشريط عن هذا السؤال الحاسم، لأنه تسجيل لاجتماع القيادة القومية، ولم يفصح فيه صدام حسين عمّا قد يثير الشك حوله. لكن أهمية هذا الشريط تكمن في نقطتين أساسيتين: أولًا: تحريض صدام حسين القيادة القومية على اتخاذ قرار ضد عبد الخالق السامرائي، ويبدو أنه كان يحمل ضغينة شديدة تجاهه. فقد وصفه بأنه «فيلسوف التعبئة» والشخص الذي قاد عملية الشحن الأيديولوجي لأشهر طويلة، ثم انتقده لعدم حضوره الاجتماعات. وقال صدام إن عبد الخالق ارتكب «جريمة قانونية وحزبية» تستوجب الإعدام قبل الجندي وقبل ضابط الصف وقبل عنصر الأمن الصغير الذي شارك في العملية، ليس فقط لعدم تبليغه عن ناظم كزار، بل لأنه كان يجب أن يقمع التآمر. كما انتقد تخفيف الحكم الصادر بحقه، ثم عاد بعد دقائق ليحمّل القيادتين القطرية والقومية مسؤولية عدم محاسبته وعدم فصله من الحزب.وقال أن عبد الخالق كان يمارس عملاً تخريبياً داخل الحزب. وأعتقد أنه لولا تدخل بعض أعضاء القيادة القومية، لكان صدام حسين قد أمر بإعدام عبد الخالق السامرائي في تلك الحادثة، لكنه اكتفى بسجنه، إلى أن أُعيد فتح ملفه لاحقًا، ليُعدم بعد اتهامه بالعمل مع مجموعة عدنان الحمداني عام ١٩٧٩. ثانيًا: يكشف التسجيل أن ناظم كزار قام بتسجيل صور في أوضاع خاصة وغير أخلاقية، لا لأشخاص غير عراقيين فقط، بل شملت أيضًا أعضاء في مديرية الأمن وكبار موظفي الدولة والقوات المسلحة، وادعى صدام حسين أنه فوجئ بذلك. ويؤكد هذا الاعتراف أن أسلوب تسجيل وابتزاز الشخصيات داخل الدولة العراقية كان قد بدأ في تلك الفترة واستمر بعدها، وهو ما أشار إليه كثيرون لاحقًا.

الاثنين، 22 ديسمبر 2025

حرق نفط وتايرات قديمة وبعرور أباعر لمواجهة طائرات الشبح وصواريخ كروز, تحضيرات المواجهة في أم المعارك

 


هذا مقطع من تسجيل الاجتماع المشترك لمجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية، المنعقد بتاريخ ٣٠ تشرين الثاني ١٩٩٠، وهو الاجتماع الذي صدر في ختامه بيان نُشر في جريدة الجمهورية بتاريخ ١ كانون الأول ١٩٩٠، وجاء فيه:

«إن القرار الذي صدر عن مجلس الأمن يوم الخميس التاسع والعشرين من تشرين الثاني هو قرار غير شرعي وباطل؛ إنه قرار أمريكي أولاً وأخيراً، ولم تشارك فيه مجموعة من الدول إلا تحت الضغط الأمريكي، في مرحلة تمارس فيها الولايات المتحدة أعلى درجات الهيمنة والغطرسة على المجتمع الدولي بعد التطورات الأخيرة في الوضع الدولي. إن الله مع العراقيين المؤمنين النشامى، ومعهم أمتهم العربية، ومعهم المسلمون من كل أصقاع الأرض، وكل الخيرين من محبي السلام والعدالة في العالم. وإذا ما ركب الأشرار رؤوسهم واتجهوا إلى العدوان، فإن هذا الجمع الخيّر في أرض العرب وفي أنحاء عديدة من العالم سيبرهن، إن شاء الله، أن الحق والعدالة والسلام هي التي سترتفع في هذه المنطقة وفي العالم كله. وستنتكس راية الإدارة الأمريكية وجمع الأشرار من خدمها وحلفائها الملطخة بالجريمة والعار، وسيُسحق في لظى المعركة الأقزام، وخاصة نظام فهد الخائن الذي جعل أرض المقدسات التي يتحكم بها منطلقًا للعدوان على العراق. وإذا كان المجرمون القابعون في دهاليز البيت الأبيض والبنتاغون يحسبون المنازلة على أساس الحسابات الفنية النظرية، فإن العراق والعراقيين، ومعهم كل العرب والمسلمين، سيقلبون تلك الحسابات الخائبة رأسًا على عقب، وسيثبتون في ساحة المنازلة أن الحق ينتصر على الباطل، وأن الإيمان يغلب الكفر، وأن الشرف يفوز على العار والفساد، وأن الله مع المؤمنين. والله أكبر… ما أعلى شرف الجهاد في سبيل الله وفي سبيل الحق والكرامة. والله أكبر، وسيخيب جمع الأشرار، وينتصر جمع الإيمان والحق». وفي افتتاحية جريدة الجمهورية في ذلك اليوم ورد ما يلي: «ولّى زمن الضعف والتردد بانبثاق قوة العراق، المسيَّجة بإيمان العرب والمسلمين والأحرار ومساندتهم، وهي القوة العصرية المتطورة ذات الخبرات العميقة في مواجهة أي نوع من التحدي يُفرض عليها، معتمدة قبل كل شيء على مشروعية القضية التي تنهض من أجلها، وأحقية الموقف الذي اختارته، ونبل القيم التي تدافع عنها. ولذلك فإن من يناطح العراق يختار أن يهشم جمجمته بنفسه، وسيعرف الذين يلوحون بالتهديد والوعيد أن الهزيمة التي ستلحق بهم ستكون بحجم التحدي الذي فرضوه، وبحجم قوة من ينتفض ضد الظلم والجور والاستعلاء. وستتناثر في سماوات العرب وبحارهم وأراضيهم جماجم كل من يتورط في العدوان على العراق، وسينزل القصاص بأولئك الذين مهدوا للعدوان وروّجوا له وشجعوا عليه وقدموا الأغطية له». إن الاستماع إلى ذلك الاجتماع المغلق بعد خمسةٍ وثلاثين عامًا يترك المستمع أسير مزيج من الدهشة والضحك المرّ والحزن والغضب، حين يتبيّن أن «خطة» مواجهة طائرات الشبح وصواريخ كروز الأمريكية لم تتجاوز حرق النفط، وإشعال الإطارات القديمة، وبعرور الأباعر؛ وهي وسائل لا تبدو، وفق أي منطق عسكري أو واقعي، قادرة على تحقيق ما وعدت به لغة البيانات والافتتاحيات من تهشيمٍ للجماجم وتناثرها في سماوات العرب.

الثلاثاء، 16 ديسمبر 2025

تسجيلات صدام حسين السرية ١٠ اجتماع بعد صدور القرار ٦٧٨ الذي أجاز استخدام القوة العسكرية لتحرير الكويت

 


عُقد هذا الاجتماع بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم ٦٧٨ في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٩٠، والذي أذن للدول الأعضاء المتعاونة مع حكومة الكويت، في حال عدم تنفيذ العراق قبل ١٥ كانون الثاني ١٩٩١ للقرارات السابقة تنفيذًا كاملًا كما ورد في الفقرة الأولى من القرار، باستخدام جميع الوسائل اللازمة لدعم وتنفيذ القرار ٦٦٠ (١٩٩٠) وجميع القرارات اللاحقة ذات الصلة، وإعادة السلم والأمن الدوليين إلى نصابهما في المنطقة.

في بداية التسجيل كان المتحدث طه ياسين رمضان، والذي عقد مقارنة بين إيران بوصفها خصمًا خاض العراق معها حربًا طويلة غرق فيها الطرفان بدماء بعضهما البعض، وبين الخصم الجديد الذي اختار الرئيس مجابهته، وهو الولايات المتحدة مع جميع حلفائها. وقال رمضان إنه يستسهل الحرب مع أمريكا لأنها لا تشترك بحدود مع العراق، وأن المقاتل الأمريكي – برأيه – ليس كالمقاتل الإيراني، يقصد من حيث الشدة، كما اعتبر أن المقاتلين السوريين والمصريين لن يقاتلوا. ووصف المواجهة المقبلة بأنها ستكون حربًا قومية مثالية ونموذجية، وذكر أنه يشك في أنهم سيقاتلون، لكن إن حصل ذلك فستكون مصيبة عليهم – أي على الأمريكيين – مؤكداً أنه لا يبالي إن استمرت الحرب ثلاث سنوات. ثم استخفّ كل من الرئيس صدام حسين وطه ياسين رمضان بقدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في حرب طويلة. وذكر رمضان أن وجود القوات الأمريكية في السعودية سيكون عبئًا عليها، وأن وجود هذه الأعداد – حتى لو زادت – سيؤدي إلى تقوية العراق وطنيًا، وأن الشعب العربي سيطرد هذه القوات كما حصل في عهود الاحتلال الأجنبي السابقة. وأضاف أن هذا القرار لن يكون تأثيره كبقية قرارات مجلس الأمن، وأن للعراق مؤيدين في دول العالم، وأن هناك أشخاصًا بدأوا بجلب الدواء والغذاء للعراق. عدا وقوعه في خطأ عقد المقارنة ما بين إيران، دولة من دول العالم الثالث، والولايات المتحدة، صاحبة ترسانة هائلة من أحدث الأسلحة التقليدية والنووية، والدولة الأولى تكنولوجيًا في العالم، فقد تصوّر رمضان أن مجموعة أشخاص تدعو للسلام، سواء كانوا في أوروبا أو أمريكا، يمكن أن تثني الولايات المتحدة عن تصميمها على إخراج العراق من الكويت، بعد أن ضغطت دبلوماسيًا على أعضاء مجلس الأمن لإصدار قرار لم يصدر في تاريخ الأمم المتحدة، وهو قرار استخدام القوة العسكرية لإجبار العراق على الانصياع لكافة قرارات مجلس الأمن. سأل سعدون حمادي الرئيس عن استخدام النفط لحجب رؤية الطائرات، فأجاب الرئيس بأن التجربة ناجحة في حجب الرؤية، وأضاف إلى ذلك حرق إطارات السيارات القديمة وحتى بعرور الأباعر! باعتبارها وسائل لمجابهة الصواريخ الحرارية عبر حرفها عن مسارها، وطلب تنفيذ ذلك في جميع أنحاء القطر. ويبدو أن هذه هي “التكنولوجيا العراقية” التي قيل إنها ستواجه الأمريكيين. ففي اليوم نفسه، التقى الرئيس مجموعة من الشباب العربي، وورد في حديثه معهم: «يبدو أن بعض المسؤولين الأمريكيين متأثرون بأفلام رامبو، وأفلام رامبو مجرد أفلام تُعرض في التلفزيون والسينما ولا تُطبق على الأرض العراقية. قاموا بمبالغات كثيرة وكأنهم يتحدثون مع شعب لا يعرف القتال. كالطائرة التي سموها “الشبح” ويقولون لا يستطيع أحد رؤيتها، بينما نحن نراها بوضوح عندما تأتي، ولا يحتاج الأمر إلى جهد كبير لرؤيتها. ونحن لا نريد الحرب ونتمنى ألا تقع، لكن إن أراد الله أن تحصل فسيرون أن هذا الشبح يراه حتى راعي الغنم في الصحراء، ويراه أيضًا بالتكنولوجيا العراقية، وسيسقط كما تسقط أي طائرة معتدية تريد إذلال الأمة والشعب. إن إخوانكم هنا لا يخلون من تكنولوجيا لمواجهة التعقيد الغربي، ولكنهم في الوقت نفسه يعتمدون على البساطة، حيث يحملون قليلًا من التراب ويذرّونه في عين هذه التكنولوجيا المتطورة فتعميها ولا تعود ترى». ثم أضاف علي حسن المجيد أن الدخان سيكون الحاجب الذي يمنع الصواريخ من إصابة أهدافها، وطلب الرئيس تنفيذ ذلك في جميع المنشآت الحيوية. اقترح سعدون حمادي أن تكون لهجة بيان القيادة تجاه الاتحاد السوفيتي وفرنسا مختلفة عن اللهجة تجاه الولايات المتحدة، وأيد ذلك محمد حمزة الزبيدي، الذي طلب أيضًا من الرئيس الاهتمام بأمنه الشخصي، ودعا إلى توجيه ضربات شديدة لحكام السعودية والخليج عند وقوع الحرب. أضاف طارق عزيز أن الأمريكيين منزعجون من ثبات العراق وإجابات الرئيس في مقابلاته الصحفية، وطلب الانتباه إلى تدابير الدفاع المدني عند وقوع الحرب، وهو ما أيده الرئيس. كما أيد طارق عزيز فكرة إقامة مؤتمرات شعبية خارج العراق لإظهار الدعم، وذكر أنه من المهم أن يعرف الأمريكيون أن الحرب ستكون طويلة، وأن تكون هناك استعدادات في حال استهداف الكهرباء والاتصالات. وقال وهو يضحك إن هذا القرار ليس له مثيل، واعتبر أن الجزء الأكبر منه يهدف إلى إرهاب العراق. ثم تحدث طه محيي الدين معروف واقترح تعبئة إعلامية عبر التلفزيون، كما اقترح تحريك الدول العربية الأعضاء في مجلس الأمن لشجب القرار. وبعد أن صحح طارق عزيز له بأن هذا القرار لا مثيل له لأنه أجاز استخدام القوة العسكرية من قبل دول، علّق الرئيس صدام بأنه سيطالب بتخويل العراق سحق القوات الأمريكية إذا لم تنسحب! ثم ذكر الرئيس ما قاله أمام الشباب العربي، واصفًا كلامه بأنه كان: «يصنّف عليهم، ثم صعدت قوي، ونكعناهم ليجدام!». ثم طلب عبد الغني عبد الغفور أن يعلن العراق أنه سيستخدم كافة الأسلحة منها الكيمياوي. فذكر الرئيس أنه لديه سلاح كيمياوي قدرته ٢٠٠ مرة من الأسلحة التي استخدمت ضد ايران. ولديه أيضاً أسلحة جرثومية ٤٠ سنة تقضي على الأرض التي تقع عليها. فعلق عزت ابراهيم اذا اذونا نضربهم أنعل أبو العرب. يبين هذا الاجتماع أن ما قيل علنًا عن أن طائرة الشبح يراها راعي الغنم، وأن حفنة من التراب يمكن أن تمنع الطيار من ضرب أهدافه، كان مطابقًا لما دار داخل الغرف المغلقة. فالدخان، وحرق الإطارات، وحتى بعرور الأباعر، كانت تُطرح فعليًا كخطط لمجابهة طائرات الشبح وصواريخ كروز. كان هناك فارقاً كبيراً بين كلام الأعلام والغرف المغلقة عن القدرة العراقية الحقيقية، فارقاً كان كارثياً على العراق.

الجمعة، 5 ديسمبر 2025

تسجيلات صدام حسين السرية..٩ القيادة تناقش ضم الكويت، كواويد كويتيين المخدرات لهم والرصاص في حلوكهم ٢

 


هذا التسجيل يعود تاريخه إلى ٧ آب/أغسطس ١٩٩٠، ويبدو أنه الجزء الأخير من الاجتماع المشترك لمجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية، والذي نوقش فيه موضوع ضم الكويت. في عدد من المقاطع يكون الصوت غير واضح بسبب اختلاط الأصوات ووجود تشويش في التسجيل نفسه.

يبدأ التسجيل بحديث الرئيس، حيث قال إنه يبحث عن “حل للكويت” إذا بدأ الكويتيون بالمطالبة بالحاجات الأساسية للعيش، والتي كان يخشى أنه لن يستطيع توفيرها لهم. ثم وصف المجتمع الكويتي بأنه “فاسد وباذخ”. وخلال حديثه قال إنه يجب تكليف جهة بإدخال المخدرات إلى شباب الكويت، ويبدو أنه كان يريد إشغالهم لصرفهم عن مقاومة قواته. وخلال حديث علي حسن المجيد، قاطع الرئيس سائلاً عن شخص يُدعى “الدوسري”. ثم ورد ذكر فيصل الصانع، وهو عضو سابق في حزب البعث رفض الانضمام إلى "الحكومة الكويتية الحرة المؤقتة". وقد أُلقي القبض عليه لاحقاً ولا يُعرف مصيره بدقة. ويبدو من التسجيل — رغم التشويش — أن الرئيس قال إنه يريد "بشر" من الكويتيين “يقعدون وراء الكرسي” بشرط ضمان ولائهم الكامل، وأنه إذا لم يتوفر مثل هؤلاء فعليهم المضي فوراً نحو الوحدة بغضّ النظر عن أي اعتراضات. ووصف الوحدة بأنها ستكون “وحدة الفقراء مع التجار”. كما ذكر الرئيس وجود شخص “يجب قطع رأسه”، لكن هوية الشخص غير واضحة. ثم تحدّث علي حسن المجيد عن حوار مع شخص آخر. وذكر الرئيس أيضاً اسم عبد العزيز الرشيد، ويبدو أنه لم يرغب به. ويؤكد الرئيس خلال التسجيل أنه "دافع عن العراقيين" باجتياح الكويت. وفي السياق نفسه وصف علي حسن المجيد الكويتيين بأنهم “كلهم فاسدون”. بعد ذلك سأل الرئيس عن معنى "الوحدة الاتحادية"، فأوضح طارق عزيز أنها تعني: جيش واحد، وسياسة خارجية واحدة، واقتصاد واسع تديره الدولة أو بخصوصياته، وأمن عام واحد، وحكومة اتحاد واحدة، وتمثيل دبلوماسي وسفارات موحدة. ثم طلب الرئيس من المجتمعين الإجابة بكلمة واحدة عن سؤال حول “مستقبل الكويت”، موجهاً ذلك إلى: مزبان خضر هادي، ثم سعدون حمادي، ثم طارق عزيز، ثم سعدي مهدي صالح، ثم علي حسن المجيد الذي أبدى رأياً يدعو إلى وحدة اندماجية، ثم لطيف نصيف جاسم، وأحمد حسين، ومحمد حمزة الزبيدي. والصوت غير واضح تماماً، لكن يبدو أن أغلب الآراء كانت مع الوحدة الاندماجية باستثناء سعدون حمادي وطارق عزيز اللذين مالا إلى اتحاد فدرالي. بعد ذلك طلب الرئيس من “الحكومة الحرة المؤقتة” أن توجه رسالة تطلب فيها الوحدة. ثم تحدث الرئيس بنبرة تهديد شديدة، قائلاً: "وإذا بعد أسمع واحد يفتح لسانو وما تقطعوه من الزردوم… أغيركم كلكم بما فيهم قائد الحرس الجمهوري… صرتوا عراقيين كواوِيد… اللي يفتح… تكلوله… أفتح حلك وتحطّوا كل الرصاص بحلوكهم… هِيچِي تُقاد الأمم بالظروف الصعبة… مو بالعيني والأغاتي". ثم طلب الرئيس حضور الكادر الحزبي من عضو فرع فما فوق، وطلب من سعدي مهدي صالح دعوة المجلس الوطني “هساع بهاي الليلة” من التلفزيون. وبعد ذلك وجّه علي حسن المجيد بالتوجه إلى الكويت. ومن خلال هذا التسجيل، بالرغم من ضعف الصوت، يتبين الفرق الكبير بين ما كان يقوله الرئيس علناً وما كان يقوله خلف الأبواب المغلقة؛ فخلال سنوات الحرب مع إيران كان يثني على الكويت حكومةً وشعباً، لكنه هنا يصف المجتمع الكويتي بالفساد والبذخ، ويبحث صراحة عن وسائل لإيذاء شبابهم بإدخال المخدرات إليهم. ومن هذا التسجيل والتسجيلات السابقة المتعلقة بضم الكويت، يمكن القول إن الادعاء بأن الرئيس كان “مستمعاً جيداً” هو ادعاء غير دقيق.فكما اتضح من خلال هذه التسجيلات أن المساحة التي أعطاها الرئيس لمعاونيه في إبداء الراي كانت محدودة للغاية، ففي اجتماعه مع وزرائه، قبل أن يسألهم رأيهم في موضوع ضم الكويت، أخبرهم أن القيادة قررت الضم، ثم طلب رأيهم بعد ذلك. فمن كان يجرؤ على الاعتراض وهو يتذكر مصير رفاقهم في قاعة الخلد؟ وفي الاجتماع المشترك لمجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية، لم يُتح للمجتمعين مناقشة قرار الضم نفسه؛ بل سُمح لهم فقط بمناقشة شكل الوحدة بعد الضم، بعد أن أعلن الرئيس قناعته بوحدة اندماجية للكويت في العراق “وينشال كل شي من السجل”، وأن "الحكومة الحرة المؤقتة" ستطلب “عودة الجزء إلى الكل”. وكما ذكرتُ في تعليقي على الجزء الأول من تسجيل الاجتماع، فإن طريقة صناعة قرارات مجلس قيادة الثورة كانت واضحة: الرئيس يعلن ما يفكر به، وعلى المجلس الموافقة — “وهذا هو”، كما قال في ذلك التسجيل. حتى واحد من أخطر القرارات في تاريخ العراق الحديث — قرار ضم الكويت — لم يكن قراراً جماعياً، بل كان قراراً فردياً خطّط له الرئيس ونفذته قواته، وما على المجلس إلا الموافقة على القرار وتبعاته. كان كل ما سُمح به للمجلس هو مناقشة أشكال الوحدة فقط، دون أي نقاش حول أصل القرار. لذلك يمكن القول إن الرئيس في القرارات المصيرية لم يكن مستمعاً جيداً كما صُوّر، بل كان — كما قال أحد المعلقين على تسجيل سابق — “ لا يريد أن يسمع إلا صدى صوته”. ويظهر من التسجيل أيضاً تهديده المباشر لمعاونيه بفقدان مناصبهم إن لم ينفذوا ما يريد، كما قال: “أغيركم كلكم… حتى قائد الحرس الجمهوري”. وأخيراً، يكشف التسجيل، ما كنا نعرفه عن “فلسفته في قيادة الأمم”، لكننا نسمعه يقولها بصوته: قطع الألسنة من الزردوم، والرصاص في الحلوك لكل من يخالفه.

الأربعاء، 26 نوفمبر 2025

تسجيلات صدام حسين السرية..٨ اجتماع مع فلسطينيين في السبعينات: اقتلوا النميري والوحدة مع سوريا



التسجيل من غير تاريخ لكن واضح أنه في السبعينات عندما كان الرئيس صدام بمنصب النائب، وهو مجتمع مع أشخاص بدا من لهجتهم أنهم فلسطينيون.

 يبدأ التسجيل بحديث أحد هؤلاء وهو يوجه سؤالاً للنائب: كنتم قد ذكرتم أنكم ستلزمون الأقطار العربية بتنفيذ قرارات قمة بغداد (١٩٧٨)، وإذا ترددوا في التنفيذ تعالوا لنا ونحن نقوم بهذه المهمة، حتى الآن ما في التزام. وقلتم إن من لم ينفذ قرارات القمة يعتبر خائناً. السؤال: ما هي الإجراءات التي ستتخذ بحق هذه الأنظمة العربية التي لم تلتزم بهذه القرارات؟

فأجاب النائب أنه قد أعلن ذلك، وقبل مؤتمر الوزراء قال إنه سيحرض شعوب (تلك الأنظمة) ويمدها بكافة الإمكانات لإسقاط تلك الأنظمة. ثم أشار ذلك الشخص إلى أهمية مقاطعة الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها راعية لصفقة الخيانة (يقصد كامب ديفيد) من قبل الأنظمة العربية، ودعاه إلى أن يكون للعراق دور في موضوع إلزام الأنظمة العربية بمقاطعة الولايات المتحدة. ثم تحدث شخص آخر وطلب الوقوف بموقف حازم ضد التسوية. ثم تحدث النائب، وقال إن الموقف من الأنظمة التي تسير طريق السادات في الخيانة ومحاسبتهم هو منهج للجماهير والحركات الثورية وبدرجة أخرى للأنظمة الوطنية. وذكر أنه لن يخجل إذا تم مسك صفقة أسلحة ويقال إنها آتية من العراق ضد النظام السوداني وسيقولها من الإذاعة. ووصف النظام السوداني بالخيانة لوقوفه مع السادات. وقال إن أي حاكم لن يلتزم بقرارات قمة بغداد سيُعتبر خائناً كالسادات. ثم وجه كلامه لهؤلاء الأشخاص واعتبرهم مناضلين في منظمة جماهيرية، وطالبهم أن يقولوا إن النميري خائن كالسادات، وأن يصرّحوا أن شعب (السودان) مطالب أن يثور عليه، وأن يصرّحوا أنهم سيطاردون النميري كالسادات أينما شاهدوه. ثم ذكر أنه لا يخجل إطلاقاً إذا أراد أحد منكم أسلحة ويريد قتل النميري أن يستلم هذه الأسلحة من سفارتنا في فرنسا. ويُكتشف السلاح أنه مُرسل عن طريق سفارتنا في فرنسا وبحقيبة السفير رسمياً ويقال: أُرسل من العراق. ونقول: نعم، أُرسل من العراق ولقتل النميري الخائن المجرم، مثل ما نفعل مع السادات. وذكر أن الحد الأدنى أن الأرض لا تُعطى للأجنبي. ثم ذكر أن الوضع الجماهيري العربي النفسي قد انتكس بعد توقيع كامب ديفيد، لكنه تحسن بعد اللقاء العراقي–السوري وقرارات قمة بغداد. وذكر أن ما يقلقه هو هجوم عسكري من إسرائيل على سوريا والأردن. وذكر أنه كان لديه تصميم ونية لعلاقة من نوع جديد مع سوريا، وأن ما يريده للعلاقة مع سوريا هو علاقة وحدة. وقد تم تسليم سوريا دستور وحدة كما نتصوره ووثيقة كاملة لوحدة الحزب كما نتصوره. وذكر أنه سيبدأ بحثاً تفصيلياً لإقامة الوحدة، وأن الوحدة مع سوريا للأمة، للنضال، للثورة، ولمواجهة العدو الصهيوني. وشدد — وهو يضرب بيده على الطاولة — أنه لن يقبل بدون مقاطعة حقيقية للسادات، وأنه ليس لديه أي مرونة تجاه تطبيق قرارات قمة بغداد. كذلك رفض ما دار في مؤتمر جنيف من مباحثات بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة لإيجاد تسوية وحل للصراع العربي–الإسرائيلي. وذكر أنه يتصور حرباً طويلة مع إسرائيل في دولة الوحدة مع سوريا على أساس أشهر طويلة، وأنه يريد سلاحاً من الاتحاد السوفيتي يمكنه من ضرب المنشآت المدنية في إسرائيل لردع إسرائيل كي يضمن الحرب الطويلة ويستنزف العدو بأنهار من الدماء. وأنه مستعد أن يخسر الآلاف في هذه الحرب. وذكر أنه خسر ١٦٬٠٠٠ شهيد في حرب الشمال وكان مستعداً لخسارة ٢٠٬٠٠٠ شهيد. وبرر تنازله عن شط العرب بأن هذه مرونة مطلوبة في العمل الثوري ولقلة السلاح، وادعى أنه حصل على أرض بمساحة البحرين بتنازله عن نصف شط العرب. كما بدا من التسجيل فأن قاعدة العمل السياسي المحلي، وهي استخدام العنف والقسوة داخل البلاد، كان النائب — والرئيس فيما بعد — قد جعلها قاعدة في ممارسة السياسة الخارجية. ولأن قدرته كانت محدودة في البدء فقد اقتصرت على عمليات الاغتيال أو الدعوة لها قبل أن تتحول إلى الحروب كوسيلة لحل الخلافات مع الدول. والنائب هنا أكد لنا ما كنا نعرفه عن السفارات العراقية في الخارج في تلك الفترة، وهو أنها كانت وكراً للمخابرات، منه تنطلق عمليات اغتيال وتصفية المعارضين، وأن الحقيبة الدبلوماسية استُعملت لنقل الأسلحة والمتفجرات إلى الخارج. لا أعرف أن ما ذكره النائب عن اتفاقية الجزائر كان صحيحاً، أن العراق استعاد أرضاً بقدر مساحة البحرين، لكن الأكيد أنه تنازل عن نصف شط العرب، وهو تنازل لم يقدم عليه أي من السياسيين الذين سبقوه منذ العهد الملكي، وهو ما كان الشاه وإيران تسعى إليه في العقود السابقة للاتفاقية. والمفارقة أن النائب يصف من تنازل عن الأرض للأجنبي بالخائن، وهو فضّل أن يتنازل للأجنبي عن نصف شط العرب على أن يتفاوض مع أبناء بلده من الكورد. أما العلاقة مع سوريا، فقد نقضها كما نقض التحالفات أو البيانات التي عقدها مع مصطفى البارزاني أو الحزب الشيوعي أو الشاه وكبيانه القومي فيما بعد عندما غزا الكويت. وعقد التحالفات ونقضها جزء لا يتجزأ من سيرة حياته، فهي ضرورية عندما عقدها وضرورية عندما نكثها.

الجمعة، 14 نوفمبر 2025

تسجيلات صدام حسين السرية...٧ اجتماعاً مشتركاً لمجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية لضم الكويت..١

 

هذا التسجيل يعود تأريخه ليوم ١٩٩٠/٨/٧ ترأس فيه صدام حسين اجتماعاً مشتركاً لمجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية. يبدأ التسجيل بطلب الرئيس ببلورة موقف قانوني من احتمال مقاطعة تركيا والسعودية للعراق ومنع تصدير النفط من قبلهم نتيجة لصدور قرار مجلس الأمن ٦٦١ (٦ أب ١٩٩٠)، أي قبل يوم واحد من تأريخ هذا الاجتماع، والذي فرض حظرًا اقتصاديًا شاملًا على العراق، وطالب الدول الأعضاء بالامتناع عن أي تبادلات تجارية معه، باستثناء السلع الأساسية مثل الأدوية والمواد الغذائية. في هذا الاجتماع أشار طارق عزيز إلى رسالة بعثها الرئيس صدام إلى غورباتشوف، رئيس الاتحاد السوفيتي آنذاك، بعد الغزو يعاتب فيها الاتحاد السوفيتي على موقفه تجاه العراق بعد غزوه للكويت، والجواب كان مطالبتهم للعراق بتنفيذ قرار مجلس الأمن ٦٦٠ والذي طالب العراق بالانسحاب من الكويت. وتطرق طارق عزيز إلى مقابلة الرئيس صدام بالقائم بالأعمال الأمريكي جوزيف ولسن في ١٩٩٠/٨/٦، والذي فوجئ بلقائه بالرئيس. وخلاصة ما ورد في اللقاء، والذي نشرت محضره وسائل الإعلام العراقية فيما بعد، أن العراق لن يضر بمصالح الولايات المتحدة، وأن العراق لن يهاجم السعودية. وأعاد الرئيس قوله إنه لم يخدع حسني مبارك، وأن ما قاله هو أنه لن يستخدم القوة قبل انعقاد مؤتمر جدة فقط، ولم يقل إنه لن يستخدمها مطلقاً. وهذا انتقاد وجهه حسني مبارك للرئيس، وحسب ما قيل عن ذلك اللقاء أن الرئيس أخذ حسني مبارك جانباً وقال له ذلك من دون وجود أحد غيرهم. ومبارك شدد أنها ليست الحقيقة وأن صدام خدعه. ما هي الحقيقة؟ أعتقد لن نستطيع معرفتها، إذ لا يوجد تسجيل يؤكد أو ينفي ما قاله الرئيس. وتخميني أنها كانت خدعة مقصودة لطمأنة الكويتيين ومنعهم من طلب مساعدة عسكرية قبل الغزو كما حدث في زمن عبد الكريم قاسم. وفي لقائه مع القائم بالأعمال الأمريكي، ذكر طارق عزيز أن صدام قال له إنهم إن استخدموا القوة العسكرية ضد العراق فإنهم سيهزمون. درجة الوهم والغرور لدى الرئيس وصلت إلى حد قوله للقائم بالأعمال الأمريكي إن الأمريكان، أقوى دولة في العالم، وبعد فترة قصيرة من انهيار الاتحاد السوفيتي، سيُطردون من منطقة الشرق الأوسط كلها! وهو وهم وقع فيه الرئيس وردده طوال الأشهر الستة التي سبقت المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة، ويبدو من التسجيل أنه كان مقتنعاً به منذ بداية الغزو إن لم يكن قبله. وذكر طارق عزيز أن أقصى ما استطاع العراق فعله دبلوماسياً للتصدي للقرار ٦٦١، قرار المقاطعة الاقتصادية الشامل، هو أن كلمة "العدوان" رُفعت من نص القرار، وأن القرار صدر بالنص الأمريكي المقدم. وذكر الرئيس أنه سيسمح للكويتيين الراغبين بالمغادرة بالخروج، وأنه سيستبدلهم بـ"ولد مدينة صدام" حسب قوله، وأنه سيقول للعراقيين بعد فترة: "اصبروا، وستنالون الكثير من الخيرات"، وحتى "المتوفون منهم سيحصلون على شيء". وهو وهم آخر وقع فيه، إذ تصور أن الأمريكان سيسمحون له بالحصول على ثروات الكويت. واستمر الرئيس في حديثه الواهم، قائلاً إن الرغبة الإنسانية في العداء تقل بمرور الزمن، وبالتالي لن يكون هناك رد عسكري على احتلاله للكويت. وتصور أن الرد العسكري سيكون عبر الطائرات فقط، وأن هناك سيكون رد فعل شعبي عربي إذا حصل الرد العسكري على العراق، وأن دول الخليج ستنهار كلها. وعن ادعاء العراق أنه ابتدأ بسحب قواته، ذكر حسين كامل أنه كان يحرك القوات نحو العراق لكنها كانت تستدير وتعود للكويت، وهو انتقاد وجهته الولايات المتحدة للعراق معتبرة أنه غير صادق بادعائه الانسحاب من الكويت. وهنا طلب الرئيس منه التوقف عن ذلك، لأن العراق — حسب تعبيره — "ما لازم يجذب" وأنه عندما يقول شيئاً لابد أن يطبقه. وأنا أستمع لحديثه، بدت صفة أخرى من صفات شخصية صدام حسين، وهي التناقض؛ فالعراق "لازم ما يجذب"، ولكن كيف يمكن وصف ادعاء العراق بوقوع انقلاب في الكويت من قبل حكومة وهمية أصدرت لمدة ستة أيام بيانات — كان العراق وعلى الأكثر الرئيس نفسه كاتبها — بغير أنها سلسلة أكاذيب؟ وذكر الرئيس في الاجتماع فكرته من محاولة ربط انسحابه من الكويت بانسحاب إسرائيل من فلسطين كمعركة إعلامية. وذكر للمجتمعين أنه يؤمن بـ اندماج كامل للكويت في العراق "وينشال كل شي من السجل" بعد تحديد حدود الكويت برقعة صغيرة. وأن الحكومة الكويتية المؤقتة ستطلب "عودة الجزء إلى الكل"، وكان كلامه بصيغة بيان سيصدر باسم الحكومة المؤقتة. ثم قال إن مجلس قيادة الثورة سيوافق على طلب الحكومة المؤقتة. ومن خلال هذا التسجيل يتضح كيف كانت قرارات مجلس قيادة الثورة تصدر: الرئيس يتحدث بصوت عالٍ عما يدور بخلده وعلى المجلس الموافقة — "وهذا هو" حسب قوله. حتى أخطر قرار واجهته الدولة العراقية في تاريخها الحديث، القرار الكارثي، كان قراراً فردياً فكر به ونفذته قواته، وما على مجلسه إلا الموافقة على تبعاته. وبعد حديثه عن اندماج الكويت، كل ما سمح لمجلس قيادة ثورته وقيادته القطرية بالحديث عنه بخصوص الكويت هو أشكال التوحد فقط. ثم تحدث طه ياسين رمضان فردد ما قاله رئيسه. ويبدو من نهاية التسجيل أن صدام تركهم يتحدثون فيما بينهم! وكأنه غير مهتم بما سيقولونه!

الأحد، 2 نوفمبر 2025

تسجيلات صدام حسين السرية ٦. ١٩٧٨، ياسر عرفات خزي. .طيح الله حظه، جماعة باريس احنا كلنالهم أكتلوهم.



يعود تاريخ هذا التسجيل إلى أيلول ١٩٧٨، خلال اجتماعٍ مع مكتب الثقافة والإعلام.
المتحدث الأول فيه هو طارق عزيز، ثم تلاه في الحديث النائب صدام حسين.

في بداية التسجيل تحدث طارق عزيز عن صراع حزب البعث مع ياسر عرفات في تلك الفترة، السبعينات. ووصف قيادة منظمة التحرير بالرجعية وبأنها ماشية في خط التسوية. واشار طارق عزيز في التسجيل الى أن العراق كان رافضاً لخيار التسوية، أو ناطوط حسب وصفه.
وكخلفيةٍ لما دار في هذا التسجيل، لا بد من الإشارة إلى أن حزب البعث كان قد رفع   شعار أن القضية الفلسطينية هي قضيته المركزية، واتخذ من علم فلسطين علمًا للحزب، غير أن هذا الشعار وُضع على المحكّ عندما شنّ الجيش الأردني هجومًا على المقاومة الفلسطينية في أيلول ١٩٧٠.

كان لدى العراق في تلك الفترة نحو ١٧ ألف جندي ومئة دبابة متمركزة في المنطقة التي دارت فيها المعارك، إلا أن الجيش العراقي لم يتدخل رغم ضغط الشارع والقاعدة البعثية، بل إنه فتح الطريق أمام الجيش الأردني لتنفيذ عملية على خط انسحاب المقاومة نحو الشمال.

وقد خلق هذا الموقف، كما اعترف التقرير القطري الثامن، "وضعًا خطيرًا ومشاعر متناقضة داخل حزب البعث"، إذ لم تستطع القاعدة الحزبية تقبّل التفاوت الفاضح بين الضجة الإعلامية الداعمة للفلسطينيين والموقف العملي المتخاذل على الأرض.

ولأن القضية الفلسطينية قضية مركزية، لم يترك حزب البعث، بفرعيه السوري والعراقي، المجال للفلسطينيين لتقرير مصيرهم بأنفسهم. فقد أسّس النظام السوري منظمة الصاعقة الموالية له، بينما أنشأ النظام العراقي جبهة التحرير العربية التابعة له. كما دعم العراق جبهة التحرير الفلسطينية بقيادة أبو العباس، إضافةً إلى دعمه أبو نضال (صبري البنا)، الذي كان يشغل منصب ممثل منظمة التحرير الفلسطينية (فتح) في بغداد.

بعد حرب تشرين ١٩٧٣، شهدت الساحة الفلسطينية انقسامًا واضحًا، إذ بدا أن ياسر عرفات يميل إلى خيار التفاوض لإيجاد حل سلمي للقضية الفلسطينية. وقد أدى هذا التوجه إلى انشقاق عدة فصائل عن منظمة التحرير، التفت حول ما عُرف بـ جبهة الرفض، الرافضة لأي تفاوض مع إسرائيل. ومن أبرز شخصيات هذه الجبهة وديع حداد وجورج حبش وأبو نضال، الذي كان مقيمًا في بغداد آنذاك. 

نشبت إثر ذلك تصفيات داخلية بين هذه الفصائل المتناحرة. ويُشير التسجيل  إلى حادثة اغتيال سعيد حمامي، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لندن. ويبدو من التسجيل أن أبو نضال أبلغ السلطات العراقية بعملية الاغتيال التي نفذتها جماعته، لكن من غير الواضح ما إذا كان قد أبلغهم قبل تنفيذ العملية أو بعدها.

لم يكتفِ العراق بدعم الفصائل المناهضة لحركة فتح، بل أغلق مكاتب فتح في بغداد وقطع المساعدات عنها. وردّت فتح على ذلك بشنّ هجمات ضد المصالح العراقية، من أبرزها اقتحام السفارة العراقية في باريس في تموز/ ١٩٧٨، حين اقتحم فلسطينيان السفارة واحتجزا السفير العراقي لمدة ثماني ساعات قبل أن يستسلما للشرطة الفرنسية.
ويُظهر التسجيل أن صدام حسين، الذي كان نائبًا للرئيس في تلك الفترة، أصدر تعليمات لحرس السفارة بقتل المهاجمين بعد استسلامهم للشرطة الفرنسية ، فقام أحد الحرس باطلاق النار فجرح أحد المهاجمين وقتل شرطي فرنسي مما أدى إلى تدخل الشرطة الفرنسية التي قتلت أحد الحراس العراقيين . كما يتضح من التسجيل أن صدام كان على خلاف حاد مع ياسر عرفات، ووصفه بعبارات قاسية مثل "الخزي" و"طيّح الله حظّه".
ويبدو كذلك أن العراق ردّ على منظمة التحرير الفلسطينية بعد هذه الأحداث عبر جماعة أبو نضال، التي نفذت اغتيال عزّ الدين قلق، ممثل منظمة التحرير في باريس، بعد نحو شهر من حادثة اقتحام السفارة العراقية هناك.



الأحد، 26 أكتوبر 2025

تسجيلات صدام حسين السرية ٥. طه ياسين رمضان تحدث عن البيعة، وصدام سيعلن مقتل كامل حنا على يدي عدي

 

هذا التسجيل يعود تأريخه الى عام ١٩٨٨. في بداية الشريط تحدث الرئيس عن البيعة، أي بيعة الشعب العراقي للرئيس. والبيعة حصلت في ١٣ تشرين الثاني من عام ١٩٨٢ بعد أن أقترح الرئيس في حديث له في ٩ تشرين الثاني، أي قبل ٤ أيام من البيعة، أن يجرى استفتاء من قبل الشعب العراقي ومن الشعب الأيراني عن من أكثر شعبية في بلده، صدام أم الخميني، وقال من يفوز باكثر من ثلثي الأصوات يكون هو الممثل الحقيقي لشعبه. 

في هذا التسجيل صور كل من الرئيس وطه ياسين رمضان أن خروج ٤ ملايين عراقي ،حسب الأحصاء الرسمي، لمبايعته وهتافهم لا ثلث ولا ثلثين كلنا نبايع صدام حسين، كان عفوياً.

لكن الحقيقة كانت أن مسؤولي دوائر الدولة والجامعات والمدارس والحزب نظموا البيعة التي انتهت بتقديم وثيقة مبايعة للرئيس كتبت بدماء أعضاء المجلس الوطني. احتفال البيعة كان يعاد سنوياً في نفس اليوم والشهر.
وتحدث الرئيس أيضاً في هذا التسجيل عن حادث مقتل كامل حنا على يدي عدي وذكر أنه سيعلن رسمياً عن حصول الحادث، لأن أغلبية الناس سمعوا بحصولهوذكر أن عدي حاول الأنتحار وادخله المستشفى ثم أدخل السجن ونام على الأسمنت حسب قوله وانه سيحيله الى المحكمة. عن ذلك الحادث ذكرت حفيدته في كتابها حفيدة صدام  "‏حادثة مقتل حنا، السفرجي الشهير السابق لدى جدتي ساجدة. بعد سنوات طويلة من عمل حنا لدى جدتي، أصبحت له مكانه كبيرة سواء أكان في مجتمعه المسيحي داخل بغداد، أو بشكل عام في المجتمعات الراقية ووسط طبقة المسؤولين.. ومع الوقت أصبح أيضاً محط ‏ثقة كبيرة عند جدي صدام حسين.. اعتاد الشعب العراقي على رؤيته كثيراً مرافقاً له على شاشات التلفاز.. مما زاد من الصلاحيات والنفوذ التي أوكلها لنفسه. وفي يوم ما، كان حنا يقيم سهرة ليلية خاصة به في مدينة الأعراس داخل أحد المواقع الرئاسية التابعة للدولة وهو ما لم يكن مسموحاً لأحد، وكان ذلك بالقرب من موقع دجلة الذي يسكنه خالي عدي، وكعادة الكثير من العراقيين، كان حنا يطلق الكثير من النار في الهواء في تلك الليلة، كان ذلك ليلة الأحد على الاثنين، حين كان خالي عدي جالساً في حديقته الخلفية ناوياً صيام اليوم التالي (الاثنين) كما المعتاد. وقد كانت أيضاً السيدة سوزان مبارك سيدة مصر الأولى تحل ضيفة على العراق في ذلك اليوم. سمع خالي عدي صوت إطلاق الرصاص فسأل عن مصدره وتم اخباره أنه حنا... عندها انزعج خالي وخشي أن يزعج صوت رصاص حنا عند منتصف الليل نوم الضيفة سوزان مبارك، فارسل إلى حنا من يطلب منه أن يتوقف عن رمي الرصاص في الهواء. ورد حنا بعد هذه التوصية بإطلاقات نار أكثر كثافة من التي سبقتها، خاصة وهو تحت تأثير الخمر.. كرر خالي طلبه وكرر حنا تجاهل الطلب. عندها، غضب خالي وذهب بنفسه ومعه أحد أصدقائه وشخص آخر من الحماية وهو يحمل معه عصا تسمى بالعراقي "عوجية" لها راس حية (ثعبان) التقطها سريعاً من بين مجموعته المميزة من العصي الموجودة دائما بالقرب من الباب لتكمل لباسه العربي وهو الدشداشة وعبأه على كتفه، وبعد التلاسن مع حنا، قلب خالي العصا وضربه برأس الحية على القبة.. أعتقد خالي أنها ضربة تأديبية، وسقط حنا مغمى عليه عليه -أ و بدا الأمر لخالي كذلك- وخرج خالي من المكان. وفي الصباح، فوجئ خالي بالكثير من المكالمات الصباحية. وحين استفسر عن سببها وفحواها، أبلغ بأن الرئيس قد أمر بإلقاء القبض عليه لقتله حنا. وحين جاء الجنود للقبض على خالي عدي، كان قد ملأ مدخل منزله بالأسلحة، وهو يصرخ مقسماً أنه سيقوم بقتل أي شخص ‏ يجرؤ على الإقتراب منه. كان يعتقد أن أحدهم قد قتل حنا ويريد الصاق التهمة به. كان مؤمناً ببرائته. تدخلت جدتي ساجدة، وتدخل والدته هو ما جعله يسلم نفسه".
وعن ذلك الحادث أيضاً ذكر برزان التكريتي في مذكراته "في صباح يوم ١٩٨٨/١٠/١٨ وفي حوالي الحادية عشر من صباح هذا اليوم جاءني الشخص الذي يعمل عندي في البيت هناك وقال لي أن الرئيس اتصل يطلب الكلام معك ويطلب أن تتصل به، فذهبت للبيت واتصلت بالرئيس بعد السلام سألني عن مكان وجودي قلت له إنني في تكريت، قال تصورت إنك هنا في بغداد لأنني محتاجك، وهذه  لأول مرة أسمع هذه الكلمة منه لأنه لا يقولها مطلقاً، قلت له سوف أكون عندك بعد أقل من ساعتين، قال طيب ولكن عليك أن لا تسرع في السياقة، قلت له إن شاء الله.. وصلت بغداد بعد الظهر، أخبرتني شجرة الدر بما حصل في الليلة الماضية وان أم  عدي طلبت من شجرة الدر أن تذهب لها فذهبت ووجد حالة أختها سيئة جداً والوضع غير طبيعي، ولكن أم عدي لم تفصح عن شيء، لابد أن يكون هناك شيء ولكنهم يحاولون عدم الإفصاح عنه، وأضافت أعتقد أن عدنان خير الله يعرف الحقيقة، قلت لها كيف شعرت بهذا، قالت لأن عدنان لا يتكلم ولا كلمة واحدة وكل تعابير وجهه تقول أنه يعرف السبب وإنه مشمئز من ما حصل وما يحصل، ويظهر انه غير متفاجئ ولا هو مهتم بما يحصل، وقالت إن عدي الآن في المستشفى لأنه حاول الأنتحار لانه تناول عدد من حبوب الفاليوم. قلت لها إن الرئيس اتصل بي وطلب حضوري، قالت اتصل به، فاتصلت به وطلب مني أن أذهب إلى بيته، كانت الساعة الخامسة بعد الظهر، ذهبت ووجدته في حالة حيرة أكثر منها من أية حالة أخرى، أخبرني بما حصل وقال إن عدي قتل كامل حنا عندما كان كامل مع مجموعة مع أقاربه يسهرون في جزيرة الأعراس وعلى ما يبدو انه كان مخمور وقام بإطلاق العيارات النارية وكان عدي قريب من المنطقة التي كان فيها كامل حنا وأيضا كان بدوره مخمور فارسل له خبر يطلب منه الكف عن إطلاق العيارات النارية، ولكنه لم يتوقف فقام بضربه بعصا على رأسه مما سبب نزيف داخل رأسه سبب وفاته.. تبين فيما بعد أن كامل حنا كان محتفل بزواج عمه من سميرة الذي تم قبل أيام، وبما أنه مدلل الرئيس وصاحب الخطوة الكبيرة عنده وفي داخله يعتبر نفسه أمين سر الرئيس، وقبل ذلك أو أثناءه أن الرئيس أعطى كامل حنا نقود فاقت ما أعطى أي مسؤول في الدولة. كان الوزراء وأعضاء القيادة وغيرهم يتوددون لكامل حنا، كان يتنقل الهليكوبتر وعندما يذهب إلى المحافظات لترتيب الأمور قبل وصول الرئيس أو لأي سبب آخر يخرج المحافظ لاستقباله. وفي إحدى اللقاءات مع الرئيس قال لي أن حسن العامري الذي كان عضو مجلس قيادة الثورة وعضو القيادة القطرية للحزب ووزير التجارة يتودد لكامل حنا ويسأله عن انطباعاتي عنه، ولم اعقب بشيء عن ما سمعته منه. حاولت أن أخفف عليه وقلت له أن الحدث وقع وعلينا أن أن نتدبر الأمر، قال أن هذا الولد سيئ وناقص تربية، لم اعقب بشيء، ولكنني قلت له سوف نتدبر الأمر وعليه أن يهدأ، طبعا عندما توفي كامل حنا، أرسل الرئيس عزت الدوري لتشيعه. في اليوم الثاني ذهبت للمستشفى  التي كان عدي فيها لزيارتته ولاستطلاع الوضع، كان في مستشفى ابن سينا، كانت شجرة الدر معي، كان متمارض أكثر من ما هو مريض، كانت أمه هناك وأخوه وحسين كامل واخواته، الأم كانت قليلة الكلام وأقرب للصمت، حسين كامل كان مسرور لما حصل لأن ما حصل سوف يحتاج لفترة لإصلاح العلاقة بين الأب والابن، اما أخوه قصي فأيضاً كان وضعه أشبه بوضع حسين كامل، بل كان يتصرف ويتحرك كمن يريد استغلال الفرصة، وإظهار نفسه على أساس أنه المخلص المطيع والمستقيم... ألخ كان الوقت بعد الظهر ولا زلنا عندهم في المستشفى وكنت في الصالون وشجرة الدر وأم عدي وآخرين لأن حسين كامل وآخرين كانوا في غرفة عدي، سمعنا أصوات أقدام وركض وصراخ، ‏خرجت لأستطلع ما حصل وإذا بقصي يقول لي إن عدي خرج وأخذ السيارة وذهب وأضاف أعتقد أنه ذهب إلى الرضوانية لملاقات أبي، وعندما سمعت أمه واخواته لاحظت أن خوف وقلق فظيع انتابهن حتى سمعتهن يقولن يا ستار سوف واحد يقتل الآخر. استغربت من هذا الكلام ولكنه جلب انتباهي وبدأت اتذكر ما سمعته من شجرة الدر واعيده مع نفسي، وأقول مع نفسي إذا ما شعرت به شجرة الدر صحيح أن هناك سبب لما حصل ولكنهم لا يريدون الأفصاح عنه. 
بعد ما يقارب النصف ساعة  خرجت وشجرة الدر  عائدين للبيت.. بحدود الساعة السادسة مساء اتصل بي الرئيس يقول أحضر فورا للبيت، خرجت مسرعاً متوجهاً  الى بيت الرئيس.. وصلت ووجدته جالس في الصالون يرتدي ملابس سبورت، بنطلون وسترة وشفقة على رأسه، قال لي هل تعرف ما حصل، قلت لا، قال جاء هذا المجنون إلى الرضوانية ويوشر باصبعه نحوي قائلاً اذهب إلى زوجتك، يقصد أمه (أم عدي) وأضاف أن تصرفه وحركته كانت مهينة أمام الحماية ولكن لحسن الحظ لم يكن المسدس في حزامي وإلا قتلته... كانت أمه جالسة والأخوات سهام ونوال وبنات الرئيس، ووصل وطبان كذلك.. في هذه الأثناء دخل قصي يركض وهو يصرخ لقد وصل، لقد وصل، استفسرت منه من الذي وصل، قال عدي، قلت أخبره لكي يدخل لنضع حد لهذه التصرفات، قال  لا بيديه بندقية ويريد أن يضرب بابا.
خرجت مسرعا ولحق بي وطبان وجدناه أمام الدار الذي يسمى قصر القادسية وبيده بندقية كلاشنكوف، اقتربنا منه محاولين أخذ البندقية منه ولكنه شعر بذلك فتراجع للوراء وصوب البندقية نحونا و عندما استمرينا بالمشي نحوه أطلق عدة طلقات تحت اقدامنا، فتكلمت معه بأسلوب ومفردات لا اذكرها لأنني كنت منزعج، بعد ذلك بدأ يبكي ورمى البندقية جانبا فأخذناه للداخل، وعند مدخل البيت شهر قصي مسدسه محاولا ضرب أخوه ولكنني نهرته وقلت له إنك منافق وانتهازي وتحاول استغلال الفرصة، دخلنا للصالون الذي كان الرئيس يجلس به، طلبت من عدي أن يعتذر من أبوه ويقبله فقام بما طلبت منه، وجلسنا كان الوضع كئيب جدا، والنساء يبكون طبعا، عدنان خيرالله لم يتحرك من مكانه ولا تكلم ولا بكلمة واحدة. ساد الجو صمت فظيع... بعد ما يقارب العشرة دقائق أو أكثر تكلم الرئيس قائلاً بعد ما حدث سوف لا أعتبرك ابني، وقال مخاطبا عدي إنك قاتل وعليك تهيئة نفسك لتذهب إلى مركز الشرطة لتسليم نفسك لأن هذا هو الحل.
  قلت له نعم سوف يعمل ما تقوله وفعلاً كنت مع هذا الأتجاه لأن المشكلة أصبحت معروفة لدى عامة الناس وتركها دون سيناريو من هذا النوع يسبب للرئيس حرج كبير لأنه في ذلك الوقت كان يلاحظ بعض الشيء لما يقوله الناس،  بعدذلك ذهب الرئيس وقمت  بالحديث مع عدي لاقناعه بتسليم نفسه وسوف نرتب الأمور لأن هذا هو المخرج الوحيد، أشعرني أنه سوف يعمل ذلك واعتقد أنه فعلا كان مقتنع بذلك ولكنه على ما يبدو غير رأيه في ما بعد. عدت وشجرة الدر للبيت وبقيت كل من سهام ونوال أخواتنا، وأعتقد إلهام أخت شجرة الدر كانت أيضا هناك، وعرفنا منهم، إن الرئيس عاد للبيت بعد حوالي الساعة وكان معه حسين كامل وأخوه صدام، في هذه الأثناء نزل عدي من جناحه في قصر القادسية فاستدعاه أبوه وكانت أمه وأخواتنا والهام موجودين، فقال له لماذا تتصل بالسفارة الأمريكية وتطلب تسهيلات للذهاب إلى أميركا، فيبدو انه اتفق مع حسين وصدام كامل على اعتقال عدي، ففي هذه الأثناء هجم الأخوين على عدي واعتقلوه ووضعوا الوثاق بيديه (كلبجة) واخذوه  إلى الرضوانية، وضعوه في غرفة ملحق بها حمام بسيط وغرفة جلوس متوسطة، لأنني زرته هناك. الذي تبين أن عدي اتصل بالسفارة الأمريكية وكان يطلب تأشيرة دخول لاميركا طلبا للجوء إليها، وكان هاتفه مراقب من قبل حسين كامل، فأسرع حسين بإخبار الرئيس بذلك وقام الرئيس باعتقاله"
وتكمل حفيدة الرئيس "تم اتخاذ الإجراءات القانونية، وحبس خالي على ذمة التحقيق، ثم أخذه جدي بنفسه إلى السجن.. كان سجناً عادياً عبارة عن باحة رملية لها سياج خارجي، وبها عدد من الزنازين... وفي الباحة طاولات وكراسي البلاستيكية.. وكان جدي يأخذ مفتاح السجن معه. كانت العائلة تزوره في تلك الأيام وهو في سجنه بشكل يومي. فيأتي صدام حسين والد السجين، ووالدته وأمي، وخطيبته في تلك الأيام وهي هوازن؛ ابن صديق جدي عزت إبراهيم الدوري، والتي كان لها ولأسرتها معنا موقف طيب في أيامنا الأخيرة في العراق. كانت العائلة تجلس لديه لمدة ساعة أو ساعة ونصف ثم تغادر.  وكثيراً ما كان جدي يفرش سجادة الصلاة الخاصة به في زنزانة عدي ويصلي هناك. كان عدي يطلب من البنات الثلاث( والدتي، وخالتي رنا، وخطيبته) أحياناً أن يقمن بغسل ملابسه أو تنظيف زنزانته. كانت العائلة كلها تزوره بين فترة وأخرى وتتناول العشاء معه. وقليلاً ما تجيء الخالة لمى زوجة خالي قصي. امر جدي بفتح تحقيق وتشكيل لجنة لاتخاذ القرار بشأن ما حدث، ومنع عنها أي ضغوطات. وأوصى أعضاء اللجنة باتخاذ الأجراءات القانونية المعتادة. مباشرة، طلب جدي قرار اللجنة، وقام بالمصادقة والتوقيع عليه. عرفت جدتي أن جدي جاد. وسيقوم بتطبيق القرار على خالي كما يطبق القرار على أي شخص آخر. ورفض جدي تنازل أولياء الدم لكي لا يقال انهم تنازلوا  خوفاً. بدأ جدي يتململ من كثرة الوساطات، ووصل به الأمر الى سؤال شيوخ القبائل المقبلين عليه عن سبب زيارتهم ومصارحتهم من البداية: إذا جايين علمود عدي.. فهو غير قابل للنقاش..
عندها، قامت جدتي بخطوه ذكية، وهي تعرف عمق العلاقة  في ذلك الحين بين جدي صدام والملك حسين بن طلال رحمه الله ملك المملكة الأردنية الهاشمية، فقامت بالاتصال به في عمان هاتفياً، وطلبت منه القدوم بشكل عاجل. وفعلاً، جاء الملك حسين بسرعة، وطلبت منه التوسط لدى جدي.. كان جدي يحب الملك، وقد خص العراق منذ مدة راتباً ثابتاً للعائلة المالكة الأردنية، بالإضافة أشكال مختلفة من الدعم. وبدهائه المعروف، بدأ الملك حسين بزيارة عائلة حنا لتطييب خاطرهم، وفهم منهم أنهم أصلاً لم يرفعوا دعوة بشكل رسمي. ثم ذهب إلى جدي، وطلب منه بالطريقة العربية التقليدية ألا يرده خائباً في مطلبه ووافق جدي. وكان طلب الملك من جدي أن يقبل بالاحتكام الى الشرع والدين وتنازل أولياء الدم؛ وخاصة أن أهل القتيل لم يرفعوا دعوة ضد خالي عدي.. بل أن أفراد عائلة حنا ‏ جاووا بكبارهم وقسيسهم، وظهروا على شاشات التلفاز العراقية وهم يقولون إن ما حدث كان قضاء وقدراً. واكدوا لجدي أثناء اللقاء أن له أفضالاً كبيرة عليهم، وهذا سبب كاف لتنازلهم على حد قولهم وحسب. وقد دفع الملك حسين لتوجيه القضية على أنها قتل بالخطأ. انتهت القضية، ولكنها ألقت- كما حدث في قضية خطوبة خالي عدي- بظلالها على حياة خالي وعلى علاقته بجدي."
ويكمل برزان التكريتي "بقي في الرضوانية ثلاث أسابيع بعدها خرج، ومعروف كيف وجه وزير العدل، الذي كان على ما أعتقد اكرم عبد القادر الدوري رسالة للرئيس كلها نفاق ودجل وبعد عن الحق والقانون الذي هو حارس عليه ولحمايته، بعد فترة من خروجه حصلت له مشكلة مع عامل بدالة القصر وقام بضربه، مما أزعج الرئيس وحصلت مشكلة وقمنا بمعالجتها أيضا، ولكن الذي الاحظه أن الرئيس منزعج محرج وحيران بطريقة التعامل مع ابنه.. بعد أيام من حصول المشكلة مع عامل بدالة القصر قام بضرب ضابط أمن يعمل في القصر مع حسين كامل، كان على ما يبدو دور في متابعة عدي ومراقبة تلفونه.. إلخ مما أدى إلى شق في راس هذا الضابط لأن عدي ضربه بقبضة المسدس. فهنا غضب الرئيس وقال أن هذا التصرف وصل إلى حد لا يمكن السكوت عليه، لأن عدم معالجة هذا الوضع سوف يجعل الحمايات والحراسات... الخ لا تقوم بواجباتها.. في هذه المرة شعرت أنني شبه عاجز عن تهدئة الأمور لان عديلة يريد أن ينهي الأمور ولا على تهدئتها، الذي قمت به هو الاتصال مع حامد حمادي الذي كان سكرتير الرئيس  في ذلك الوقت طالبا منه لا يسمح له لهذا الضابط من الدخول للرئيس لحين ما نرتب الأمور، ولكنه أخبرني أن حسين كامل وقصي طلبوا منه أن يسمح لهذا الضابط بالدخول الى الرئيس ليشاهده بدماءه، وهو الآن في غرفة الرئيس يعرض تفاصيل ما حصل.. اتصلت من بيت الرئيس، لأن أم عدي اتصلت بي طالبة مني الحضور  وقالت حدثت مشكلة جديدة... عدت إلى الغرفة التي كانت زوجة الرئيس وابنها عدي يجلسون بها وأخبرتهم بما حصل، وقلت لهم توجد عناصر في العائلة تحاول استغلال الوضع لاهداف خاصة بها، فقالوا من هم  فذكرت لهم أن الضابط دخل للرئيس بطلب من حسين كامل وقصي من السكرتير بادخاله... اليوم الثاني اتصل بي الرئيس طالباً مني الحضور إلى مكتبه في بناية المجلس الوطني كان الوقت بحدود العاشرة صباحا.. قلت له سوف أحضر بعد ترتيب نفسي، قال لا تستعجل لأني انتظرك.. وصلت مكتب الرئيس بحدود الحادية عشر والنصف، قال لي حامد حمادي أدخل لأن  الرئيس ينتظرك..
 دخلت وسلمت عليه، قال لي اجلس، بعد أن جلست بحدود عشرة دقائق قال الرئيس أنه لم يستطيع النوم طيلة الليلة الماضية لانه يفكر كيف يتصرف مع هذا المجنون، يقصد إبنه عدي، واضاف إذا  بقى هنا وعلى هذا الوضع سوف يدفعني إلى قتله، قلت له طول بالك لا يوجد شيء ليس له حل، فقال أنه اهتدى الى فكرة مفادها أن يذهب عدي إلى خارج العراق وفكر أن يرسل سبعاوي معه وبعد أن يتم تعيينه سفيراً في البلد الذي يقع عليه الاختيار، واضاف ولكنه وجد أن سبعاوي لا يستطيع أن يسيطر على عدي، لذلك طلب لقائي لمعرفة رايي بفكرة ذهابي بدلا من سبعاوي.. وعلى الفور قلت له ليس هناك مانع لأني فعلا كنت أرغب رغبة مخلصة من مساعدته من الخروج من ذلك المأزق.
 والسبب الآخر لأننا، شجرة الدر وانا، نتطلع الى مثل هذه الفكرة منذ زمن بعيد.. فلاحظت علامات الأرتياح عليه، فقال الى اية دولة ترغب أن تذهب، وقلت له إنكلترا أولا وسويسرا ثانياً، قال لماذا إنكلترا، قلت له بسبب اللغة لأن عندنا خلفية  باللغة الإنجليزية وكذلك مفيدة للأطفال عندما يتقنون اللغة الإنكليزية. قال سويسرا هي الأفضل واضاف بصراحة أنا لا يثق بعدي وإنكلترا مليئة بالمعادين وممكن أن يخون لأن عدي عنده الاستعداد للخيانة. هذا ما قاله بالحرف.. قال انه يعمل كل شيء وقال هل تعرف أن اصدقائه اللذين تم اعتقالهم قالوا أن عدي سلم لهم ثلاثة ملايين دينار كان يحتفظ بها في قصر القادسية لدفع مقدمة لكمية من الويسكي لبيعها. هل تصدق ذلك أن ابني يتاجر بالويسكي  لم اعقب بشيء..قلت له طيب لتكن سويسرا."